-
بين سويسرا وإسبانيا وفرنسا.. تفاوت واضح في تجاوب الدول مع الإنابات القضائية
أعلنت الجزائر عن استرجاع أكثر من 110 ملايين دولار من الأموال المنهوبة والمجمدة بفيدرالية سويسرا، في خطوة تعكس تقدما ملموسا في مسار قانوني ودبلوماسي متكامل يقوده جهاز الدولة.
وجاء الإعلان عن هذا الإنجاز خلال اجتماع مجلس الوزراء برئاسة عبد المجيد تبون، بعد عرض قدمه وزير الدولة وزير الشؤون الخارجية، أحمد عطافن حول ملف استرجاع الأموال المنهوبة.
كشف وزير الدولة أحمد عطاف، خلال اجتماع مجلس الوزراء الذي ترأسه رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون يوم الأحد الماضي، عن توجيه 33 إنابة قضائية إلى فيدرالية سويسرا بهدف استرجاع الأموال المنهوبة والمجمدة في هذه الدولة. وأفاد البيان الصادر عن مجلس الوزراء، بأنه “تم دراسة وقبول 20 ملفا من الملفات المرسلة، كما عالجت سويسرا بشكل نهائي إلى حد الآن أربعة ملفات تتعلق بالأموال المنهوبة والمجمدة”.
وفي الإطار ذاته، أشار البيان إلى أن “الجزائر ستتسلم بموجب هذه الإجراءات أكثر من 110 ملايين دولار”. وتعكس هذه الأرقام تقدما ملموسا في معالجة الملفات المرسلة، حيث تمثل الملفات الأربعة المعالجة نهائيا نسبة 20 في المئة من إجمالي الملفات المقبولة. وبحسب المعطيات المعلنة، فإن العملية تشهد مراحل متقدمة من المعالجة، بدءا من استقبال الإنابات القضائية وانتهاء بالموافقة على الملفات وتحويلها إلى مرحلة التنفيذ. وتبرز هذه المراحل التسلسل المنطقي للعملية القضائية الدولية في مجال استرجاع الأصول المنهوبة. ويأتي هذا الإعلان بعد سنوات من الجهود المتواصلة من قبل الأجهزة الجزائرية المختصة في متابعة ملفات الأموال المنهوبة والمهربة إلى الخارج. وتشير المعطيات إلى أن الجزائر تسير في الاتجاه الصحيح نحو استرجاع أصولها المسروقة من خلال آليات قانونية صارمة وتعاون دولي فعال.
آلية الإنابات القضائية الدولية كأداة قانونية
وتمثل الإنابة القضائية الدولية إحدى الآليات القانونية الأساسية في مجال استرجاع الأصول المنهوبة عبر الحدود.
وتقوم هذه الآلية على توجيه طلب رسمي من جهة قضائية في دولة ما إلى نظيرتها في دولة أخرى، بهدف تنفيذ إجراءات قانونية معينة أو جمع معلومات ضرورية لقضايا معينة. وفي حالة الجزائر، تم توجيه 33 إنابة قضائية إلى فيدرالية سويسرا، وهو ما يعكس حجم الملفات المتعلقة بالأموال المنهوبة والمجمدة في هذا البلد. وتتطلب هذه الإجراءات توفر معايير قانونية صارمة، بما في ذلك توثيق دقيق للأموال المنهوبة وإثبات مصدرها غير القانوني. وحسب المتخصصين في القانون الدولي، فإن قبول 20 ملفا من أصل 33 إنابة يعكس مستوى عاليا من الاتفاق بين الجهات القضائية الجزائرية والسويسرية حول صحة الملفات المرسلة وتطابقها مع المعايير القانونية الدولية. وهذا يشير إلى أن الجزائر قدمت ملفات محكمة وموثقة بشكل جيد. وتعتبر معالجة أربعة ملفات بشكل نهائي خطوة متقدمة في هذا المسار، حيث تشير إلى انتقال هذه الملفات من مرحلة الدراسة والتحقيق إلى مرحلة التنفيذ والاسترجاع الفعلي للأموال. وتؤكد هذه النتائج فعالية الإنابة القضائية كأداة قانونية في الحصول على التعاون الدولي اللازم لاسترجاع الأصول المنهوبة.
دور القضاء الجزائري في مصادرة الأموال والممتلكات
ويضطلع القضاء الجزائري بدور محوري في مسار استرجاع الأموال المنهوبة من خلال إصدار أحكام قضائية تتعلق بمصادرة أملاك المتورطين في قضايا الفساد.
وتشكل هذه الأحكام الأساس القانوني الذي يستند إليه في توجيه الإنابات القضائية الدولية والمطالبة باسترجاع الأموال المجمدة بالخارج. وفي هذا السياق، يقوم القضاء بتحويل عائدات المصادرة إلى صندوق مخصص لهذا الغرض، مما يضمن استخدام هذه الأموال في المصلحة العامة. وتعكس هذه الآلية التزام الدولة بمكافحة الفساد وضمان عدم استفادة المتورطين من أموالهم المنهوبة. وتشير المعطيات المتاحة إلى أن القضاء الجزائري قد أصدر أحكاما متعددة في قضايا الفساد، وهو ما وفر الأساس القانوني اللازم لتوجيه الإنابات القضائية إلى الخارج. وتمثل هذه الأحكام القضائية الدليل الذي تستند إليه الدول الأجنبية في التعاون مع الجزائر واسترجاع الأموال المنهوبة. وفي الإطار ذاته، يعكس دور القضاء الجزائري التزاما بتطبيق القانون بشكل صارم وحيادي، بغض النظر عن مراكز المتورطين أو نفوذهم. وهذا يعزز ثقة الشركاء الدوليين في النظام القضائي الجزائري ويشجعهم على التعاون في ملفات استرجاع الأموال المنهوبة.
الدبلوماسية القضائية والاتفاقيات الثنائية
تلعب الدبلوماسية القضائية، دورا أساسيا في تسهيل عملية استرجاع الأموال المنهوبة من خلال تفعيل الاتفاقيات الثنائية والمتعددة الأطراف بين الدول.
وتعتمد هذه الآلية على تحويل المطالب السياسية إلى ملفات قانونية تقنية تتوافق مع المعايير الدولية الصارمة. وقد أشار وزير الدولة أحمد عطاف إلى أن الجزائر قامت بتوجيه شكر خاص إلى فيدرالية سويسرا ومملكة إسبانيا على استجابتهما لطلبات استرجاع الأموال المنهوبة. وهذا يعكس أهمية التعاون الدبلوماسي في تحقيق نتائج ملموسة في هذا المجال. وفي هذا السياق، تعتمد الجزائر على إبرام اتفاقيات ثنائية جديدة وتفعيل الاتفاقيات القائمة مع الدول الأجنبية لتسهيل استرجاع الأموال المحولة بطريقة غير قانونية إلى الخارج. وتشكل هذه الاتفاقيات الإطار القانوني الذي يسمح بتبادل المعلومات والتعاون في مجال مكافحة الفساد واسترجاع الأصول. وتبرز الجهود الدبلوماسية أهمية التنسيق بين الجهازين القضائي والدبلوماسي في تحقيق الأهداف المشتركة. وهذا التنسيق يعكس فهما عميقا لتعقيدات الإجراءات القانونية الدولية وضرورة توظيف جميع الأدوات المتاحة لاسترجاع الأموال المنهوبة.
تفاوت تجاوب الدول والتحديات الدبلوماسية
وتشهد عملية استرجاع الأموال المنهوبة، تفاوتا ملحوظا في درجة تجاوب الدول المختلفة مع طلبات الجزائر.
وقد أشار رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، في معرض ترحيبه بالنتائج المحققة مع سويسرا وإسبانيا، إلى أن الجزائر “وجهت 61 إنابة قضائية إلى فرنسا في هذا الشأن ولم يتم الاستجابة لأي منها”. وتعكس هذه الحالة الفرق الشاسع في مستويات التعاون الدولي، حيث استجابت سويسرا وإسبانيا لطلبات الجزائر بشكل إيجابي، بينما لم تستجب فرنسا لأي من الإنابات القضائية الـ61 الموجهة إليها. وهذا يشير إلى وجود عوامل سياسية أو قانونية أخرى قد تؤثر على درجة التعاون الدولي. وفي هذا الإطار، يعتبر الخبراء أن هذا التفاوت في التجاوب يعكس حقيقة أن عملية استرجاع الأموال “ليست مجرد مسار قانوني، بل معركة دبلوماسية تحتاج إلى توظيف الثقل الاقتصادي والسياسي للدولة”. وهذا يشير إلى أهمية العوامل السياسية والاقتصادية في تحديد درجة التعاون الدولي. وتشير المعطيات، إلى أن الجزائر تدرك هذه التحديات منذ البداية، وتسعى إلى مواصلة الضغط القانوني والدبلوماسي على الدول التي لم تستجب بعد لطلباتها. وتعكس هذه المثابرة التزام الدولة بالعمل المتواصل لاسترجاع حقوق الشعب الجزائري بغض النظر عن التحديات التي تواجهها.
الإطار القانوني والمؤسساتي الحديث
ساهم التعديل الدستوري لسنة 2020 في تعزيز مسار استرجاع الأموال المنهوبة من خلال إنشاء مؤسسات جديدة متخصصة في مكافحة الفساد واسترجاع الأصول.
وقد أطلقت السلطة العليا للشفافية والوقاية من الفساد ومكافحته، التي تم إنشاؤها بموجب هذا التعديل، استراتيجية وطنية خاصة بملف استرجاع الأموال المنهوبة. وتعكس هذه الاستراتيجية الوطنية التزاما رسميا من الدولة بإيلاء أهمية خاصة لملف استرجاع الأموال المنهوبة وجعله أولوية في أجندة مكافحة الفساد. وقد أسهمت هذه الاستراتيجية في تنظيم الجهود وتنسيقها بين مختلف الأجهزة المعنية. وفي السياق ذاته، يعكس التعديل الدستوري لسنة 2020 إرادة سياسية واضحة في تعزيز مبدأ سيادة القانون ومكافحة الفساد على المستوى الوطني. وقد وفر هذا التعديل الأساس القانوني الذي يسمح بتطبيق إجراءات أكثر صرامة ضد المتورطين في قضايا الفساد واسترجاع أموالهم المنهوبة.
وتشير المعطيات إلى أن الإطار القانوني الجديد قد أتاح للدولة الجزائرية توظيف آليات قانونية متقدمة في مجال استرجاع الأموال المنهوبة، مما انعكس إيجاباً على النتائج المحققة مع الشركاء الدوليين. وهذا يؤكد أهمية وجود إطار قانوني قوي وحديث يدعم جهود مكافحة الفساد واسترجاع الأصول.
الآثار الاقتصادية والمؤسساتية للاسترجاع
يعتبر استرجاع الجزائر لأكثر من 110 ملايين دولار من الأموال المنهوبة خطوة ذات آثار اقتصادية ومؤسساتية متعددة الأبعاد.
وعلى الصعيد الاقتصادي، ستعود هذه الأموال المسترجعة بالفائدة على الخزينة العمومية وستتمكن الدولة من توجيهها نحو الاستثمارات التنموية والقطاعات الحيوية. وقد أشار متخصصون في الاقتصاد إلى أن الأموال المسترجعة يمكن أن تُستخدم في الميزانيات التكميلية الموجهة أساسا للتنمية المحلية ودعم عدة قطاعات حيوية. وهذا يعني أن استرجاع هذه الأموال لا يقتصر على بعده المالي فحسب، بل يمتد إلى آثار تنموية واقتصادية أوسع. وعلى الصعيد المؤسساتي، يعكس هذا الإنجاز تفعيلا حقيقيا لآليات العدالة الدولية وتعزيزا لمبدأ سيادة القانون. وهذا يساهم في ترسيخ الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، حيث يرى المواطنون أن الدولة قادرة على استرجاع أموالهم المنهوبة والعمل بجدية لمكافحة الفساد. وفي الإطار ذاته، يعكس هذا المسار فرض الجزائر للسيادة المالية وتعزيز مصداقيتها على المستوى الدولي. وهذا يفتح آفاقا جديدة للاستثمار الأجنبي والتعاون الاقتصادي الدولي، حيث يشير إلى وجود نظام قانوني قوي وفعال في الدولة الجزائرية.