أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ الصَّادِقُونَ: هَا نَحْنُ أُولَاءِ، نَقِفُ عَلَى أَعْتَابِ وَدَاعٍ، وَفِي اسْتِقْبَالِ قَادِمٍ جَدِيدٍ، فِي لَحَظَاتٍ تَخْتَلِطُ فِيهَا مَشَاعِرُ الرَّجَاءِ بِالْوَجَلِ، وَدُمُوعُ التَّوْبَةِ بِحُسْنِ الْأَمَلِ. لَقَدْ أَذِنَ عَامُنَا هَذَا بِالرَّحِيلِ، وَأَزِفَ عَلَى التَّحْوِيلِ، وَطُوِيَتْ صُحُفُهُ بِمَا فِيهَا مِنْ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ، وَجَلِيلٍ وَحَقِيرٍ. هَا هِيَ شَمْسُ عَامِكُمْ تَجْنَحُ لِلْغُرُوبِ، مُؤْذِنَةً بِانْقِضَاءِ شَيْئٍ مِنْ آجَالِكُمْ، وَنَقْصٍ مِنْ أَعْمَارِكُمْ. إِنَّ هَذِهِ الْأَيَّامَ الَّتِي خَلَتْ، وَالشُّهُورَ الَّتِي مَضَتْ، لَيْسَتْ مُجَرَّدَ أَرْقَامٍ فِي تَقْوِيمِ الزَّمَانِ، بَلْ هِيَ -وَاللَّهِ- أَبْعَاضٌ مِنْك -يَا ابْنَ آدَمَ- تَسَاقَطَتْ، وَمَرَاحِلُ إِلَى قَبْرِكَ قُطِعَتْ. لَقَدْ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- كَلِمَةً لَوْ كُتِبَتْ بِالنُّورِ عَلَى الْأَحْدَاقِ لَكَانَتْ لَهَا أَهْلًا، قَالَ: “يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّمَا أَنْتَ أَيَّامٌ، كُلَّمَا ذَهَبَ يَوْمٌ ذَهَبَ بَعْضُكَ”. فَكَيْفَ إِذَا ذَهَبَ عَامٌ كَامِلٌ؟! كَيْفَ إِذَا انْصَرَمَتْ ثَلَاثُمِائَةٍ وَخَمْسَةٌ وَسِتُّونَ يَوْمًا، كُلُّ يَوْمٍ مِنْهَا يُنَادِي بِلِسَانِ الْحَالِ: أَنَا يَوْمٌ جَدِيدٌ، وَعَلَى عَمَلِكَ شَهِيدٌ، فَاغْتَنِمْنِي فَإِنِّي لَا أَعُودُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ؟! أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: لَقَدْ مَرَّ بِنَا هَذَا الْعَامُ، وَقَدْ تَقَلَّبْنَا فِيهِ بَيْنَ مَوَاسِمِ الطّاعَاتٍ والأوقات الفاضِلاتِ، كُلُّ هَذِهِ الأَزْمِنَةِ كَانَتْ مَتَاجِرَ رَابِحَةً مَعَ اللَّهِ، فُتِحَتْ فِيهَا أَبْوَابُ الْجِنَانِ، وَنَادَى فِيهَا الْمُنَادِي: يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ، فَيَا لَيْتَ شِعْرِي! مَنِ الْمَقْبُولُ مِنَّا فَنُهَنِّيهِ؟ وَمَنِ الْمَحْرُومُ الْمَطْرُودُ فَنُعَزِّيهِ؟ أَيَا مَنْ قَضَى عَامَهُ فِي الْغَفْلَةِ وَالْإِعْرَاضِ، أَمَا آنَ لِقَلْبِكَ أَنْ يَخْشَعَ؟ أَمَا آنَ لِعَيْنِكَ أَنْ تَدْمَعَ؟ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِزَانَتَانِ، فَلْيَنْظُرِ الْمَرْءُ مَاذَا يُودِعُ فِيهِمَا؟ عِبَادَ اللَّهِ: إِنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ مَضَى عَامُهُ وَهُوَ يَجْمَعُ الدُّنْيَا جَمْعًا، وَيَمْنَعُ حَقَّ اللَّهِ مَنْعًا، قَدْ غَرَّهُ طُولُ الْأَمَلِ، وَأَلْهَاهُ سُوءُ الْعَمَلِ. يَنْظُرُ فِي الْمِرْآةِ فَيَرَى الشَّيْبَ قَدِ اشْتَعَلَ فِي رَأْسِهِ نَذِيرًا، وَهُوَ لَا يَزْدَادُ إِلَّا تَقْصِيرًا. نَعَمْ -وَاللَّهِ- هُنَّ قَلَائِلُ! وَمَا هَذِهِ الْأَعْوَامُ إِلَّا صَفَحَاتٌ تُطْوَى مِنْ كِتَابِ عُمُرِكَ، حَتَّى إِذَا انْتَهَى الْأَجَلُ، أُغْلِقَ الْكِتَابُ، وَرُفِعَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ “وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا”. أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ فِي أَرْضِ الشُّهَدَاءِ: إِنَّ الْخَوَاتِيمَ مِيرَاثُ السَّوَابِقِ، وَالْعَبْرَةُ بِكَمَالِ النِّهَايَاتِ لَا بِنَقْصِ الْبِدَايَاتِ. مَنْ أَحْسَنَ فِيمَا مَضَى فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَلْيَثْبُتْ، وَمَنْ أَسَاءَ فِيمَا مَضَى فَلْيَتُبْ إِلَى اللَّهِ فِيمَا بَقِيَ؛ فَإِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ. لَا تُوَدِّعُوا عَامَكُمْ بِالْمَعَاصِي، فَإِنَّ الْأَعْمَالَ بِخَوَاتِيمِهَا. اخْتِمُوهُ بِاسْتِغْفَارٍ يَمْحُو الْأَوْزَارَ، وَبِتَوْبَةٍ تَجُبُّ مَا كَانَ مِنَ الْإِصْرَارِ. كَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ -كَمَا نَقَلَ ابْنُ رَجَبٍ- يَحْرِصُونَ عَلَى خَتْمِ أَعْمَالِهِمْ بِالِاسْتِغْفَارِ، كَأَنَّهُمْ يَرَوْنَ أَنَّ صَحَائِفَهُمْ لَا تَطِيبُ إِلَّا إِذَا طُيِّبَتْ بِالاسْتِغْفَارِ، كَمَا يُخْتَمُ الصِّيَامُ بِالاسْتِغْفَارِ، وَالصَّلَاةُ بِالاسْتِغْفَارِ، وَالْحَجُّ بِالاسْتِغْفَارِ. تَدَارَكُوا مَا بَقِيَ مِنْ أَعْمَارِكُمْ، فَإِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ مَتَى يُنَادَى بِالرَّحِيلِ. وَكَمْ مِنْ مُسْتَقْبِلٍ يَوْمًا لَا يَسْتَكْمِلُهُ، وَمُؤَمِّلٍ غَدًا لَا يُدْرِكُهُ. اللَّهُمَّ اخْتِمْ لَنَا عَامَنَا هَذَا بِرِضْوَانِكَ، وَاجْعَلْ مَآلَنَا إِلَى جِنَانِكَ، وَلَا تَفْضَحْنَا يَوْمَ الْعَرْضِ عَلَى مِيزَانِكَ.
الجزء الأول من خطبة الجمعة من جامع الجزائر









