إصلاحات.. شراكات ومناخ جديد لجذب رؤوس الأموال

رهان الاستثمار يعيد رسم الاقتصاد

رهان الاستثمار يعيد رسم الاقتصاد

تشهد الجزائر في السنوات الأخيرة، تحوّلا لافتا في مقاربتها لملف الاستثمار، لم يعد يقتصر على تعديل النصوص القانونية أو إطلاق الوعود، بل اتجه نحو إعادة تشكيل المنظومة كاملة من حيث الإجراءات، والقطاعات المستهدفة، ودور الدولة كمرافق ومنظم. هذا التحوّل يعكس سعيا واضحا لجعل الاستثمار أداة فعلية لتنويع الاقتصاد، وخلق الثروة، وتقليص التبعية التقليدية للمحروقات، في سياق إقليمي ودولي شديد التنافس.

شهد مناخ الاستثمار في الجزائر خلال الفترة الأخيرة إعادة ضبط عميقة على مستوى الإطار القانوني المنظم له، انطلاقا من قناعة رسمية مفادها أن جذب الرساميل لا يتحقق فقط عبر الحوافز المالية، بل أساسا عبر الوضوح القانوني والاستقرار التشريعي. وقد جاء قانون الاستثمار الجديد ليضع حدا لحالة التشتت السابقة، ويوفّر مرجعية واحدة تُحدد حقوق المستثمر وواجباته، وتؤطر علاقة الدولة بالمتعاملين الاقتصاديين على أسس أكثر شفافية وقابلية للتوقع. هذا التحول القانوني لم يقتصر على تبسيط النصوص، بل مسّ جوهر الفلسفة التي تحكم الاستثمار، حيث انتقلت الدولة من منطق الترخيص المسبق إلى منطق التصريح، ومن التدخل الإداري الواسع إلى دور المرافق والمحفّز. وهو ما انعكس في تقليص عدد المتدخلين، وتوحيد مسارات المعالجة، بما يمنح المستثمر رؤية أوضح لخطوات الإنجاز وآجاله، ويحدّ من العراقيل البيروقراطية التي لطالما شكلت عائقًا أمام المشاريع. وفي هذا السياق، برز دور الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار كواجهة موحدة للتعامل مع المستثمرين، سواء كانوا وطنيين أو أجانب، حيث أُسندت لها مهام المرافقة، والتوجيه، وضمان استفادة المشاريع من الامتيازات المنصوص عليها قانونًا. هذا التموقع الجديد يعكس توجّهًا نحو مركزية القرار الاستثماري مع الحفاظ على التنسيق القطاعي، بما يضمن انسجام السياسات وتفادي التداخل بين الهياكل. كما أقرّ الإطار القانوني الجديد منظومة امتيازات أكثر مرونة، تقوم على مبدأ التمييز الإيجابي لصالح المشاريع ذات القيمة المضافة العالية، خصوصًا تلك المرتبطة بالإنتاج، والتصدير، ونقل التكنولوجيا، وخلق مناصب الشغل. وهو ما يعكس انتقال الدولة من دعم شامل غير موجّه، إلى دعم ذكي يربط الامتيازات بالأثر الاقتصادي الفعلي للمشروع. ومع ترسيخ هذه القواعد، تراهن الجزائر على أن يشكل الاستقرار القانوني عنصر ثقة أساسي لدى المستثمرين، خاصة في ظل محيط دولي يتسم بعدم اليقين. فوضوح القوانين، وقابلية تطبيقها، وضمان عدم تغييرها بشكل فجائي، أصبحت اليوم من أهم محددات القرار الاستثماري، وهي الرسالة التي تسعى الجزائر إلى تثبيتها عبر هذا الإطار القانوني المعاد صياغته.

 

منطق القطاعات ذات الأولوية.. الاستثمار حيث الحاجة الاقتصادية

بعد إعادة ضبط الإطار القانوني، انتقلت مقاربة الاستثمار في الجزائر إلى مرحلة أكثر انتقائية، تقوم على توجيه الرساميل نحو قطاعات محددة تُعدّ ذات أولوية في الاستراتيجية الاقتصادية الوطنية. هذا التوجه يعكس قناعة متزايدة بأن الاستثمار لا يُقاس بحجمه فقط، بل بقدرته على إحداث أثر ملموس في هيكلة الاقتصاد، وتقليص التبعية، وخلق سلاسل قيمة محلية مستدامة. وفي هذا السياق، برزت قطاعات الصناعة التحويلية، والمناجم، والفلاحة، والطاقات المتجددة، واللوجستيك، كمساحات مفضلة للاستثمار، بالنظر إلى قدرتها على تعويض الواردات ورفع الصادرات خارج المحروقات. وقد رُبطت الامتيازات التحفيزية مباشرة بهذه القطاعات، في محاولة لتوجيه رأس المال نحو الأنشطة التي تعاني فيها البلاد من فجوات إنتاجية أو اختلالات هيكلية. هذا التموقع القطاعي للاستثمار لم يأتِ بمعزل عن التحولات الجارية في الاقتصاد العالمي، حيث أصبحت سلاسل التوريد أكثر هشاشة، وأضحى الأمن الغذائي والطاقوي والصناعي من أولويات الدول. وعليه، تسعى الجزائر إلى استثمار مواردها الطبيعية والبشرية في بناء قدرات إنتاجية محلية تقلل من الصدمات الخارجية، وتمنحها هامش حركة أوسع في مواجهة الأزمات. كما يندرج التركيز على قطاعات بعينها ضمن منطق تحقيق التكامل بين الاستثمار والإنتاج الوطني، إذ لم يعد الهدف استقطاب مشاريع معزولة، بل تشجيع استثمارات قادرة على الاندماج في النسيج الاقتصادي المحلي، سواء عبر المناولة، أو نقل التكنولوجيا، أو خلق شبكات تموين محلية. وهو ما يُفترض أن يعزز مردودية الاستثمار على المدى المتوسط والبعيد. ويعكس هذا التوجه القطاعي تحوّلًا في فلسفة الاستثمار بالجزائر، من مقاربة تقوم على الكم وتعدد المشاريع، إلى مقاربة نوعية تُراهن على توجيه الاستثمار حيث تكون الحاجة الاقتصادية أكبر، وحيث يمكن لرأس المال أن يتحول إلى رافعة حقيقية للتنمية، وليس مجرد رقم في الإحصاءات.

 

مناخ الأعمال والضمانات.. من استقطاب الرساميل إلى بناء الثقة

إلى جانب توجيه الاستثمار نحو القطاعات ذات الأولوية، يظلّ مناخ الأعمال أحد المحددات الأساسية لنجاح أي سياسة استثمارية. فالتحولات التي تشهدها الجزائر في هذا المجال تعكس إدراكًا متزايدًا بأن جذب المستثمر لا يتوقف عند سنّ القوانين، بل يرتبط بمدى وضوح القواعد، واستقرارها، وقدرة الإدارة على تطبيقها بسلاسة وشفافية. في هذا الإطار، برزت مسألة الضمانات القانونية والمؤسساتية كعنصر محوري في الخطاب الاستثماري الجديد. إذ يجري التأكيد على حماية المستثمر من التغييرات المفاجئة في القواعد، وضمان حرية تحويل الأرباح، وتأمين الحق في اللجوء إلى آليات الطعن والتسوية عند النزاعات. هذه الضمانات لا تستهدف فقط المستثمر الأجنبي، بل تشمل أيضًا المتعامل الوطني، بما يعزز الشعور بتكافؤ الفرص داخل السوق. ويتقاطع تحسين مناخ الأعمال مع الجهود المبذولة لتبسيط الإجراءات الإدارية وتقليص آجال معالجة الملفات. فالتوجه نحو الرقمنة، وإن كان تدريجيًا، يُنظر إليه كوسيلة لتقليص البيروقراطية والحد من التدخل البشري، بما ينعكس على شفافية المسار الاستثماري وسرعته. كما يُفترض أن يساهم هذا المسار في تقليل الكلفة غير المباشرة للاستثمار، التي طالما اشتكى منها المتعاملون. وفي السياق ذاته، تكتسي مسألة العقار الاقتصادي أهمية خاصة، باعتباره أحد أكثر العراقيل تعقيدًا في السابق. إذ أصبح توفير العقار وتخصيصه يخضع لمنطق أكثر تنظيمًا، يربط بين طبيعة المشروع وحاجته الفعلية، مع السعي إلى تفادي تجميد الأراضي دون استغلال. هذا التحول يعكس رغبة في جعل العقار أداة إنتاج، لا مجالًا للمضاربة أو تعطيل المشاريع. وعليه، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في الإعلان عن تحسين مناخ الأعمال، بل في تحويل هذه التوجهات إلى ممارسات يومية يلمسها المستثمر في تعامله مع الإدارة. فبناء الثقة يتطلب وقتًا وتراكمًا، لكنه يظل شرطًا أساسيًا لتحويل الاستثمار من فرصة محتملة إلى ديناميكية اقتصادية مستقرة وقادرة على الاستمرار.

 

التمويل والبنية التحتية.. من تهيئة الشروط إلى ضمان الاستدامة

وإذا كان مناخ الأعمال والضمانات يشكّل الإطار العام الجاذب للاستثمار، فإن التمويل والبنية التحتية يمثّلان القاعدة العملية التي يقوم عليها أي مشروع اقتصادي. فالاستثمار، مهما بلغت جاذبية القوانين المحيطة به، يبقى رهين توفر آليات تمويل فعّالة وقدرة ميدانية على تحويل الفكرة إلى مشروع قابل للتجسيد والاستمرار. في هذا السياق، تبرز مسألة التمويل كأحد أبرز التحديات التي تواجه المستثمرين، خاصة في المشاريع المتوسطة والكبيرة. ويُنظر إلى دور القطاع البنكي باعتباره حلقة مركزية في مرافقة الاستثمار، سواء من خلال القروض الكلاسيكية أو عبر صيغ تمويل تتماشى مع طبيعة المشاريع الإنتاجية. كما أن تنويع أدوات التمويل، وربطها بجدوى المشاريع لا بضماناتها فقط، يُعد من الرهانات المطروحة لتعزيز فعالية المنظومة. وتتداخل مسألة التمويل مع جاهزية البنية التحتية، التي تشكّل بدورها عامل جذب أو نفور للاستثمار. فالطرق، والموانئ، والمناطق الصناعية، وشبكات الطاقة والاتصالات، كلها عناصر تحدد الكلفة النهائية للمشروع وقدرته على الاندماج في سلاسل الإنتاج والتوزيع. ومن هذا المنطلق، فإن الاستثمار في البنية التحتية لا يُعد إنفاقًا عامًا فقط، بل استثمارًا غير مباشر في مناخ الأعمال. وتكتسي المناطق الصناعية والمناطق اللوجستية، أهمية خاصة في هذا المسار، باعتبارها فضاءات مهيكلة لاحتضان المشاريع وتسهيل ربطها بالأسواق. فكلما كانت هذه الفضاءات مجهزة وقريبة من شبكات النقل والطاقة، كلما ارتفعت جاذبيتها للمستثمرين، سواء المحليين أو الأجانب. وهو ما يفسر التركيز المتزايد على إعادة تنظيم هذه المناطق وربطها برؤية اقتصادية أشمل. نجاح الاستثمار في الجزائر، لا ينفصل عن قدرة المنظومة التمويلية والبنية التحتية على مواكبة الطموحات المعلنة. فالتحدي لم يعد في إطلاق المشاريع فحسب، بل في ضمان استمراريتها وقدرتها على خلق القيمة المضافة، بما يجعل الاستثمار رافعة حقيقية للنمو، لا مجرد أرقام في سجلات التصريحات.

 

الموارد البشرية والحَوْكَمة.. الاستثمار في الإنسان قبل رأس المال

لا يكتمل أي مسار استثماري دون التوقف عند العنصر البشري، باعتباره القلب النابض للعملية الاقتصادية. فالجزائر، بما تزخر به من طاقات شابة ومؤهلات بشرية متنوّعة، تمتلك رصيدًا مهمًا يمكن أن يتحول إلى ميزة تنافسية حقيقية إذا ما أُحسن توجيهه وربطه بحاجيات الاستثمار والإنتاج. ومن هنا، يبرز الاستثمار في الإنسان كشرط أساسي لنجاح أي مشروع اقتصادي مستدام. في هذا الإطار، يُطرح التكوين والتأهيل المهني كرافعة مركزية لمواكبة المشاريع الاستثمارية الجديدة، خاصة في القطاعات الصناعية والتكنولوجية والخدماتية. فالفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات السوق تبقى من أبرز الإشكالات التي تواجه المستثمرين، ما يجعل ربط التكوين بسوق العمل ضرورة لا خيارًا. ويُنظر إلى الشراكات بين المؤسسات الاقتصادية ومراكز التكوين والجامعات كأحد الحلول العملية لسد هذه الفجوة.

 

وبالتوازي مع الموارد البشرية، تبرز مسألة الحوكمة كعامل حاسم في بناء الثقة داخل المنظومة الاستثمارية. فوضوح القواعد، واستقرار القرارات، وشفافية الإجراءات، كلها عناصر تؤثر مباشرة على قرار الاستثمار، خاصة بالنسبة للمتعاملين الأجانب. كما أن الحوكمة الجيدة تضمن عدالة المنافسة وتحمي المستثمر الجاد من الممارسات غير النظامية التي قد تضر بمناخ الأعمال. وتتجلى أهمية الحوكمة أيضًا، في طريقة تسيير المشاريع بعد إطلاقها، حيث لم يعد التحدي مقتصرًا على استقطاب الاستثمار، بل يمتد إلى مرافقة المشاريع ومتابعة تنفيذها وحل الإشكالات التي قد تعترضها. فالإدارة الاقتصادية الحديثة تقوم على مبدأ الشراكة بين الدولة والمستثمر، لا على منطق الرقابة فقط، وهو تحول ذهني ومؤسساتي لا يزال في طور الترسخ. وفي الخلاصة، فإن الاستثمار في الجزائر يقف اليوم عند مفترق طرق يتطلب الجمع بين رأس المال، والإنسان، والحَوْكَمة الرشيدة. فالموارد البشرية المؤهلة، إلى جانب منظومة تسيير شفافة وفعّالة، قادرة على تحويل الاستثمارات إلى قصص نجاح حقيقية، تخلق الثروة وفرص العمل، وتمنح الاقتصاد الوطني قاعدة صلبة للنمو على المدى المتوسط والبعيد.