رسالة قوية من القمة الـ39 للاتحاد الإفريقي

إفريقيا ترفع راية السيادة في وجه التدخلات الأجنبية

إفريقيا ترفع راية السيادة في وجه التدخلات الأجنبية
  • الحلول الإفريقية للمشاكل الإفريقية.. خيار المرحلة

  • نحو سيادة إفريقية غير قابلة للمساومة

في سياق قاري يتسم بتعقيدات أمنية وسياسية متزايدة، عاد ملف التدخلات الخارجية إلى صدارة النقاش الإفريقي، خلال أشغال الدورة الـ39 لقمة رؤساء دول وحكومات الاتحاد الإفريقي بأديس أبابا التي افتتحت، السبت.

وبينما يرفع القادة شعار “الحلول الإفريقية للمشاكل الإفريقية”، تتبلور قناعة متنامية بأن استمرار الأزمات في بعض مناطق القارة لم يعد منفصلا عن تأثيرات خارجية تعمّق الهشاشة وتعرقل مسارات الاستقرار والتنمية.

انطلقت، السبت، أشغال الدورة العادية التاسعة والثلاثين لقمة رؤساء دول وحكومات الاتحاد الإفريقي بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا، تحت شعار “ضمان توفر المياه وأنظمة الصرف الصحي الآمنة لتحقيق أهداف أجندة 2063″، في حضور واسع لقادة الدول والحكومات، إلى جانب شخصيات دولية بارزة، من بينها الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، ورئيس الوزراء الفلسطيني ممثلا لرئيس دولة فلسطين، إضافة إلى رئيسة وزراء إيطاليا. وشاركت الجزائر بوفد يقوده الوزير الأول سيفي غريب ممثلا لرئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، في دلالة على أهمية الموعد القاري وتقاطعاته السياسية والاقتصادية. ورغم أن جدول الأعمال ركز في ظاهره على قضايا الأمن المائي والتنمية المستدامة، إلا أن الكلمات الافتتاحية عكست انشغالا أعمق بطبيعة التحولات الجيوسياسية التي تحيط بالقارة. فقد شدد رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي، محمود علي يوسف، على أن مبدأ “الحلول الإفريقية للمشاكل الإفريقية” أصبح ضرورة تفرضها الأزمات العابرة للحدود، في ظل تعقّد بؤر التوتر في الساحل والقرن الإفريقي وأجزاء من وسط القارة. وفي هذا السياق، توقف المتحدث مطولا عند ما وصفه بصعوبات “إسكات صوت السلاح”، مشيرا إلى استمرار تهديدات الجماعات الإرهابية وتصاعد النزاعات الداخلية، إلى جانب عودة بعض التغييرات غير الدستورية في أنظمة الحكم. هذه المعطيات، بحسبه، تعكس هشاشة سياسية ومؤسساتية في عدد من الدول، ما يجعل القارة أكثر عرضة للاهتزازات الخارجية في بيئة دولية تتسم باضطراب متزايد. ومن هنا برزت مسألة التدخلات الخارجية كأحد المحاور الضمنية الثقيلة في النقاشات، إذ حذر رئيس المفوضية من تأثير اضطراب النظام الدولي على شؤون القارة، منبها إلى خطر الانخراطات الأجنبية التي قد تستثمر في نقاط الضعف المحلية. وجاءت مواقف عدد من وزراء الخارجية الأفارقة لتصب في الاتجاه ذاته، عبر التأكيد على ضرورة احترام سيادة الدول ووقف كل أشكال العبث باستقرارها. وبين التركيز على قضايا التنمية المائية والتحذير من التدخلات، تشكلت صورة متكاملة عن قمة تبحث في العمق عن إعادة تعريف علاقة إفريقيا بالعالم، في مرحلة تتراجع فيها تعددية الأطراف وتتصاعد النزعات الأحادية والحمائية. وهو ما يضع القارة أمام معادلة دقيقة: كيف تحصّن فضاءها السياسي والأمني، وتضمن في الوقت ذاته انخراطا دوليا متوازنا يخدم مصالحها دون أن يمس بسيادتها؟

 

التدخلات الخارجية.. من دعم معلن إلى أزمات مزمنة

Peut être une image de une personne ou plus, estrade et texte qui dit ’ደረዳ ACERINC NIGERIA NAMIBIA’

لم تعد مسألة التدخلات الخارجية في الشؤون الإفريقية تُطرح بوصفها احتمالا نظريا، بل كعامل مؤثر في مسارات عدد من الأزمات الممتدة عبر القارة. فالتجارب التي عرفتها بعض دول الساحل والقرن الإفريقي ووسط القارة أظهرت أن الانخراطات الخارجية، مهما تنوعت دوافعها بين الأمني والاقتصادي والسياسي، قد تسهم في تعقيد المشهد الداخلي بدل تسويته، خاصة عندما تتقاطع مع هشاشة مؤسساتية أو انقسامات داخلية حادة. وفي هذا الإطار، يتنامى إدراك إفريقي بأن معالجة جذور الأزمات تتطلب مقاربات تنبع من السياق المحلي لا من حسابات خارجية. وتتخذ هذه التدخلات أشكالا متعددة، من حضور عسكري مباشر أو غير مباشر، إلى ضغوط سياسية واقتصادية، مرورا بتنافس دولي على الموارد الاستراتيجية والمواقع الجيوسياسية. وفي بيئة دولية تتسم بتصاعد النزعات الأحادية وإعادة تشكيل موازين القوى، تتحول بعض الدول الإفريقية إلى ساحات تنافس بين قوى كبرى، ما ينعكس على استقرارها الداخلي ويُطيل أمد الأزمات بدل احتوائها. وهنا تتعزز القناعة بأن جزءا من معاناة القارة يرتبط بتشابك رهاناتها الداخلية مع أجندات خارجية متباينة. غير أن الخطاب الإفريقي الراهن لا يذهب في اتجاه القطيعة مع العالم، بل يسعى إلى إعادة ضبط قواعد العلاقة معه. فالدعوة إلى تحييد التدخلات لا تعني رفض الشراكات أو التعاون الدولي، وإنما التأكيد على أن أي دعم أو انخراط يجب أن يتم في إطار احترام السيادة الوطنية وأولويات الدول المعنية. ومن ثم، يتبلور توجه يهدف إلى تحويل إفريقيا من موضوع للتجاذبات إلى فاعل يحدد شروط انخراطه، ويصوغ بنفسه مسارات تسوية أزماته بما ينسجم مع خصوصياته السياسية والاجتماعية.

 

“الحلول الإفريقية”.. من شعار سياسي إلى ضرورة مؤسساتية

Peut être une image de une personne ou plus, salle de presse et texte

ولم يعد مبدأ “الحلول الإفريقية للمشاكل الإفريقية” يُطرح في أدبيات الاتحاد الإفريقي كشعار تعبوي أو خطاب ظرفي، بل كخيار مؤسساتي يتطلب آليات تنفيذ واضحة وأدوات فعالة. فالتحديات العابرة للحدود، من الإرهاب إلى النزاعات الداخلية والهشاشة السياسية، كشفت محدودية المقاربات المجتزأة، وأبرزت الحاجة إلى تنسيق إفريقي جماعي يضع القارة في موقع المبادِر لا المتلقي. ومن هنا، تتجه الأنظار نحو تطوير منظومات الإنذار المبكر، وتعزيز أدوار مجلس السلم والأمن الإفريقي، وتفعيل الدبلوماسية الوقائية قبل أن تتحول الأزمات إلى صراعات مفتوحة. ويستند هذا التوجه إلى قناعة مفادها أن القارة تمتلك من الكفاءات والخبرات والموارد ما يؤهلها لإدارة أزماتها، شرط توحيد الإرادة السياسية وتجاوز الحسابات الضيقة. فالتجارب الناجحة في الوساطة الإفريقية، سواء في ملفات انتقال سياسي أو اتفاقات سلام، أظهرت أن الحلول التي تنبع من السياق المحلي تكون أكثر قابلية للاستدامة وأقل عرضة للانتكاس. كما أن ترسيخ ثقافة التشاور بين الدول الأعضاء يساهم في بناء ثقة متبادلة تعزز قدرة الاتحاد على التحرك الجماعي. غير أن تحويل هذا المبدأ إلى واقع ملموس يظل رهينا بتعزيز الحوكمة الداخلية داخل الدول نفسها، إذ لا يمكن لأي إطار قاري أن ينجح إذا ظلت بعض الدول تعاني من ضعف مؤسساتي أو أزمات شرعية. لذلك، يتقاطع خطاب “الحلول الإفريقية” مع دعوات إصلاح داخلي يرسخ دولة القانون ويقوي المؤسسات الدستورية، بما يجعل القارة أكثر مناعة أمام الارتدادات الخارجية وأكثر قدرة على صياغة مستقبلها بقرار سيادي مستقل.

 

 

التدخلات الخارجية.. بين المصالح الدولية وتعقيد الأزمات

Peut être une image de salle de presse et texte

وتتجاوز إشكالية التدخلات الخارجية في إفريقيا بعدها النظري، لتتحول إلى عامل مؤثر في مسار العديد من الأزمات السياسية والأمنية داخل القارة. فالتنافس الدولي على الموارد الطبيعية، والمواقع الاستراتيجية، والنفوذ الجيوسياسي، جعل بعض الدول الإفريقية ساحة لتقاطع المصالح العالمية، وهو ما ينعكس أحيانا في دعم أطراف دون أخرى، أو فرض أجندات لا تنسجم دائما مع الأولويات الوطنية. وبهذا المعنى، لا يُنظر إلى التدخل فقط كحضور مباشر، بل كآليات ضغط غير مباشرة تؤثر في التوازنات الداخلية. ويتعزز هذا التعقيد في ظل التحولات التي يشهدها النظام الدولي، حيث تتصاعد النزعات الأحادية والحمائية، وتتراجع فعالية الأطر متعددة الأطراف. وفي مثل هذا السياق، تصبح القارة عرضة لتجاذبات القوى الكبرى، خاصة في المناطق التي تعرف هشاشة أمنية أو فراغا مؤسساتيا. كما أن بعض النزاعات الداخلية تتحول بفعل هذه التجاذبات إلى أزمات ممتدة يصعب احتواؤها، ما يعمق معاناة الشعوب ويؤخر مسارات الاستقرار والتنمية. غير أن التحذير من التدخلات لا يعني الانغلاق أو رفض التعاون الدولي، بل يستهدف ضبط العلاقة مع الشركاء الخارجيين ضمن قواعد واضحة تحترم السيادة الوطنية وتنسجم مع أولويات التنمية الإفريقية. فالمعادلة المطروحة اليوم تقوم على التمييز بين الشراكة المتكافئة التي تعزز قدرات الدول، وبين التدخل الذي يفرض إملاءات سياسية أو اقتصادية. ومن هذا المنطلق، يتعزز الوعي داخل القارة بضرورة التفاوض من موقع قوة جماعية، يوازن بين الانفتاح على العالم وحماية القرار السيادي الإفريقي.

 

الأمن المائي والتنمية.. رهان السيادة في أجندة 2063

Peut être une image de texte

ويأتي اختيار قمة الاتحاد الإفريقي لموضوع الأمن المائي وأنظمة الصرف الصحي ليعكس وعيا متزايدا بأن الموارد الحيوية أصبحت جزءا من معادلة السيادة والاستقرار. فالماء في إفريقيا يشكل عنصرا حاسما في الأمن الغذائي، والصحة العامة، والتنمية الصناعية، بل وحتى في تجنب النزاعات المحلية والإقليمية. ومن ثم، فإن ضمان توفره وإدارته بشكل عادل وفعال يدخل ضمن صميم تحقيق أهداف أجندة 2063. وترتبط هذه المسألة كذلك بالتحديات العابرة للحدود، حيث تشترك عدة دول في أحواض مائية وأنظمة بيئية متداخلة، ما يفرض نماذج تعاون إقليمي متوازن يجنّب المنطقة توترات إضافية. وفي ظل التغيرات المناخية والضغوط الديمغرافية المتزايدة، تصبح إدارة الموارد المائية اختبارا حقيقيا لقدرة الدول الإفريقية على تنسيق سياساتها بعيدا عن أي توظيف خارجي قد يحول هذه الموارد إلى ورقة ضغط أو ابتزاز. وعليه، فإن ربط ملف الأمن المائي بمبدأ “الحلول الإفريقية للمشاكل الإفريقية” يحمل بعدا استراتيجيا واضحا، إذ يؤكد أن التحكم في الموارد الحيوية وتطوير بنيتها التحتية يمثلان شرطا مسبقا لتعزيز الاستقلال الاقتصادي والسياسي. فالتنمية المستدامة في القارة لا تنفصل عن القدرة على إدارة مواردها ذاتيا، وبناء منظومات قارية قادرة على مواجهة الأزمات دون الارتهان لاعتبارات خارجية لا تتطابق دائما مع الأولويات الإفريقية.

 

نحو مقاربة قارية موحّدة.. من ردّ الفعل إلى الفعل الاستباقي

Peut être une image de une personne ou plus et texte qui dit ’ZIMBABWE AL ALGERIA CEN-SAD’

التحول الذي تلوح ملامحه في مداولات القمة لا يقتصر على رفع شعارات سيادية، بل يتجه نحو بلورة مقاربة قارية موحّدة تقوم على الانتقال من منطق إدارة الأزمات إلى منطق استباقها. فالقارة التي عانت لعقود من تدخلات خارجية وتقاطعات مصالح دولية متعارضة، باتت مطالبة اليوم ببناء منظومات إنذار مبكر، وآليات وساطة إفريقية فعالة، وأطر تنسيق أمني وتنموي قادرة على التحرك قبل أن تتحول الأزمات المحلية إلى بؤر توتر إقليمية مزمنة. ويفترض هذا التحول إعادة تعريف دور المؤسسات القارية، وعلى رأسها الاتحاد الإفريقي، ليس فقط كمنصة للنقاش السياسي، بل كفاعل تنفيذي يمتلك أدوات عملية للتأثير في مسار الأحداث. فتعزيز قدرات السلم والأمن، ودعم الانتقال السياسي المنظم، ومرافقة الدول التي تواجه هشاشة مؤسساتية، كلها عناصر تدخل ضمن بناء منظومة إفريقية متماسكة تقلص الحاجة إلى الوساطات الخارجية، وتمنح القارة زمام المبادرة في معالجة أزماتها. وفي هذا الإطار، يبرز التحدي الأكبر في تحويل الإجماع الخطابي إلى التزام عملي طويل المدى، يستند إلى إرادة سياسية جماعية وتنسيق دائم بين الدول الأعضاء. فالمقاربة القارية الموحدة لا تعني إلغاء خصوصيات كل دولة، بل تعني توحيد الرؤية الاستراتيجية تجاه القضايا المشتركة، بما يعزز مناعة القارة أمام الضغوط الخارجية ويؤسس لمرحلة يكون فيها القرار الإفريقي نابعا من الداخل، وقادرا على حماية المصالح العليا لشعوبها في عالم يشهد تحولات متسارعة. وفي ضوء النقاشات التي شهدتها قمة أديس أبابا، يتضح أن القارة الإفريقية تقف عند مفترق طرق تاريخي، حيث لم اصبح الحديث عن السيادة خيارا استراتيجيا مرتبطا بقدرة الدول الإفريقية على إعادة ترتيب أولوياتها الداخلية وتحصين فضائها الإقليمي. فالتحديات الأمنية، وضغوط التحولات الجيوسياسية، وتقلبات النظام الدولي، كلها عوامل تفرض على القارة أن تعيد صياغة موقعها في معادلة العلاقات الدولية، انطلاقا من رؤية جماعية تستند إلى المصالح الإفريقية المشتركة. ومن هذا المنطلق، فإن ترسيخ مبدأ “الحلول الإفريقية للمشاكل الإفريقية” يتطلب ما هو أبعد من إعلان النوايا، إذ يستدعي تعزيز التكامل الاقتصادي، وتوسيع مجالات التعاون في مجالات الأمن والتنمية، وتقوية مؤسسات الحكم الرشيد داخل الدول الأعضاء. فكلما تعززت الجبهة الداخلية للدول الإفريقية، تقلصت هوامش التأثير الخارجي، وأصبحت القارة أكثر قدرة على فرض أولوياتها في ملفات السلم والأمن، والتنمية المستدامة، وإدارة الموارد الحيوية. وبين واقع الأزمات المتشابكة وطموح بناء إفريقيا أكثر استقرارا واستقلالية، تبدو المرحلة المقبلة رهينة بمدى قدرة القيادات الإفريقية على تحويل الزخم السياسي الراهن إلى مسار عملي طويل الأمد. فالقارة التي تمتلك إمكانات بشرية وطبيعية هائلة، تجد نفسها اليوم أمام فرصة لإعادة تموقعها كفاعل مؤثر في النظام الدولي، شرط أن تظل وحدتها وتماسكها الداخليين الركيزة الأساسية لأي مشروع إفريقي جامع يوازن بين الانفتاح على العالم وصون القرار السيادي.

مصطفى. ع