-
من الحصار إلى التحكم.. النفط يعود إلى واجهة القرار
-
هل يعيد نفط فنزويلا رسم الصراع الأمريكي–الإيراني؟
بعد الهجوم العسكري الأمريكي الذي انتهى بوضع الرئيس الفنزويلي خارج المشهد السياسي، لم يعد الحدث محصورا في أبعاده الأمنية، بل فتح بابا أوسع لقراءة اقتصادية أعمق، يتقدّم فيها النفط إلى صدارة الحسابات.
فالتطورات المتسارعة أعادت طرح سؤال جوهري حول ما إذا كان ما جرى يمثل تحوّلا استراتيجيا يهدف إلى إعادة ترتيب سوق الطاقة، وتقليص أوراق الضغط المرتبطة بالنفط في ملفات دولية أخرى، وعلى رأسها إيران وممرات الإمداد الحساسة.
منذ الساعات الأولى للهجوم، برز ملف النفط كأحد المفاتيح الأساسية لفهم دوافع التحرك الأمريكي، في بلد يملك أكبر احتياطي نفطي مُثبت في العالم، يُقدَّر بأكثر من 300 مليار برميل وفق بيانات منظمة أوبك. ورغم تراجع الإنتاج الفنزويلي خلال السنوات الأخيرة من أكثر من 2.5 مليون برميل يوميا إلى ما دون 800 ألف برميل بفعل العقوبات ونقص الاستثمارات، ظل النفط الفنزويلي عنصر جذب استراتيجي، خاصة لطبيعته الثقيلة التي تتلاءم مع مصافٍ أمريكية محددة على خليج المكسيك، بُنيت تاريخيا لمعالجة هذا النوع من الخام. هذا الثقل النفطي يفسّر لماذا جاء الخطاب الأمريكي، بالتوازي مع التحرك العسكري، محمّلا بإشارات اقتصادية واضحة تتعلق بإعادة تأهيل البنية التحتية الطاقوية وإشراك شركات نفط أمريكية كبرى. فالانتقال من العقوبات إلى فرض واقع سياسي جديد يفتح عمليا باب التحكم في مفاصل الإنتاج والتصدير، ويحوّل النفط من مورد معطّل إلى ورقة استراتيجية قابلة لإعادة التوظيف. وفي هذا السياق، لا يبدو التحرك معزولا عن حسابات سوق الطاقة العالمية، بقدر ما يندرج ضمن مقاربة أوسع تسعى إلى إعادة الإمساك بمصادر الإمداد خارج مناطق التوتر التقليدية، وجعل النفط الفنزويلي جزءا من معادلة توازن جديدة تتجاوز حدود البلد نفسه.
فنزويلا في معادلة الطاقة العالمية: لماذا الآن؟
تأتي فنزويلا في صلب معادلة الطاقة العالمية بحكم امتلاكها أكبر احتياطي نفطي مُثبت عالميا، يتجاوز 300 مليار برميل، أي ما يفوق احتياطات السعودية وفق تقديرات أوبك. ورغم هذا الثقل، ظل الإنتاج الفعلي بعيدا عن إمكاناته القصوى، إذ لم يتجاوز خلال السنوات الأخيرة 700–800 ألف برميل يوميا مقارنة بأكثر من 3 ملايين برميل يوميا قبل عام 2013. هذا الفارق الكبير بين الاحتياطي والإنتاج جعل فنزويلا خزان طاقة معطّلا، قابلا لإعادة الإدماج السريع في السوق إذا ما توفرت الشروط السياسية والتقنية. توقيت التحرك الأمريكي يكتسب دلالته من هذا المعطى بالذات، في ظل سوق نفطية تعيش حساسية عالية بفعل توترات جيوسياسية متراكمة، واضطرابات في ممرات الإمداد، وتقلبات في إنتاج بعض المنتجين الرئيسيين. إدخال النفط الفنزويلي تدريجيا إلى المعادلة يوفّر هامش أمان إضافيا، ويمنح الولايات المتحدة قدرة أكبر على إدارة التوازن بين العرض والطلب، وتقليص الاعتماد على مناطق شديدة التوتر. ومن هذا المنظور، يبدو أن سؤال “لماذا الآن؟” يرتبط أقل بالوضع الداخلي الفنزويلي، وأكثر بحسابات توقيت دقيقة في سوق الطاقة العالمية، حيث يتحول الاحتياطي المعطّل إلى ورقة استراتيجية جاهزة للاستخدام.
من الضغط السياسي إلى التحكم بالموارد
على امتداد السنوات الماضية، اعتمدت واشنطن سياسة العقوبات كأداة رئيسية للضغط على فنزويلا، وهو ما انعكس مباشرة على قطاع الطاقة، حيث تراجعت الاستثمارات، وتعطلت مشاريع الصيانة، وتقلّصت القدرة التشغيلية لشركة النفط الوطنية. ووفق تقديرات متخصصة، تحتاج البنية التحتية النفطية الفنزويلية إلى استثمارات تفوق 50 مليار دولار لإعادتها إلى مستويات إنتاج مستقرة، تشمل تحديث الحقول، وخطوط الأنابيب، ومرافق التكرير والتصدير. هذه الأرقام توضح أن الأزمة لم تكن سياسية فقط، بل تحولت تدريجيا إلى أزمة إدارة موارد، جعلت السيطرة على مفاصل القطاع مسألة مركزية في أي مقاربة جديدة. في هذا السياق، يمثل الانتقال من الضغط السياسي إلى فرض ترتيبات ميدانية وإدارية تحولا في طبيعة الأدوات المستخدمة، حيث لم يعد الهدف محصورا في تغيير السلوك السياسي، بل في إعادة تنظيم طريقة استغلال الموارد ذاتها. فطرح فكرة إدارة مؤقتة، مقرونا بالحديث عن إعادة تأهيل القطاع النفطي، يعني عمليا الانتقال إلى مرحلة التحكم في شروط الإنتاج والتصدير وتدفق العائدات. وبهذا المعنى، لا يبدو المسار الحالي استمرارا لسياسة العقوبات بوسائل مختلفة، بل تحولا نحو إدارة مباشرة لمورد استراتيجي، بما يسمح بتوجيهه ضمن حسابات أوسع تتعلق بأمن الطاقة وتوازنات السوق، دون الحاجة إلى إعلان ذلك كهدف معلن.
إعادة توزيع أوراق الطاقة خارج الشرق الأوسط
وعلى مدار عقود، شكّل الشرق الأوسط القلب النابض لإمدادات الطاقة العالمية، مع اعتماد كبير على ممرات حساسة، أبرزها مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية يوميا، أي ما يقارب 18 إلى 20 مليون برميل. هذه المعادلة جعلت أي توتر سياسي أو أمني في المنطقة ينعكس فورا على الأسعار والأسواق، وفرض على القوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، إدارة توازن دقيق بين الردع وتفادي الصدام المباشر الذي قد يهدد تدفق الإمدادات. ضمن هذا الإطار، يكتسب التحرك نحو مصادر طاقة بديلة خارج الشرق الأوسط بعدا استراتيجيا يتجاوز فنزويلا كحالة منفردة. فالتحكم في مورد نفطي ضخم في أمريكا اللاتينية يتيح إعادة توزيع أوراق الطاقة على الخريطة العالمية، ويخفف من مركزية الممرات الحساسة في حسابات الأمن الطاقوي. هذا التحول لا يلغي أهمية الشرق الأوسط، لكنه يقلّص هامش المخاطرة المرتبط به، ويمنح واشنطن قدرة أكبر على إدارة الأزمات الإقليمية من موقع أقل تعرضًا للضغط النفطي، في وقت تصبح فيه الموارد البعيدة جغرافيا جزءا من معادلة التوازن الدولي الجديدة.
انعكاسات السيطرة النفطية على وزن إيران التفاوضي
ولطالما شكّل النفط أحد أهم أوراق القوة غير المباشرة في يد إيران، سواء من خلال موقعها كمنتج رئيسي، أو عبر إشرافها الجغرافي على مضيق هرمز، الذي تمر عبره نسبة معتبرة من صادرات الطاقة العالمية. هذا الواقع منح طهران هامش ردع اقتصادي، إذ أن أي تصعيد واسع في المنطقة كان يُترجم تلقائيا إلى مخاوف في الأسواق وارتفاع في الأسعار، ما جعل كلفة المواجهة المباشرة عالية على جميع الأطراف، بما في ذلك الولايات المتحدة وحلفاؤها. غير أن إدخال النفط الفنزويلي إلى معادلة الإمدادات المحتملة يحدّ من ثقل هذه الورقة، دون أن يلغيها بالكامل. فتوفر مصدر ضخم خارج الشرق الأوسط يمنح واشنطن هامشا أوسع لإدارة الضغوط على إيران، ويقلّص درجة حساسية السوق لأي اضطراب محتمل في هرمز. وفي هذا السياق، لا يتعلق الأمر بتغيير موازين القوة بشكل فجائي، بل بإعادة ضبط تدريجية لميزان التفاوض، حيث تصبح القدرة الإيرانية على التأثير في السوق أقل حدة، بينما تتسع خيارات الولايات المتحدة في استخدام أدوات الضغط الاقتصادي دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة ذات كلفة مرتفعة.
هل يتغير ميزان الردع دون مواجهة مباشرة؟
تقليديا، كان ميزان الردع في ملفات الطاقة يقوم على معادلة واضحة: أي تصعيد عسكري واسع في مناطق إنتاج أو عبور النفط ينعكس فورا على الأسواق العالمية، ما يفرض على القوى الكبرى هامشا محدودا للمغامرة. هذه المعادلة جعلت الردع النفطي قائما حتى في غياب صدام مباشر، إذ يكفي التلويح بإرباك الإمدادات لرفع كلفة أي خطوة عسكرية. غير أن تنويع مصادر الطاقة، وإعادة إدماج احتياطات معطّلة في السوق، يفتح المجال أمام إعادة هندسة هذا الميزان بطريقة أقل صخبا وأكثر تدرجا. في هذا السياق، يبدو أن المقاربة الأمريكية لا تسعى إلى كسر معادلة الردع دفعة واحدة، بل إلى تفكيكها تدريجيًا عبر تقليص نقاط الضغط الأكثر حساسية. فامتلاك هامش أوسع من الإمدادات خارج بؤر التوتر يسمح بتخفيف أثر أي تهديد محتمل، ويمنح صانع القرار قدرة أكبر على المناورة دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة. وبهذا المعنى، لا يتغير ميزان الردع عبر الحرب، بل عبر إعادة توزيع عناصر القوة الاقتصادية، حيث يصبح النفط أداة لإعادة ضبط التوازنات بهدوء، لا شرارة لتفجيرها.
ما الذي يكبح واشنطن عن التصعيد العسكري مع إيران؟
رغم التحولات التي قد تطرأ على خريطة الإمدادات العالمية ومحاولات تنويع مصادر الطاقة خارج الشرق الأوسط، يظل العامل النفطي أحد أبرز محددات القرار الأمريكي تجاه إيران. فمضيق هرمز ما يزال يمر عبره نحو خمس تجارة النفط العالمية يوميا، وهو ما يجعل أي مواجهة عسكرية مباشرة تحمل كلفة اقتصادية فورية لا يمكن احتواؤها بسرعة، سواء من حيث اضطراب الأسعار أو ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين. وحتى في ظل توفر بدائل محتملة، مثل إعادة إدماج النفط الفنزويلي، تبقى القدرة على تعويض أي خلل واسع في هرمز محدودة على المدى القصير، ما يفرض على واشنطن حسابات دقيقة قبل رفع مستوى التصعيد. إلى جانب البعد الاقتصادي، ترتبط معادلة الكبح أيضا، باعتبارات أمنية وميدانية معقّدة، في بيئة إقليمية مكتظة بالقواعد العسكرية والمصالح الحيوية للحلفاء. فإيران تمتلك قدرات ردع تجعل أي مواجهة مباشرة قابلة للتوسع خارج إطارها الأولي، وهو ما يرفع كلفة التصعيد ويجعل التحكم في مساراته أكثر صعوبة. في هذا السياق، يبدو أن الاستراتيجية الأمريكية تميل إلى إدارة الضغط بأدوات متعددة، من العقوبات إلى إعادة هندسة التوازنات الطاقوية، بدل الذهاب إلى مواجهة شاملة. وبهذا المعنى، لا يُلغى خيار التصعيد عسكريا من الحسابات، لكنه يبقى مؤجلا ومقيدا بسقف كلفة مرتفعة، تجعل واشنطن تفضّل إضعاف أوراق الخصم تدريجيا بدل كسر المعادلة دفعة واحدة.
مشهد مفتوح: النفط كعامل حسم في صراعات غير معلنة
وبناء على كل ما سبق، يكشف المسار الذي يتخذه الملف الفنزويلي أن النفط لم يعد مجرد مورد اقتصادي أو عنصر داعم للسياسة، إذ تحوّل إلى أداة حسم تُدار من خلالها صراعات غير معلنة. فالتحكم في موارد الطاقة، أو في إمكانية إعادة إدماجها في السوق، بات وسيلة لإعادة رسم خطوط التأثير دون الحاجة إلى قرارات صدامية مباشرة. هذا النمط من إدارة الأزمات يسمح بإحداث تغييرات عميقة في موازين القوة، مع الإبقاء على الخطاب السياسي في إطار ضبط النفس وتفادي المواجهة المفتوحة. وفي هذا السياق، لا يبدو أن ما يجري يقتصر على الحالة الفنزويلية وحدها، بل يندرج ضمن مقاربة أوسع توظّف الطاقة كرافعة لإدارة التوازنات الدولية في مرحلة تتسم بتعدد بؤر التوتر. فكلما توسّعت دائرة التحكم في مصادر الإمداد، تقلّصت قدرة بعض الأطراف على استخدام النفط كورقة ضغط حاسمة، وتحوّل الصراع من ساحات المواجهة المباشرة إلى مساحات أهدأ ولكن أكثر تأثيرا. وبينما تظل النتائج النهائية رهينة تطورات لاحقة، يتأكد أن النفط بات أحد مفاتيح الحسم الصامت في صراعات تُدار خلف العناوين الكبرى.





