رسالة مفتوحة

إلى رئيس الجمهورية

إلى رئيس الجمهورية

أنا السيد محمد شرشال، فنان ومخرج وسيناريست، من مواليد جيل الإستقلال، تكوّنت في المدرسة الجزائرية، من الابتدائي إلى غاية شهادة الدراسات العليا في الإخراج المسرحي.
كرّست عمري ومساري المهني لخدمة الجزائر والثقافة الجزائرية بإخلاص من خلال المسرح والتلفزيون، شاركت في أعمال وتظاهرات ثقافية داخل الوطن وخارجه، ساهمت في إبراز صورة الجزائر المشرقة في محافل عربية ودولية.
وقد تحصّلت خلال مساري على جوائز وتكريمات عديدة، من بينها جائزة أحسن عرض مسرحي عربي بالأردن 2020 وجائزة أحسن إخراج مسرحي بالمهرجان الدولي قرطاج 2021، إضافة إلى تشريفات وتكريمات أخرى.
كما نشّطت ورشات تكوينية باسم الجزائر في كل من: موريتانيا، الأردن، الإمارات ومصر، في إطار التسويق للتجربة المسرحية الجزائرية الرائدة وتثمينها عربيا، وساهمت كذلك في الكتابة للتلفزيون وإمتاع الجمهور الجزائري الواسع من خلال أعمال أصبحت راسخة في الثقافة الجمعية الجزائرية كـ “سلسلة جمعي فاميلي” و”فاطمة”.

سيدي رئيس الجمهورية المحترم
منذ ما يزيد عن السنة، تم عزلي بطريقة تعسفيّة من منصبي كرئيس للدائرة التقنية بالمسرح الوطني الجزائري، من طرف السيد المدير العام لهذه المؤسسة، دون أي سبب قانوني واضح يبرر هذا الإجراء. وقد أخبرني حينها أن هذا القرار تم امتثالا لمكالمة هاتفية صادرة من جهات أمنية عليا.
ولم يتوقف الأمر عند حد حرماني من المنصب، إذ لم يكتفي مدير المسرح الوطني بهذا القرار، بل قام – حسب شهادات عديدة- بالترويج لوشاية كاذبة مفادها أن لي مشاكل مع الجهات الأمنية العليا للبلد، داخل الوسط المسرحي، الأمر الذي جعل الجميع يتحاشى التعامل معي كمخرج مسرحي، ما تسبب في إبعادي بشكل غير مباشر ومشبوه من الحقل المسرحي برمته.
وقد بادرت، سيدي الرئيس، بمراسلة مختلف المسؤولين في قطاع الثقافة، ملتمسًا التدخل وإنصافي مهنيًا وإنسانيًا، غير أن جميع مراسلاتي قوبلت بالتجاهل التام وعدم الرد.
هذا الصمت، سيدي الرئيس، أثار لديّ العديد من التساؤلات، وترك لدي انطباعًا مؤلمًا بأن قرار إبعادي لم يكن مجرد إجراء إداري معزول، بل يحمل أبعادًا لم تتضح لي بعد.
ولما لم تجد مراسلاتي طريقها إلى التجاوب، سيدي رئيس الجمهورية المحترم، لجأت إلى العدالة الجزائرية التي أنصفتني في هذا الشأن، حيث صدر حكم أول عن محكمة باب الوادي يقضي بإلزام مدير المسرح الوطني بإعادة إدماجي في منصبي الأصلي أو في منصب مماثل مع حفظ حقوقي المكتسبة.
كما صدر حكم ثان عن مجلس قضاء الجزائر، قضى بتأييد الحكم الأول الصادر عن محكمة باب الوادي، مع إقراره بالغرامة التهديدية.
غير أنني، سيدي رئيس الجمهورية، وبكل أسف، أجد نفسي أمام وضع لم يتم فيه تنفيذ هذه الأحكام القضائية، إذ لم يقم مدير المسرح الوطني الجزائري بتنفيذ ما صدر من أحكام في تحدي فاضح وغير مبرّر للعدالة الجزائرية.
سيدي رئيس الجمهورية الجزائرية الديمقراطية، والقاضي الأول للبلد، لقد تعرضت لظلم بالغ القسوة، ظلم أجهل مصدره الحقيقي، غير أن خطورته تتجلى في كونه لم يتوقف عند حدود قرار إداري تعسفي، بل امتدّ إلى تبريره والإيحاء أنّه صادر عن جهات أمنية عليا، بما يمنح القرار غطاءً خطيرًا يخرج به من نطاقه الإداري الطبيعي والقانوني إلى مستوى يمسّ بمصيري المهني والاجتماعي وحتى الإنساني، إنه حكم بالإعدام صدر عن محاكمة تمت في دوائر مغلقة.
إن أخطر ما في الوضع، سيدي الرئيس المحترم، ليس قرار الإبعاد في حد ذاته، بل ما رافقه من ترويج لمعطيات تمس السمعة المهنية و(المواطنية) وكأنهم يتهمونني بالخيانة العظمى أو التخابر ضد وطني، وهو الأمر الذي أرفضه وأعتبره مساسا بكرامتي كجزائري وتشكيك في وطنيتي.
سيدي رئيس الجمهورية والقاضي الأول للبلد، إنني أجد نفسي ضحية ممارسات كنت أظن أنها انتهت بالقضاء على العصابة الظالمة، ولكن لم أستطع منع نفسي من ملاحظة استمرار ممارساتها في قضيتي، وإلا فكيف نفسّر عملية طرد تعسفي مع غياب المبررات؟ كيف نفسّر استغلال مسؤول مؤسسة عمومية لسلطة عليا (الجهات الأمنية) والاحتماء بها من أجل قطع أرزاق الناس، ودون أن يحاسبه أحد؟ أين يمكن أن ندرج، سيدي رئيس الجمهورية، عملية استغلال المنصب من أجل حرمان المواطن الجزائري من “خبزة أولاده” دون سبب؟
أعرف جيدا أنكم لا تقبلون “بالحقرة”، وأن لا وجود لهذا المصطلح في الجمهورية الجديدة التي تأملون في إرسائها، ولكن، سيدي رئيس الجمهورية، أعذرني بأن أُعلمكم أن “الحقرة” واقع ملموس، وخاصة في قطاع الثقافة، ملموس من خلال هؤلاء الذين يستعملون مناصبهم للتغوّل على الناس والتحكم في أرزاقهم، من مكاتب وزارة الثقافة والفنون إلى أصغر مؤسساتها.
من يكون هذا الذي يتحدى أحكام العدالة الجزائرية ويتجاهلها وهو مسؤول عن مؤسسة تابعة للدولة الجزائرية؟ من يكون هذا الذي يقف ضد سياستكم الرشيدة العادلة؟ ضد قيم مشروع الجزائر الجديدة؟ ضد المسرح الذي رافعتم من أجل ترقيته، لتُقابل توجيهاتكم بالتجاهل والتعنت وتهميش أبناء المسرح الفاعلين؟
في الختام، سيدي رئيس الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية الجزائرية، والقاضي الأول للبلد، وبعد استنفاذ كل السبل والوسائل القانونية والسلمية المتاحة، أتوجه إلى سيادتكم طالبا الإنصاف الذي يعيد لي حقي، ويصون كرامتي كمواطن جزائري أولا، ثم كمسرحي شرّف الجزائر ثانيا، ثم كرب أسرة حُرم من قوت أولاده .
أخاطبكم اليوم من موقع مواطن فقد سُبل العمل داخل مجاله وفي وطنه بسبب سوء استغلال المنصب والاستقواء بمؤسسات الدولة السيادية، وأضع بين أيديكم هذا النداء إيمانا بأن الدولة التي كرّمت أبناءها المخلصين، لا تتركهم فريسة للإقصاء أو التشويه أو التهميش.
وأملي كبير في تدخلكم، سيدي الرئيس، لرفع هذا الغبن، وإعادة الاعتبار لي كفنان ومواطن جزائري، حتى أستعيد حقي في أن أعيش وأسرتي بكرامة داخل وطني، وأن أُواصل خدمة المسرح الجزائري بالشكل الذي يليق به وبتاريخه وبحاضنته الجزائر، أمنا جميعا.

المخرج المسرحي الجزائري
محمد شرشال