زيارة مرتقبة للبابا في أفريل المقبل

اختيار الجزائر.. رسائل عالمية من الفاتيكان

اختيار الجزائر.. رسائل عالمية من الفاتيكان

برز إدراج الجزائر ضمن الجولة الإفريقية المرتقبة للبابا ليون الرابع عشر كإشارة تتجاوز البعد البروتوكولي للزيارة.

فاختيار محطة جزائرية في برنامج يشمل عددا من الدول الإفريقية والأوروبية يعكس اهتماما خاصا بموقع الجزائر في الفضاءين المتوسطي والإفريقي، ويفتح باب التساؤل حول الرسائل التي يحملها هذا القرار في سياق دولي تتزايد فيه رهانات الحوار والتوازن.

أعلن الفاتيكان أن البابا ليون الرابع عشر سيقوم بجولة إفريقية تشمل أربع دول هي الجزائر، الكاميرون، أنغولا وغينيا الاستوائية، وذلك خلال الفترة الممتدة من 13 إلى 23 أفريل المقبل، على أن تكون الجزائر من بين المحطات الرئيسية في هذه الزيارة. ووفق بيان دار الصحافة التابعة للكرسي الرسولي، ستشمل المحطة الجزائرية العاصمة وعنابة، المدينة المرتبطة تاريخيا بالقديس أوغستين، في برنامج يُنتظر أن يُكشف عن تفاصيله لاحقا. ويأتي إدراج الجزائر ضمن هذه الجولة، استجابةً لدعوات رسمية، وفي إطار حركية دبلوماسية إفريقية يشهدها الفاتيكان خلال المرحلة الراهنة.

ومن جهتها، باشرت السلطات الجزائرية التحضيرات الرسمية للزيارة، حيث ترأس رئيس الجمهورية اجتماعا خصص لتقييم عمل اللجنة المكلفة بالإعداد لهذا الموعد، بحضور عدد من المسؤولين المعنيين بالجوانب التنظيمية والأمنية والدبلوماسية. وأكدت الجزائر في بيان رسمي أن هذه الزيارة من شأنها تعزيز روابط الصداقة والثقة والتفاهم بين البلدين، وفتح آفاق جديدة للتعاون، في سياق يعكس إيمان الطرفين بقيم الحوار والسلم. وتضع هذه المعطيات القارئ أمام حدث ذي أبعاد تتجاوز الطابع البروتوكولي، ويفتح الباب لقراءة أوسع للرسائل التي يحملها هذا الاختيار.

 

رسالة ثقة واستقرار

وفي سياق التساؤل حول دلالات إدراج الجزائر ضمن الجولة الإفريقية، تبرز أولى الرسائل في بعدها المؤسساتي، باعتبار أن اختيار محطة معينة في برنامج بابوي يخضع عادة لمعايير دقيقة تتعلق بالاستقرار والتنظيم والقدرة على تأمين حدث ذي طابع دولي حساس. فالزيارات البابوية ليست مجرد تحركات روحية، بل مواعيد دبلوماسية عالية الرمزية تتطلب بيئة سياسية وأمنية مستقرة، وبنية تنظيمية قادرة على إدارة التفاصيل البروتوكولية واللوجستية وفق معايير دولية صارمة.  كما أن إشراف أعلى هرم في الدولة على متابعة التحضيرات يعكس مستوى الجدية في التعامل مع الحدث، ويعزز صورة مؤسسات تعمل بتنسيق وانسجام لضمان نجاحه.

ومن زاوية أوسع، فإن هذه الثقة هي نتيجة مسار تراكمي يعكس قدرة الدولة على الحفاظ على توازنها الداخلي في محيط إقليمي ودولي متقلب. وهكذا، فإن إدراج الجزائر ضمن هذه الجولة الإفريقية يمكن قراءته كإشارة ضمنية إلى هذا الرصيد من الاستقرار، بما يعزز تموضعها كبلد قادر على استقبال الأحداث ذات البعد العالمي في سياق من الثقة والاطمئنان.

 

رسالة تموضع إفريقي

وإذا كانت رسالة الثقة والاستقرار تشكل البعد الأول في قراءة هذا الاختيار، فإن الرسالة الثانية تتعلق بتموضع الجزائر داخل الفضاء الإفريقي ذاته. فإدراجها ضمن جولة تشمل عددا محدودا من الدول الإفريقية يعكس موقعها في التوازنات القارية، ليس فقط من زاوية الجغرافيا، بل أيضا من زاوية الدور السياسي والدبلوماسي الذي تضطلع به داخل الاتحاد الإفريقي وفي ملفات الساحل والهجرة والتنمية. فالجزائر تُعد من الدول التي تجمع بين العمق الإفريقي والامتداد المتوسطي، ما يمنحها خصوصية في المعادلة القارية. فهي فاعل في قضايا الأمن الإقليمي، وشريك في مسارات الوساطة والحوار، وصوت حاضر في النقاشات المرتبطة بالاستقرار في شمال وغرب إفريقيا. ومن هذا المنظور، فإن حضورها ضمن الجولة البابوية يمكن قراءته كإقرار بمكانتها كإحدى النقاط المرجعية في شمال القارة. كما أن اختيار الجزائر يعكس أيضا اهتماما بدولة تمثل جسرا بين إفريقيا وأوروبا، في لحظة تشهد فيها القارة الإفريقية حركية دبلوماسية متزايدة من مختلف الفاعلين الدوليين. وهكذا، فإن الرسالة الإفريقية للاختيار لا تتعلق فقط بزيارة بلد بعينه، بل بتكريس حضور الجزائر ضمن شبكة التوازنات القارية، بما يعزز موقعها في المشهد الإفريقي الأوسع.

 

رسالة حوار ديني..

وإذا كان تموضع الجزائر الإفريقي يمثل بعدا سياسيا واستراتيجيا في قراءة هذا الاختيار، فإن الرسالة الثالثة تتصل ببعد لا يقل أهمية، يتمثل في ترسيخ صورة الجزائر كأرض حوار ديني وتعايش حضاري. فاستقبال أعلى مرجعية كاثوليكية في العالم داخل دولة مسلمة يحمل في ذاته دلالة رمزية قوية، تعكس إمكانية التلاقي بين المرجعيات الدينية المختلفة في إطار الاحترام المتبادل. فالجزائر، بحكم تاريخها وتجربتها، عرفت حضورا مسيحيا قديما وحديثا، كما حافظت على وجود الكنيسة الكاثوليكية ومؤسساتها في إطار قانوني منظم. وتاريخ العلاقات الدبلوماسية بين الجزائر والفاتيكان، الممتد لسنوات، يعكس هذا المسار من التواصل المستمر، القائم على الحوار والتفاهم في القضايا ذات الاهتمام المشترك. ومن هذا المنظور، فإن إدراج الجزائر في الجولة الإفريقية يمكن قراءته أيضا كإشارة إلى هذا المناخ من الانفتاح المنظم. كما أن الرسالة الدينية هنا لا تنحصر في الطابع البروتوكولي للزيارة، بل تمتد إلى تأكيد دور الجزائر في دعم ثقافة الاعتدال ونبذ التطرف، في سياق دولي تتصاعد فيه التوترات ذات الخلفيات الدينية والهوياتية. وهكذا، يصبح حضور الجزائر في هذه الجولة تعبيرا عن نموذج يربط بين الثبات على الهوية والانفتاح على الآخر، بما يعزز صورتها كفضاء تلاقٍ لا فضاء تصادم.

 

أوغستين.. رسالة رمزية تاريخية

وإذا كان بعد الحوار الديني يعكس الحاضر، فإن الرسالة الرابعة تعود بنا إلى عمق التاريخ، حيث تبرز رمزية القديس أوغستين باعتبارها أحد المفاتيح الأساسية لفهم خصوصية المحطة الجزائرية ضمن الجولة الإفريقية. فأوغستين، الذي وُلد في طاغست وعاش مرحلة حاسمة من مسيرته في هيبون (عنابة حاليا)، يُعد من أبرز أعلام الفكر المسيحي الغربي، وتأثيره ما يزال حاضرا في اللاهوت والفلسفة إلى اليوم.

ومن هذا المنطلق، فإن إدراج مدينة عنابة ضمن برنامج الزيارة يُقرأ كإشارة إلى الامتداد التاريخي الذي يربط أرض الجزائر بتاريخ الكنيسة الغربية. فالفكر الذي صاغه أوغستين في شمال إفريقيا شكّل جزءا من البنية الفكرية للمسيحية اللاتينية، ما يمنح الجزائر مكانة خاصة في الذاكرة الروحية المتوسطية، تختلف في طبيعتها عن بقية المحطات الإفريقية.

كما أن استحضار هذا الإرث يعيد تسليط الضوء على الجزائر كفضاء حضاري ساهم في إنتاج المعرفة، وليس مجرد ساحة عبور تاريخي. وهكذا، فإن الرسالة الرمزية للاختيار تتجاوز الحاضر السياسي والدبلوماسي، لتؤكد أن للجزائر جذورا عميقة في تشكيل جزء من التاريخ الفكري الغربي، بما يمنح الزيارة بعدا ثقافيا وحضاريا يتكامل مع أبعادها الإفريقية والدينية.

 

رسالة دبلوماسية ناعمة..

وإذا كانت الرمزية التاريخية لأوغستين تمنح الزيارة عمقها الحضاري، فإن الرسالة الخامسة تتصل ببعد أكثر هدوءا وتأثيرا يتمثل في الدبلوماسية الناعمة. فمثل هذه الزيارات تُقاس بما تحمله من إشارات حول صورة الدولة ومكانتها في الوعي الدولي. وإدراج الجزائر ضمن جولة ذات طابع روحي عالمي يضعها في دائرة الضوء بوصفها شريكا في حوار يتجاوز الحسابات السياسية الضيقة. كما أن تلاقي المرجعيات الروحية والدولية على أرض الجزائر يرسّخ حضورها كفاعل قادر على الجمع بين البعد الديني والثقافي والدبلوماسي في آن واحد. فالقوة الناعمة لا تُبنى فقط عبر الاقتصاد أو الإعلام، بل أيضا عبر الرمزية والقدرة على احتضان مبادرات ذات بعد إنساني عالمي. ومن هذا المنظور، فإن الزيارة تمثل فرصة لتعزيز الصورة الإيجابية للجزائر في الفضاءين الإفريقي والمتوسطي. وعلى امتداد هذا المسار، تبدو الرسالة واضحة في كون الجزائر تتحرك ضمن منطق التوازن والانفتاح، مستندة إلى تاريخها وموقعها الجغرافي ومكانتها الإقليمية. وهكذا، فإن البعد الدبلوماسي الناعم للاختيار لا يقتصر على لحظة الزيارة، بل يندرج ضمن تموضع أوسع يعزز حضور الجزائر في شبكة العلاقات الدولية عبر أدوات الحوار والرمزية والتواصل الحضاري.

 

رسالة متوسطية تتجاوز الحدود الجغرافية

وإذا كانت الدبلوماسية الناعمة قد أبرزت البعد الدولي للاختيار، فإن الرسالة السادسة تكتمل في الإطار المتوسطي الأوسع الذي تتقاطع فيه الجغرافيا بالتاريخ والرمزية. فالجزائر ليست فقط محطة إفريقية في برنامج الزيارة، بل هي أيضا دولة متوسطية ارتبط اسمها، منذ قرون، بحركية فكرية وروحية شكلت جزءا من ذاكرة الضفتين. ومن هذا المنظور، فإن إدراجها ضمن الجولة يعيد تفعيل هذا الامتداد الذي يتجاوز الحدود السياسية المعاصرة. فالفضاء المتوسطي ظل عبر التاريخ مجالا للتبادل الحضاري والفكري، وكانت الجزائر إحدى نقاطه الفاعلة، سواء في العصور القديمة أو في المراحل اللاحقة. واليوم، ومع عودة الحديث عن دور المتوسط في إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية، تأتي هذه الزيارة لتؤكد أن الجزائر تحتفظ بموقع خاص في هذا الفضاء، يجمع بين الانتماء الإفريقي والامتداد الأوروبي. وهكذا، فإن الرسالة المتوسطية للاختيار لا تتعلق بحدث عابر، بل بتكريس موقع جغرافي-حضاري يسمح للجزائر بأن تكون حلقة وصل بين دوائر متعددة: إفريقيا جنوبا، وأوروبا شمالا، والفضاء المتوسطي في عمقه التاريخي. وفي هذا الإطار، تتجاوز الزيارة بعدها الثنائي، لتصبح جزءا من قراءة أوسع لمكانة الجزائر في خريطة التوازنات الإقليمية والدولية.

وفي ضوء هذه الرسائل المتعددة، يتضح أن إدراج الجزائر ضمن الجولة الإفريقية لا يمكن اختزاله في بعد بروتوكولي أو ديني صرف، بل يندرج ضمن سياق أوسع يعكس تقاطعات الجغرافيا والتاريخ والدبلوماسية. فالحدث، في مجمله، يكشف عن موقع يتقدم بهدوء داخل المشهدين الإفريقي والمتوسطي، مستندا إلى عناصر الاستقرار والرمزية والقدرة على التفاعل مع قضايا تتجاوز الإطار الثنائي. كما أن تزامن هذه الزيارة مع تحولات إقليمية ودولية متسارعة يمنحها بعدا إضافيا، إذ تعيد تسليط الضوء على أدوار الدول التي تجمع بين الثقل الإفريقي والامتداد المتوسطي. وفي هذا السياق، تبدو الجزائر معنية بتكريس صورة بلد قادر على الجمع بين الهوية والانفتاح، وبين الانتماء القاري والحضور الدولي، دون انزلاق إلى منطق الاستقطاب أو الاصطفاف. وعليه، فإن ما تحمله هذه المحطة يتجاوز موعد أفريل المقبل، ليطرح سؤالا أوسع حول مكانة الجزائر في الخريطة الدبلوماسية الناعمة للقارة الإفريقية والفضاء المتوسطي. فبين الرمزية التاريخية والتموضع الاستراتيجي، تبرز ملامح مسار يعزز حضور الجزائر في النقاشات الدولية، بوصفها فاعلا يسعى إلى التوازن والحوار في عالم يزداد تعقيدا.

مصطفى. ع