• تحرير السواحل وفرض المجانية: الصرامة الرئاسية تنهي عهد “بلطجة” الشواطئ لحماية حرمة العائلات
• مرحباً بأبناء المهجر: مخطط سيادي عابر للمعابر والموانئ يفتح حضن الوطن للجالية الوطنية
أرسى اجتماع مجلس الوزراء، برئاسة رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، معالم استراتيجية وطنية شاملة وهادفة لصياغة موسم اصطياف استثنائي وآمن لدورة 2026، واضعاً حداً حاسماً لسنوات من الفوضى التنظيمية وسلوكيات الارتجال الموسمية.
وجاءت القرارات الصارمة لتعكس حرص الدولة على التوفيق بين حق المواطن والجالية في رفاهية تامة وحرمة عائلية مصونة، وبين فرض سلطة القانون وضبط الرقابة الصحية والتجارية عبر الموانئ والطرقات. إنها هندسة حكومية متكاملة الأركان تحمي الجيب والصحة العامة، وتعيد للمواطن الجزائري فضاءه العام المستباح من شبكات البلطجة والاستغلال العشوائي.
تحرير السواحل وفرض مجانية الشواطئ: إنهاء عهد البلطجة والاستيلاء على الفضاء العام
شكل ملف إنجاح موسم الاصطياف وحماية الفضاءات الساحلية محوراً جوهرياً في حزمة التوجيهات الحازمة التي أسداها رئيس الجمهورية، واضعاً حداً نهائياً لظاهرة الاستيلاء غير القانوني على الشواطئ التي أهلكت طمأنينة العائلات لسنوات طويلة.
وجاء التوجيه الرئاسي واضحاً ومباشراً بضرورة تفعيل مجانية الشواطئ كحق دستوري وسيادي لا يقبل المساومة أو التراخي في التطبيق من طرف أي جهة كانت. إن هذه الصرامة تعكس التزام السلطات العليا بإعادة هيبة الدولة إلى السواحل الوطنية، وتخليص المواطن البسيط من سطوة شبكات “البلطجة” الموسمية التي دأبت على فرض إتاوات غير قانونية لابتزاز المصطافين. ولم تقف التعليمات عند حدود التذكير الشفوي بالشعارات، بل تعدتها إلى وضع آلية تنفيذية وردعية صارمة عبر تكليف الجهات المختصة والأجهزة الأمنية بالتدخل الميداني الفوري لمنع هذه السلوكات السلبية ومعاقبة مقترفيها بلا هوادة. وسيصاحب هذا الاستنفار الأمني والعملي تحيين شامل للنصوص القانونية المنظمة لاستغلال السواحل، بغرض سد الثغرات التشريعية التي كانت تستغلها الأطراف الانتهازية لفرض الأمر الواقع على المصطافين. هذا التأسيس القانوني الجديد سيمنح القوة العمومية الغطاء الكامل لتطهير الواجهات البحرية، وجعلها فضاءات مفتوحة وآمنة تليق بسمعة السياحة الداخلية وتستجيب لتطلعات الأسر الجزائرية. وفي سياق متصل يحمي سلامة المصطافين ويمنع تكرار حوادث الغرق والمآسي الدامية، أمر الرئيس بوضع حد لفوضى وسائل الترفيه البحرية الميكانيكية وعلى رأسها دراجات “الجيت سكي” التي تحولت لمصدر رعب حقيقي. وتقضي التوجيهات الجديدة بتحديد شواطئ حصرية خاصة ومراقبة على طول السواحل الوطنية لاستعمال هذه الوسائل، مع منعها البات من الاقتراب من مناطق سباحة وتجمع العائلات. إن هذا الإجراء التنظيمي الدقيق ينهي حالة التداخل العشوائي في الفضاء البحري، ويضمن للمواطنين قضاء عطلتهم في كنف السكينة والأمان دون الخوف من تهور بعض أصحاب المركبات المائية. إن هذه المقاربة الرئاسية لإدارة السواحل تتجاوز المنظور التجاري الضيق لتصل إلى عمق المسؤولية الاجتماعية والأمنية للدولة في حماية مواطنيها وتثمين ثرواتهم الطبيعية. وتضع الحكومة اليوم كافة الولاة والمسؤولين المحليين في الولايات الساحلية أمام مسؤولياتهم المباشرة لمتابعة تنفيذ هذه القرارات على أرض الواقع وضمان استمراريتها طوال الصيف. فالهدف الأسمى هو جعل صيف 2026 محطة فاصلة يتأكد فيها المواطن أن القانون يحميه، وأن شواطئ بلاده هي ملك مشاع وخالص لرفاهيته وراحة عائلته دون قيود أو ابتزاز مالي.
حضن الوطن يستوعب المغتربين: تسهيلات لوجستية وتدابير سيادية لاستقبال الجالية بالخارج
حظيت الجالية الوطنية المقيمة بالخارج بحيز رئيسي واستثنائي من ترتيبات مجلس الوزراء، حيث شدد رئيس الجمهورية على ضرورة المتابعة الحثيثة والدقيقة لإنجاح مخطط استقبال أبناء المهجر وتسهيل عودتهم لأرض الوطن.
وتأتي هذه التوجيهات، لتؤكد أن العناية بالمغتربين ليست مجرد إجراءات إدارية بروتوكولية مرتبطة بمواسم العطل، بل هي عقيدة سياسية ثابتة تهدف لتمتين الروابط بين الجالية ووطنهم الأم. وأمر الرئيس بتعبئة كافة المنشآت اللوجستية وتدارك كافة النقائص السابقة على مستوى المعابر البحرية والجوية لضمان سيولة العبور وتقليص فترات الانتظار المملة. وتكاملت هذه الترتيبات مع أمر رئيس الجمهورية لوزارتي التجارة الداخلية والصحة باستحداث مخابر متخصصة لرقابة المنتجات الموجهة للاستهلاك على مستوى كافة موانئ ومطارات الوطن وتسييرها بشكل فوري ومشترك. هذا الإجراء ذو البعد المزدوج يسهم مباشرة في تسريع وثيرة الإفراج الجمركي عن السلع والممتلكات الشخصية للمسافرين والمغتربين، من خلال إخضاعها لرقابة صحية وتقنية آنية وسريعة في عين المكان دون الحاجة لإرسال العينات للمدن الكبرى. إن وجود هذه المخابر بالمنافذ الحدودية يضمن تدفقاً آمناً ومحسناً لحركة الأفراد والسلع، ويقطع دابر البيروقراطية الحدودية التي كانت تؤرق المغتربين. وتعمل الحكومة، تنفيذاً للأوامر الرئاسية، على تحديث الترسانة الخدماتية بالمطارات والموانئ عبر تدعيم المورد البشري التابع للشرطة والجمارك، وتجهيز قاعات الاستقبال بكافة وسائل الراحة الضرورية للعائلات القادمة من مختلف بقاع العالم. ويمتد هذا المخطط ليشمل مراجعة وتنسيق عروض النقل الجوي والبحري وضبط أسعار التذاكر لتكون في متناول العائلات الكبيرة، مما يسهم في تشجيع تدفق المغتربين نحو الوجهة الجزائرية. ويعكس هذا الاهتمام الشامل وعياً عميقاً بالدور الاقتصادي والثقافي الهائل للجالية، ورغبة حقيقية من الدولة في جعل عودتهم تجربة مريحة وخالية من العقبات الإدارية. إن احتضان الجالية خلال موسم اصطياف 2026 يترجم ميدانياً شعار “الجزائر القوية بأبنائها”، حيث تتحول المعابر الحدودية إلى واجهة ترحيبية تعكس التطور الخدماتي والرقابي للبلاد. وتستعد موانئ ومطارات الوطن لاستقبال مئات الآلاف من المغتربين في أجواء تنظيمية حسنة، مستفيدة من التنسيق العالي بين مختلف القطاعات الوزارية المعنية بتنفيذ مخططات العبور. ويبقى الرهان الأساسي هو تقديم أداء مرن ومحترم يرسخ انطباعاً إيجابياً لدى أبناء المهجر، ويشعرهم منذ اللحظة الأولى لوصولهم بأنهم في وطنهم الذي يحميهم ويحتفي بوجودهم بين ذويهم.
تحصين السلامة الصحية والمستهلك
وفي خطوة استراتيجية رائدة لحماية الصحة العمومية وأمن المستهلك الغذائي خلال فترات الحر الشديد، وضع مجلس الوزراء منظومة رقابية متعددة المستويات والقطاعات لمكافحة الغش التجاري والغذائي بلا هوادة.
وتمثلت اللبنة الأولى لهذه المنظومة في الفصل الدقيق والذكي بين الصلاحيات القطاعية، حيث كُلفت وزارة التجارة الداخلية بمراقبة المنتجات الاستهلاكية واللحوم بأنواعها، بينما انفردت وزارة الفلاحة بمراقبة جودة الحبوب فقط. هذا التحديد الدقيق للمسؤوليات يقضي على تداخل الصلاحيات الإدارية، ويرفع من كفاءة الأداء الرقابي لكل قطاع عبر التركيز التام على مجاله الحيوي. وتعزز هذا الحصار التنظيمي بأمر رئاسي يقضي باستحداث فرق ميدانية متخصصة بالتعاون مع وزارة التعليم العالي والبحث العلمي لتكوين الإطارات، على أن تتولى وزارة التجارة الداخلية الإشراف الميداني عليها. وستتولى هذه الفرق النوعية والمدربة مهمة مراقبة جودة السلع والمنتجات الموجهة للاستهلاك أثناء عمليات نقلها عبر الطرقات والمحاور الكبرى، مستعينة بالتعاون اللصيق مع الأجهزة الأمنية. إن هذا الإجراء يمثل نقلة نوعية في فلسفة الرقابة، حيث لن تنتظر الدولة وصول المأكولات الفاسدة للأسواق والمطاعم الساحلية، بل ستقوم باعتراضها وتوقيفها في شبكات الطرقات قبل توزيعها. ودعماً للقدرات التقنية والردعية للمنظومة الرقابية، شدد رئيس الجمهورية على ضرورة إدخال تحاليل مخبرية دقيقة وعلمية تُمكّن المصالح المختصة من الوصول إلى المصدر الحقيقي للغش وتطبيق عقوبات صارمة بحقه. ولن تقتصر الرقابة على الجوانب الظاهرية للمنتجات، بل ستغوص المخابر المستحدثة في المكونات الكيميائية والبيولوجية للمواد الغذائية واللحوم لضمان مطابقتها التامة لمعايير السلامة الدولية والمحلية. هذا التحصين العلمي يهدف لقطع دابر المتلاعبين بقوت الجزائريين وصحتهم، لا سيما في المدن الساحلية التي تشهد طلباً قياسياً وضغطاً كبيراً على المواد الغذائية السريعة التلف. إن هذه المعركة الشاملة ضد الغش التجاري والصحي، والتي وضعها رئيس الجمهورية في صدارة الأولويات السيادية للحكومة، تمثل صمام الأمان الحقيقي لنجاح الصيف والاصطياف دون تسجيل أزمات صحية. وتتحرك فرق الرقابة اليوم مدعومة بغطاء قانوني وأمني قوي لفرض شروط النظافة وسلسلة التبريد على المنتجين والناقلين والتجار على حد سواء. فالغاية الأساسية من هذه التعبئة التكنولوجية والبشرية هي صيانة الحق المقدّس للمواطن والسائح في استهلاك آمن وصحي، وردع كل من تسول له نفسه الاستثمار الجشع واللانمطي في صحة العائلات وأطفالها. تتوج مخرجات اجتماع مجلس الوزراء الأخير صياغة العقد التنظيمي والاجتماعي الجديد لصيف الجزائر 2026، واضعة المصلحة العليا للمواطن وحمايته الاقتصادية والصحية في طليعة الواجبات الحكومية. ولقد أثبتت القرارات الحازمة لرئيس الجمهورية أن الدولة لن تسمح بأي تراخٍ أو تراجع في فرض سلطة القانون على طول شواطئنا ومعابرنا الحدودية البرية والبحرية والجوية. إن هذا الحزم السياسي واللوجستي يرسخ قواعد واضحة للتسيير السياحي المنضبط، ويمنح عائلاتنا وجاليتنا القادمة من المهجر الضمانات الكافية لقضاء موسم اصطياف تسوده الطمأنينة والعدالة والرفاهية المصونة. إن التنسيق الميداني والقطاعي المتطور الذي أقره الرئيس، بداية من جبهة تحرير الشواطئ وصولاً إلى جبهة الرقابة الصحية بالمخابر وفرق الطرقات، يترجم نضوج المقاربة المؤسساتية لإنهاء السلوكات السلبية وعينات الغش والتلاعب. ولم تعد إدارة موسم الاصطياف مجرد حملة تنظيف موسمية عابرة، بل تحولت إلى خطة استراتيجية مستدامة تشترك فيها مختلف أجهزة الدولة الأمنية والقانونية والتعليمية لضمان الأمن القومي الغذائي والسياحي. ويسهم هذا الحصار التقني والتنظيمي المضروب على الفوضى والانتهازية في إعادة الاعتبار للمرفق العام، ويؤكد هيبة المنظومة الحكومية وقدرتها على رصد التجاوزات ومعالجتها بصرامة وعلمية. وفي نهاية المطاف، يبقى التحدي الحقيقي معلقاً على مدى التزام الإطارات المحلية والولاة في الميدان بترجمة هذه الأوامر الرئاسية الصارمة بكل أمانة وشفافية طوال الخمسة أشهر القادمة. وتملك الجزائر اليوم كافة المقدرات البشرية والمالية والهياكل اللوجستية الحديثة لإنجاح هذا الرهان الوطني وجعل صيف 2026 نموذجاً يحتذى به في التسيير والرفاهية التشاركية والإنصاف الاجتماعي. وتظل سواعد الرقابة وعيون الأمن ساهرة على طول الطرقات والشواطئ، معلنة بداية عهد جديد تسوده السكينة وحرمة العائلات، ومكرسة حق كل جزائري في التمتع بخيرات وطنه الشامخ وآمن المنشآت.
مصطفى. ع