-
استقرار القواعد.. مدخل لثقة المستثمرين وتعزيز ديناميكية المشاريع
احتضن قصر المؤتمرات عبد اللطيف رحال بالعاصمة، السبت، أشغال الملتقى الوطني حول “الأمن القانوني وأثره على التنمية الاقتصادية”، بإشراف الوزير الأول، سيفي غريب، وتحت الرعاية السامية لرئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون.
وقد شكّل هذا الموعد مناسبة لإعادة تسليط الضوء على مفهوم الأمن القانوني بوصفه أحد الشروط الضرورية لتحسين مناخ الأعمال وتوفير بيئة أكثر وضوحا واستقرارا للمتعاملين الاقتصاديين، باعتبار أن وضوح القواعد ومطابقتها للتطبيق العملي يظل عنصرا أساسيا في فهم العلاقة بين الإطار القانوني والحركية الاقتصادية في البلاد.
يمثل الأمن القانوني أحد الركائز التي تقوم عليها الثقة في أي منظومة اقتصادية، إذ يتيح للفاعلين في السوق العمل ضمن قواعد واضحة لا تتغير بتغير الجهات أو الظروف. وفي السياق الجزائري، عاد هذا المفهوم إلى الواجهة من خلال تنظيم الملتقى الوطني المنعقد، السبت، بالعاصمة، ليذكّر بأن الاستقرار الإداري والتشريعي أصبح مسارا يتصل مباشرة بقدرة الاقتصاد على جذب الاستثمار وتطوير المشاريع. فكلما كانت القواعد مفهومة ومعلنة ومنسجمة مع التطبيق، كلما تقلصت مساحة التردد لدى المتعاملين الاقتصاديين. ويرتبط مفهوم الأمن القانوني، في جوهره، بإزالة حالة الالتباس التي قد تنشأ عن تضارب الإجراءات أو تعدد القراءات المحتملة للنصوص، وهي إشكالات يمكن أن تُضعف ثقة المتعامل الاقتصادي وتحد من قدرته على التخطيط. ولذلك يكتسي الحديث عنه أهمية خاصة في الدول التي تشهد تحولا اقتصاديا أو مرحلة إعادة بناء أدواتها التنظيمية، حيث يصبح ضبط الإطار القانوني جزءا من بناء الاستقرار الاقتصادي نفسه. ولا يعني ذلك بالضرورة إصدار قوانين جديدة بقدر ما يعني ضمان انسجام القائم منها مع واقع الممارسات. ولا ينفصل الأمن القانوني عن مبدأ استمرارية القواعد، بما يضمن عدم تغيير المسار الإداري بطريقة مفاجئة أو غير مبررة، خصوصا في القطاعات ذات الحساسية الاستثمارية. فالمؤسسة الاقتصادية، سواء كانت صغيرة أو مرتبطة بمشاريع هيكلية كبرى، تحتاج إلى يقين يسمح لها بتقدير المخاطر قبل الإقدام على توسعة نشاطها أو الدخول في التزامات مالية. ومن دون هذا اليقين، تتحول القرارات اليومية داخل الإدارة إلى مصدر قلق بدل أن تكون أداة تنظيم. ولذلك، يتقدم الأمن القانوني هنا كآلية وقائية تمنع الأزمات قبل وقوعها. ويأتي تنظيم الملتقى كإشارة إلى أن الموضوع لم يعد محصورا في النقاش الأكاديمي أو المؤسساتي الضيق، بل أصبح جزءا من الخطاب العام حول التنمية. فالحديث عن الاستثمار والصناعة والطاقة والرقمنة يبقى ناقصا ما لم تتوفر بيئة تضمن استقرار القرارات ووضوح المسار الإجرائي. ومن هذا المنطلق، تبدو العودة إلى الأمن القانوني خطوة ضرورية لتأسيس مناخ أعمال أكثر قابلية للتوقع، وأكثر قدرة على مرافقة التحولات الاقتصادية التي يشهدها البلد اليوم دون أن يسبق الواقع القوانين أو يتأخر عنها.
الإطار التشريعي وتحدّي التطبيق
يطرح موضوع الأمن القانوني إشكالية مركزية تتعلق بالعلاقة بين النص القانوني من جهة، والجهات المكلّفة بتطبيقه من جهة أخرى.
فحتى أكثر النصوص دقّة وصياغة تحتاج إلى إدارة منسجمة في التنفيذ، وإلى مؤسسات تُطبّق القواعد ذاتها بذات المنطق في كل المستويات، دون اختلاف بين إدارة وأخرى أو ولاية وأخرى. ومن هنا يظهر أن النقاش لا يدور حول التشريع فقط، بل حول المسار الكامل الذي ينتقل فيه القانون من الورق إلى الواقع، وما يتطلبه ذلك من توحيد الإجراءات وتحييد الاجتهاد الفردي. ويُعدّ تباين التطبيق إحدى النقاط التي تجعل الفاعل الاقتصادي يتردد في اتخاذ القرار، ليس بسبب القانون ذاته، بل بسبب تعدد قراءاته المحتملة. فالمعاملات التجارية والمالية، والصفقات العمومية، والإجراءات المرتبطة بالاستثمار، جميعها يمكن أن تتأثر باختلاف التفسير الإداري أو بتغيّر الجهة المعالجة للملف. لذلك، يصبح توحيد الفهم والتنفيذ أحد مفاتيح ترسيخ الأمن القانوني، بحيث لا يتوقف وضوح المسار على قدرة المتعامل على قراءة النص، بل على ضمان أن الإدارات تقرأه بالطريقة نفسها. ولا يعني هذا التحدي بالضرورة وجود خلل تشريعي شامل، بقدر ما يشير إلى حاجة عملية لتعزيز أدوات المواكبة: دلائل تفسيرية، آليات تنسيق بين المؤسسات، قنوات استعلام واضحة، وتدرج إجرائي يقلّل من نقاط التماس التي قد تخلق تضاربا أو تأويلا غير متوقع. فالقانون الذي يفتقر إلى جسور تطبيقية متينة قد يتحول إلى مصدر ارتباك، حتى وإن كان سليما من الناحية التقنية. ومن هنا يظهر دور الإسناد المؤسساتي بوصفه مكملا لا غنى عنه للمنظومة التشريعية. وفي ظل هذا التصور، يمكن فهم تنظيم الملتقيات الوطنية ذات الصلة كمحاولة لإعادة بناء علاقة أكثر اتساقا بين النص والتطبيق، دون الادعاء بأنها حلول فورية أو نهائية. فهي، في الحد الأدنى، تعيد ترتيب النقاش في اتجاه يعتبر أن الاقتصاد الحديث يحتاج إلى إدارة قانونية يمكن توقع أدائها، بقدر حاجته إلى قوانين جديدة. فالتطوير هنا لا يُقاس بعدد المواد المضافة أو المعدّلة، بقدر ما يُقاس بقدرة المنظومة على جعل المستثمر يطمئن إلى أنه يتعامل مع طريق معروف، لا مع مسار مليء بالمفاجآت الإجرائية.
بين حماية القرار الاقتصادي وتقليص مساحات التأويل.. العدالة كعامل استقرار
ويرتبط الأمن القانوني بصورة وثيقة بدور المؤسسات القضائية والرقابية في خلق مناخ يحدّ من التأويلات الواسعة ومن تضارب القرارات. فوجود قواعد قانونية واضحة لا يكفي وحده إذا لم يرافقه جهاز قادر على ضمان احترامها وتنزيلها في الواقع العملي. هنا تتحول العدالة من مجرد جهاز للفصل في المنازعات إلى عنصر وقائي يمنع الوقوع فيها من الأساس، من خلال تكريس مبدأ الحياد وحماية الأطراف من التقديرات المتسرعة أو الاجتهادات التي قد تضرّ بمسار أي مشروع اقتصادي قيد الإنجاز. وفي هذا الإطار، يصبح النقاش حول المؤسسات القضائية ليس نقاشا قانونيا صرفا بل اقتصاديا أيضا، لأن المستثمر –محليا كان أو أجنبيا– ينظر إلى الجهاز القضائي باعتباره صمام أمان عند حدوث خلافات، وضمانة في حال تغيّر الظروف أو تباين التأويل الإداري. فالبيئة التي تتسم بوضوح مسار التقاضي، وسرعة الفصل، وتماسك الإجراءات، تعطي للمتعامل الاقتصادي انطباعا بأن المخاطر يمكن إدارتها، حتى إن لم تُلغَ بالكامل. وعليه، تغدو العدالة شريكا غير معلن في مناخ الاستثمار. ولا تتوقف هذه العلاقة عند فضّ النزاعات، بل تمتد إلى دور الأسس الرقابية والهيئات المكلفة بمتابعة المال العام، والتي تعمل –من حيث وظيفتها– على ترسيخ منطق الشفافية وحماية القرارات المالية من الانزلاق نحو ممارسات قد تعرقل المشاريع أو تبطئ تنفيذها. فوجود رقابة مؤسساتية لا يعني دائما التشدد، بقدر ما يوفّر معايير واضحة يعرف الجميع حدودها، ويمنع تضارب التعليمات بين الجهات، ويضع مسارا يمكن تتبعه دون أن يصبح المستثمر أمام مراكز قرار متعددة ومتباعدة في تفسيرها للملفات. ومن هذه الزاوية يمكن فهم تنظيم ملتقى، السبت، باعتباره خطوة لإعادة ترتيب علاقة ثلاثية الأبعاد: نص قانوني واضح، إدارة منسجمة في التطبيق، ومؤسسات قادرة على حماية القواعد دون تعطيل الديناميكية الاقتصادية. ورغم أن هذا المسار لا يُبنى في يوم واحد ولا يُختزل في لقاء واحد، إلا أنه يضع سؤالا مركزيًا في الواجهة: كيف يمكن توحيد الرؤية بين من يشرّع ومن يطبّق ومن يراقب؟ وبأي صيغة يمكن تحقيق حماية القرار الاقتصادي دون تحويل الضوابط إلى عوائق؟ تلك هي الأسئلة التي تستمر بعد انتهاء الحدث أكثر مما تُحسم خلاله.
ثقة المتعاملين الاقتصاديين.. بين وضوح الإجراءات وإمكانية توقّع المسار الإداري
تُعدّ الثقة عنصراً أساسياً في علاقة المستثمر بالإدارة، فهي لا تنبني على الحوافز وحدها، بل على وضوح المسار من اللحظة الأولى لفتح ملف مشروع إلى غاية دخوله حيز التنفيذ. وعندما يعرف المتعامل الاقتصادي مسبقاً الخطوات المطلوبة، والجهات المخولة بالمعالجة، والآجال التقريبية للردود، تقلّ نسبة التردد ويرتفع هامش الاطمئنان. فالإدارة التي يمكن التنبؤ بأدائها تصبح شريكا، بينما تتحول الإدارة غير المستقرة في إجراءاتها إلى عنصر مخاطرة قد يعيق توسيع النشاط أو الانطلاق فيه أساسًا. ولا يقتصر هذا البعد على المؤسسات الكبرى، بل يمتد إلى المؤسسات الناشئة والمقاولات الصغيرة التي تتأثر أكثر من غيرها بالمسارات المعقدة أو المتغيرة. فالمستثمر الصغير، الذي لا يمتلك هامشا واسعا للمناورة القانونية أو المالية، يحتاج إلى يقين إجرائي يسمح له بالتركيز على نشاطه الأساسي بدل استنزاف جهده في المتابعات الإدارية. ومن هنا يظهر الأمن القانوني كشرط مبكر لحياة أي مشروع، لا كمكسب يأتي لاحقا. فقبل رأس المال والشراكات والأسواق، تحتاج المؤسسة إلى بيئة تعرف كيف تدخلها وكيف تتطور داخلها. ويرتبط عنصر الثقة أيضا بإمكانية الاعتماد على المعلومة الرسمية كمصدر أول، مما يقلل الحاجة إلى “الحلول الفردية” أو الاستفسارات غير الرسمية التي قد تفتح الباب أمام تضارب التوجيهات أو تعدد التفسيرات. فحين تصبح البيانات القانونية والإدارية متاحة بطرق مبسطة، وتتقارب طرق الفهم بين المتعاملين والإدارة، يتراجع هامش التأويل ويتقدم مبدأ الشفافية. وعلى هذا الأساس تُقرأ اللقاءات والملتقيات ذات الصلة كإشارات إلى أن الموضوع لم يعد محصورًا في دائرة المختصين. وإذا كان ملتقى، السبت، قد أعاد التذكير بهذا البعد، فإن النقاش حول الثقة يظل مستمرا بعد الحدث أكثر مما كان خلاله. فالتحدي لا يكمن في الاعتراف بأهمية الأمن القانوني، بل في تحويله إلى ممارسة يومية يشعر بها المتعامل عند إيداع ملف، أو طلب ترخيص، أو الدخول في صفقة. وعند هذه النقطة، يصبح الحديث عن الاستثمار ليس مجرد أرقام ونوايا، بل علاقة متوازنة بين القانون والإدارة والاقتصاد، تتقاسم فيها الأطراف فهمًا موحدًا للمسار، وتدرك أن الثقة ليست شعورًا عامًا بقدر ما هي نتيجة مسار واضح يمكن تتبعه.
نحو رؤية أشمل لعلاقة القانون بالتنمية
كما يرتبط الحديث عن الأمن القانوني، في جانب منه، بإعادة تصور علاقة الدولة بالاقتصاد وفق رؤية تجعل التشريع والإدارة عنصرين متكاملين لا متوازيين. فالتنمية لا تُقاس فقط بحجم المشاريع أو قيمة الاستثمارات المعلنة، بل بقدرة المنظومة القانونية على مرافقة تلك الديناميكية دون أن تتعارض معها أو تتأخر عنها. ومن هذه الزاوية، يبدو طرح الموضوع في ملتقى وطني خطوة تُعيد ترتيب الأولويات، ليس بوصفها قرارا نهائيا، بل كإشارة إلى أن ضبط القواعد أصبح جزءا من النقاش حول النمو الاقتصادي وليس مجرد ملحق به. وتكمن أهمية هذا الاتجاه في كونه يلقي الضوء على ما بين السطور؛ فالدول التي نجحت في بناء اقتصاد جذاب لم تعتمد على الامتيازات وحدها، بل على استقرار تشريعي يقلل عنصر المفاجأة ويُطمئن الفاعلين. والجزائر، وهي تتحرك نحو مرحلة استثمارات أوسع في قطاعات مختلفة، تجد نفسها أمام ضرورة التفكير في منظومة متكاملة لا تنفصل فيها التنمية عن القانون، ولا يُختزل فيها الأمن القانوني في نصوص جديدة فقط، بل في توافق عملي بين ما يُكتب وما يُطبق. وهذا التوازن لا يتحقق بمرسوم واحد، بل بتدرج تراكمي. ولا يعني ذلك أن الطريق ممهّد بالكامل أو خال من الإكراهات الواقعية، فالنقاش حول الإجراءات، والرقابة، وتوحيد الفهم الإداري، يظل مطروحا بصفته نقاشا قائما ومستمرا. لكن مجرد وضع الموضوع على طاولة عمومية، في ملتقى يجمع فاعلين من قطاعات مختلفة، يحمل دلالة مفادها أن الأمن القانوني لم يعد مصطلحا متخصصا، بل بندا من بنود النقاش الاقتصادي العام. وهنا تتأسس نقطة الانطلاق: الاعتراف بوجود الحاجة قبل البحث عن أدوات الاستجابة لها. لا يمكن اعتبار الملتقى نقطة وصول، بقدر ما يمكن قراءته كنقطة بدء لمسار أطول يتطلب زمنا وخبرة وتراكما مؤسساتيا. فالعلاقة بين القانون والاقتصاد ليست علاقة تقريرية تُحسم في جلسة واحدة، بل علاقة بناء تدريجي تُراقب عبر الأثر لا عبر الشعارات. ومن هذا المنظور، يبدو أن حضور الأمن القانوني في واجهة النقاش لا يغيّر الممارسة فورا، لكنه يغيّر زاوية النظر إليها، ويفتح الباب أمام مرحلة يُقاس فيها النجاح بقدر انسجام المنظومة مع حاجات الفعل الاقتصادي، لا بقدر كثرة النصوص المتاحة فقط.









