في ملتقاه الثالث الذي حمل شعار "البرامج التعليمية.. الواقع وضرورة المراجعة"

الاتحاد الوطني لأولياء التلاميذ يدعو إلى إصلاح شامل للبرامج التعليمية مواكبة لمتطلبات العصر الرقمي

الاتحاد الوطني لأولياء التلاميذ يدعو إلى إصلاح شامل للبرامج التعليمية مواكبة لمتطلبات العصر الرقمي

نظم الاتحاد الوطني لأولياء التلاميذ، ملتقاه الوطني الثالث تحت شعار “البرامج التعليمية.. الواقع وضرورة المراجعة”، محولا قاعة النقاش إلى منبر وطني عالي الصوت لطرح الإشكاليات العميقة التي تعاني منها المنظومة التربوية الجزائرية.

لم يكن هذا الملتقى، مناسبة روتينية أخرى من تلك التي تمر مرور الكرام، بل جاء ليكون بمثابة جرس إنذار وصرخة مجتمع تعليمي بأكمله، مطالبا بإعادة نظر جذرية في البرامج التعليمية التي طالها الكثير من الانتقاد والشكوك حول نجاعتها في إعداد أجيال قادرة على مواكبة العصر. الملتقى لم يكن مغلقا على أهل القطاع من الإداريين فقط، بل حضرته أطراف متعددة ومتنوعة أكسبته طابعا وطنيا وتعدديا نادرا، حيث شارك فيه ممثلون رسميون عن وزارة التربية الوطنية، ونواب من البرلمان، وخبراء تربويون من الوسط الجامعي، ومفتشون وممثلون عن النقابات، إلى جانب حضور قوي لأولئك الذين يعيشون تفاصيل التعليم يوما بيوم: أولياء التلاميذ. وفي كلمته، حاول ممثل وزارة التربية الوطنية، قاسم جهلان، مدير التعليم بالوزارة، أن يضع الأمور في سياقها المؤسساتي، مشيرا إلى أهمية البرامج التعليمية باعتبارها حجر الزاوية في أي إصلاح بيداغوجي. إلا أن مداخلته سرعان ما أخذت منحى تحليليا عميقا، حيث اعترف ضمنيا بأن هذه البرامج، على أهميتها النظرية، تصطدم بعوائق واقعية تمس بقدرتها على تحقيق أهدافها. طرح جهلان إشكالية العلاقة الملتبسة بين المنهج والبرنامج والكتاب المدرسي، معتبرا أن نجاح أي برنامج مرتبط أساسا بالعنصر البشري، وتحديدا بالأستاذ القادر على فهم واستيعاب روح المنهاج وتطبيقه بصورة فعالة. أشار أيضا إلى كثافة المحتوى التعليمي التي تثقل كاهل التلاميذ دون جدوى حقيقية، داعيا إلى قراءة علمية ومعمقة لهذه الكثافة بدل الوقوع في فخ المقارنات السطحية أو ردود الأفعال الشعبوية. الجانب البرلماني لم يكن أقل وضوحا في مواقفه، حيث عبر رئيس لجنة التربية والتعليم العالي والبحث العلمي والشؤون الدينية بالمجلس الشعبي الوطني، النائب عفيف بليلة، عن قناعة البرلمان بضرورة مراجعة شاملة للبرامج التعليمية. وأثنى على حسن اختيار عنوان الملتقى، واعتبر أن اللحظة تستوجب شجاعة فكرية ومؤسساتية لفصل المفاهيم التربوية عن بعضها، وتحديد الأولويات بما يخدم مصلحة التلميذ، الذي يجب أن يظل جوهر العملية التربوية وليس مجرد متلق سلبي لمعارف عشوائية. وشدد على أن ترجمة التوصيات النظرية إلى سياسات فعلية هو الرهان الحقيقي، داعيا إلى ألا تظل مخرجات مثل هذه الملتقيات حبيسة الأدراج أو ذريعة للتهدئة المؤقتة دون أثر على أرض الواقع. من جهته، تحدث عبد الحميد سعدي، رئيس الاتحاد الوطني لأولياء التلاميذ، بلسان فئة تعاني في صمت منذ سنوات، وهي فئة الأولياء الذين يعيشون القلق اليومي على مستقبل أبنائهم في ظل منظومة تعليمية فقدت بوصلة التحديث والتأقلم. سعدي، اعتبر أن الهدف الأساسي من هذا الملتقى، هو دفع السلطات إلى سماع صوت الأسر الجزائرية التي تعاني من نتائج برامج لا تنسجم مع متطلبات التنمية ولا تحاكي الواقع. دعا إلى شراكة حقيقية بين جميع مكونات المنظومة، مؤكدا أن تطوير المناهج لا ينبغي أن يتم بمعزل عن البيئة الاجتماعية والثقافية للمتعلم، ولا بعيدا عن مقتضيات العصر الرقمي ومتغيراته السريعة. في مداخلة تحليلية عميقة، قدم النائب عمر معمر، رؤية إصلاحية شاملة ركز من خلالها على الطابع المعقد للمشهد التربوي الجزائري. واعتبر المتحدث, أن عملية المراجعة تأخرت كثيرا بسبب عوامل سياسية من بينها تعطيل المجلس الأعلى للتربية، وأكد على ضرورة تجاوز الخلافات الشكلية نحو بناء مناهج قادرة على تحقيق طفرة نوعية. كما اعتبر، أن الرقمنة يجب ألا تكون مجرد شعار أو تقليد، بل مشروعا استراتيجيا مدروسا يراعي خصوصيات الواقع الجزائري، كما شدد على ضرورة تحويل التوصيات إلى ورشة وطنية شاملة يقودها خبراء المنهج وبمشاركة الميدان التربوي بكل أطيافه. ولم يخل اللقاء، من مساهمات علمية رصينة، حيث قدّم الأستاذ محمد مباركية عرضا حول الدور المحوري الذي يلعبه الاتحاد الوطني لأولياء التلاميذ في التنسيق بين مختلف الفاعلين، مؤكدًا أن الاتحاد لم يعد مجرد هيكل تمثيلي، بل شريك فعلي في صياغة السياسات التربوية. فيما أبرز الدكتور غربي عبد الناصر من جامعة الوادي، الدور الذي يمكن أن تلعبه الجامعة، من خلال مخابر علم النفس المعرفي، في دعم بناء مناهج ترتكز على فهم علمي لكيفية اكتساب المعرفة لدى المتعلم. كما عرض الأستاذ بوبكر منصور، أحد المهندسين البيداغوجيين لهذا اللقاء، الإشكاليات المحورية التي ركز عليها الملتقى، وفي مقدمتها مسألة كثافة البرامج، وأهمية الانتقال من التنظير إلى التفعيل، ومن التشخيص إلى المبادرة العملية. ورغم الطابع التحليلي الغالب على اللقاء، إلا أن نبرته العاطفية كانت واضحة، حيث عبر العديد من المتدخلين عن قلقهم حيال مصير المدرسة الجزائرية، محذرين من خطر الاستمرار في تقديم محتوى جامد ومنقطع عن الواقع، لا يخدم لا الاقتصاد الوطني ولا يحقق ارتقاء فكريا للمتعلم. الرهانات كثيرة، والتوصيات المنتظرة من هذا الملتقى تعقد عليها آمال كبيرة. فهل تجد هذه الدعوات آذانا صاغية لدى صناع القرار؟ وهل يمكن أن نشهد ولادة مقاربة جديدة تنقذ المدرسة الجزائرية من دوامة التناقضات والإصلاحات الجزئية؟

محمد بوسلامة

Peut être une image de 5 personnes, estrade et textePeut être une image de 1 personne et texteAucune description de photo disponible.Peut être une image de 1 personne et textePeut être une image de 3 personnes, estrade, salle de presse et textePeut être une image de 6 personnes et textePeut être une image de 7 personnes, personnes qui étudient, télévision, salle de presse et texte qui dit ’K DIAT’Peut être une image de 7 personnes et textePeut être une image de 3 personnes et foulePeut être une image de 6 personnes et texte