أنوار من جامع الجزائر

الامام ابن باديس ومنهجه في الاصلاح – الجزء الأول –

الامام ابن باديس ومنهجه في الاصلاح – الجزء الأول –

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، إِنَّ الْمُتَأَمِّلَ فِي حَرَكَةِ التَّارِيخِ لَيُدْرِكُ أَنَّ الْأُمَمَ لَا تُبْنَى بِالْأَمَانِيِّ وَلَا بِالأَحْلَامِ، بَلْ تُبْنَى بِالْعِلْمِ وَالْيَقِينِ وَالْعَمَلِ الْمَتِينِ. وَلَوْ عُدْنَا إِلَى يَنْبُوعِ النُّورِ الصّافي، إِلَى سِيرَةِ نَبِّينَا الْمُصْطَفَى ‘ فِي مَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ، لَوَجَدْنَا عَجَباً! لَقَدْ بُعِثَ النَّبِيُّ فِي بِيئَةٍ كَانَتْ تَعُجُّ بِالْأَصْنَامِ، فَقَدْ كَانَ حَوْلَ الْكَعْبَةِ الْمُشَرَّفَةِ وَدَاخِلَهَا ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ صَنَماً، فَمَاذَا كَانَ أَوَّلُ أَمْرٍ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى مَرْمَى حَجَرٍ مِنَ هَذَا البَيْتِ العَتِيقِ؟ هَلْ أَتَى الأَمْرُ بِهَدْمِهَا وَتَحْطِيمِهَا؟ كَلَّا وَاللَّهِ! بَلْ كَانَ أَوَّلُ صَوْتٍ شَقَّ سُكُونَ غَارِ حِرَاءَ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾. لَقَدْ كَانَ الْعِلْمُ وَتَزْكِيَةُ النُّفُوسِ هُوَ الْمِعْوَلَ الَّذِي هَدَمَ أَصْنَامَ الْجَهْلِ فِي الْأَرْوَاحِ قَبْلَ السَّاحَاتِ، وَبِذَلِكَ النُّورِ الرَّبَّانِيِّ؛ أَخْرَجَ النَّبِيُّ ﷺ أُمَّتَهُ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ، بَلْ بَلَغَ بِهِ الِاهْتِمَامُ بِالتَّعْلِيمِ مَبْلَغاً عَظِيماً، حَتَّى إِنَّهُ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ جَعَلَ فِدَاءَ أَسْرَى الْمُشْرِكِينَ -مِمَّنْ لَا يَمْلِكُونَ مَالاً -أَنْ يُعَلِّمَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَشَرَةً مِنْ صِبْيَانِ الْمُسْلِمِينَ الْقِرَاءَةَ وَالْكِتَابَةَ. فَأَيُّ رِسَالَةٍ أَبْلَغُ مِنْ أَنْ يَكُونَ نَشْرُ الْعِلْمِ مُعَادِلًا لِحُرِّيَّةِ الإِنْسَانِ!. وَعَلَى هَذِهِ الْمِشْكَاةِ النَّبَوِيَّةِ، وَمِنْ هَذَا الْمَعِينِ الصَّافِي، شَرِبَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ. فَلَمَّا خَيَّمَ لَيْلُ الِاسْتِدْمَارِ الْفَرِنْسِيِّ عَلَى بِلَادِنَا الْجَزَائِرِ، وَسَعَى لِطَمْسِ هُوِيَّتِهَا الرُّوحِيَّةِ، وَنَشْرِ الْأُمِّيَّةِ وَالْغَفْلَةِ، قَيَّضَ اللهُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ وَارِثاً مُحَمَّدِيّاً مِنْ طِينَةِ الْعَارِفِينَ، ذَلِكُمْ هُوَ الْعَلَّامَةُ الْإِمَامُ الْمُصْلِحُ “عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَادِيسَ”، قَدَّسَ اللهُ رُوحَهُ وَنَوَّرَ ضَرِيحَهُ. أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ، لَقَدْ أَدْرَكَ ابْنُ بَادِيسَ بِبَصِيرَتِهِ أَنَّ الِاسْتِعْمَارَ لَنْ يَقِفَ عِندَ احْتِلالِ الْأَرْضِ فَقَطْ، بَلْ رَامَ احْتِلَالَ الْعُقُولِ، فَأَيْقَنَ رحمه الله أَنَّ “اقْرَأْ” هِيَ السَّبِيلُ الأمْثَلُ لِلِانْعِتَاقِ، تَمَاماً كَمَا بَدَأَ قُدوتُهُ نبيُّنَا محمَّدٌ –ص- لَمْ يَبْدَأِ الْإِمَامُ بِمُصَادَمَةٍ ارْتِجَالِيَّةٍ غيرِ محْسُوبةِ العَواقِبِ، بَلْ بَدَأَ بِمِحْرَابِ الْعِلْمِ، جَلَسَ يُعَلِّمُ وَيُفَقِّهُ وَيُرَبِّي. كَانَ الشَّيْخُ يَقْضِي فِي مَجَالِسِ التَّعْلِيمِ مَا يُقَارِبُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَاعَةً فِي الْيَوْمِ، لَا يَنْقَطِعُ عَنْهَا إِلَّا لِعُذْرٍ قَاهِرٍ لَا يَمْلِكُ دَفْعَهُ. طَافَ الْبِلَادَ، وَجَابَ الهِضَابَ والِوهَادَ، حَتَّى بَثَّ عِلْمَهُ فِي كُلِّ رُبُوعِ الْوَطَنِ، فَلَا تَكَادُ تَجِدُ حَاضِرَةً أَوْ بادِيةً مِنْ مَنَاطِقِ الْجَزَائِرِ الشَّاسِعَةِ إِلَّا وَفِيهَا تِلْمِيذٌ لَهُ، أَوْ نَادٍ أَسَّسَهُ، أَوْ مَدْرَسَةً لِجَمْعِيَّةِ الْعُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ تَبُثُّ نُورَ اللَّهِ الهَادِي، يَقُولُ رَفِيقُ دَرْبِهِ، العَلاَّمة الشَّيْخُ مُحَمَّد الْبَشِيرُ الْإِبْرَاهِيمِيُّ، وَاصِفاً هَذَا الْجُهْدَ الْعَظِيمَ: “لَقَدْ كَانَ ابْنُ بَادِيسَ يَبْنِي عُقُولاً، وَيُنْشِئُ جِيلاً، وَيَغْرِسُ فِي النُّفُوسِ حُبَّ الدِّينِ وَالْوَطَنِ”. نَعَمْ، لَقَدْ كَانَ يَبْنِي حُصُوناً فِي الصُّدُورِ قَبْلَ أَنْ تُبْنَى عَلَى الْأَرْضِ، فَقَالَ كَلِمَتَهُ الَّتِي خَلَّدَهَا التَّارِيخُ، وَزَلْزَلَتْ أَرْكَانَ الِاسْتِعْمَارِ: “إِنَّ الْأُمَّةَ الْجَزَائِرِيَّةَ لَيْسَتْ هِيَ فَرَنْسَا، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ فَرَنْسَا، وَلَا تُرِيدُ أَنْ تَصِيرَ فَرَنْسَا، بَلْ هِيَ أُمَّةٌ لَهَا كِيَانُهَا وَتَارِيخُهَا وَدِينُهَا وَلُغَتُهَا”.

 

الجزء الأول من خطبة الجمعة من جامع الجزائر