موروث اجتماعي يسبق شهر الصيام

التشعبين.. تراث جزائري يعزز صلة الرحم

التشعبين.. تراث جزائري يعزز صلة الرحم
  • عادة شعبانية تحفظ لمّة العائلة بولاية سطيف

مع اقتراب شهر رمضان، تستعيد العائلات السطايفية عادة من أجمل وأعرق العادات الشعبية المتجذرة في المجتمع والمرتبطة بشهر شعبان، وهي عادة “التشعبين”، التي تمثل محطة مهمة قبل دخول شهر رمضان المبارك، لما تحمله من قيم دينية واجتماعية عميقة.

تحرص العائلات السطايفية على “التشعبين” وهو عادة تُحييها العائلات كل سنة، وقد ارتبط اسم هذه العادة بشهر شعبان كنوع من التميز الذي يحظى به هذا الشهر وفيه يتم تبادل الزيارات العائلية وطبخ المأكولات التقليدية من بدايته حتى آخر يوم منه.

يحتل شهر شعبان مكانة مميزة لدى الأسر الجزائرية، حيث يعتبر مقدمة لشهر رمضان، ولكل منطقة من مناطق الوطن خصوصية تميزها في هذا الشهر عن باقي المناطق.

ففي ولاية سطيف يحظى شهر شعبان بخصوصية كبيرة، إذ يكون فرصة لتلاقي الأهل والأقارب وتبادل الزيارات، كما يعد فرصة لطهي المأكولات التقليدية خاصة الثقيلة منها والتي تغيب عن شهر رمضان بأكمله.

 

دعوة البنات المتزوجات.. ميزة شهر شعبان

تُعرف ولاية سطيف بحفاظ أهلها الشديد وتمسكهم بالعادات والتقاليد، وتكاد تجمع كل الأسر السطايفية على اتباع نهج واحد في شهر شعبان وإحياء عادات ”التشعبين” التي تمتد منذ اليوم الأول لشعبان وتنتهي عند آخر يوم منه، وتكثر هذه العادة في الأيام الأخيرة من شهر شعبان. ومازالت هذه العادة قائمة منذ القدم ولم تتخل الأسر السطايفية ولو عن جزء بسيط من تفاصيلها، فدعوة البنات المتزوجات وجمعهن في يوم واحد في بيت الوالد رفقة عماتهن ما زالت قائمة لحد الآن.

وتعتبر العائلات السطايفية شهر شعبان فرصة لإعادة لمّ شمل العائلة التي نادرا ما تجتمع بهذا الشكل الكبير خلال أيام السنة عدا العيدين والأعراس.. وحول هذا الموضوع تقول السيدة مسعودة من منطقة بني عزيز بولاية سطيف إن التشعبين هو عادة قديمة لدى الأسر السطايفية ما زالت لحد الآن جزءا من التقاليد التي مازالت قائمة، حيث تحرص كل أسرة في المنطقة على دعوة بناتها في يوم واحد أو يومين وجمعهن في بيت الوالد. وتقدم الأسرة على طبخ بعض المأكولات التقليدية التي تشتهر بها المنطقة على غرار الشخشوخة والبغرير والرفيس وغيرها من الأطعمة التقليدية الأخرى التي لا تخلو منها البيوت السطايفية طوال شهر شعبان. وتضيف السيدة مسعودة أن شهر شعبان له ميزة خاصة، حيث يعتبر بوابة ومقدمة لأفضل الشهور في السنة وفيه يتم التحضير لاستقبال رمضان، وبما أن جميع الأسر تكون منشغلة خلال هذا الشهر، فتبادل الزيارات فيه يكون قليلا جدا ويقتصر على السهرات فقط، ولا تتم خلال هذا الشهر دعوة البنات المتزوجات للإفطار في بيت الوالد إلا نادرا، فعاداتنا تفرض أن تبقى البنات المتزوجات في بيوت أزواجهن خلال شهر رمضان الكريم، لذلك يفضل دعوتهن في شهر شعبان في يوم واحد للالتقاء فيما بينهن وطبخ ما يشتهينه من أكلات تقليدية، وتكون في أغلب الأحيان “الشخشوخة” أو

“البربوشة” التي لا يمكن الاستغناء عنها في التشعبين، وتقوم الأسر بدعوة أخوات الزوج أيضا أو العمات في هذه المآدب التقليدية.

 

الشخشوخة و “الطعام” سيدا أطباق شعبان

لا يمكن أن تقام عادة التشعبين لدى الأسر السطايفة دون أن تكون العجائن حاضرة، فقد ارتبطت هذه العادة لفترة طويلة بطبخ وتحضير المأكولات التقليدية، كما يكون اجتماع الفتيات المتزوجات لدى عائلاتهن فرصة لتحضير بعض المستلزمات الرمضانية مثل شوربة فريك المرمز، وهو عبارة عن قمح يتم طحنه داخل البيت وغربلته ويطبخ عادة في شهر رمضان على شكل شوربة. كما تتعاون الفتيات على تحضير الكسكسي لسحور شهر رمضان ويتم في البداية تحضيره للوالدين وبعدها تتعاون الفتيات على تحضير كمية أخرى وتقسيمها فيما بينهن. ويعتبر تواجدهن دفعة واحدة في بيت الوالد فرصة للتعاون على طبخ طبق الشخشوخة المميز الذي تجتمع حوله الأسرة الكبيرة، كما يتم دعوة بعض الأقارب والأصدقاء والجيران لتناوله لأن رائحته تتجاوز حدود البيت. بالإضافة إلى ذلك تحرص الأسرة على أن يكون طعام تلك الأيام تقليديا مائة بالمائة وحتى القهوة لا يتم شربها إلا بالخفاف أو طبق المسمن والرفيس الذي يمزج فيه السميد المحمص بالتمر والزبدة، ولا تستبدله العائلات السطايفية بأشهى الحلويات المعاصرة، فهو طبق يكاد يحضر يوميا في شهر شعبان، تقول السيدة خديجة في هذا المجال إن العائلات ورثت الاحتفال بالأيام الدينية جيلا عن جيل واعتبرت عدم احيائها خطأ لا يغتفر، كما أن العائلات تحرص على عدم التفرقة وإبراز مظاهر التراحم في هذه الأشهر خاصة شعبان ورمضان والعيدين.

ل. ب