مدارس مدمرة وجيل كامل خارج الفصول

التعليم في غزة.. ضحية القصف والحصار

التعليم في غزة.. ضحية القصف والحصار
  • تقرير حكومي يكشف دمار المؤسسات التعليمية وحرمان مئات الآلاف من الطلبة من الدراسة

  • القصف والحصار يعطلان الدراسة في القطاع ويضعان مستقبل جيل كامل على المحك

  • خسائر بشرية في صفوف الطلبة والمعلمين وأزمة تعليمية غير مسبوقة في غزة

مع مرور عامين على اندلاع الحرب في قطاع غزة، تكشف الأرقام المتزايدة عن حجم الضربة التي تلقاها القطاع التعليمي، في واحدة من أخطر الأزمات التي مست حق الإنسان في التعلم.

فوفق تقرير حديث للمكتب الإعلامي الحكومي في غزة، تلقت “الموعد اليومي” نسخة منه، تعرضت غالبية المدارس والجامعات لأضرار جسيمة، فيما حُرم مئات الآلاف من الطلبة من مقاعد الدراسة، في مشهد يعكس كيف تحول التعليم نفسه إلى أحد أبرز ضحايا الحرب.

وفي امتداد للصورة العامة التي تعكس حجم التأثير الذي طال القطاع التعليمي في غزة، تكشف المعطيات الواردة في تقرير المكتب الإعلامي الحكومي عن مستوى غير مسبوق من الدمار الذي أصاب المؤسسات التعليمية. فخلال عامين من الحرب، لحقت أضرار مادية بنحو 95 بالمائة من مدارس قطاع غزة نتيجة القصف والعمليات العسكرية، ما جعل معظم المنشآت التعليمية خارج الخدمة أو تعمل في ظروف بالغة الصعوبة. وتشير الأرقام ذاتها، إلى أن أكثر من 90 بالمائة من المباني المدرسية في القطاع أصبحت بحاجة إلى إعادة بناء كاملة أو تأهيل رئيسي، في ظل حجم الدمار الذي طال البنية التحتية التعليمية. ويعكس هذا الرقم حجم الفجوة التي ستواجه أي محاولة لاستئناف العملية التعليمية مستقبلا، إذ لم تعد المشكلة مرتبطة بتوقف الدراسة فحسب، بل بتضرر المؤسسات التي يفترض أن تستقبل الطلبة أساسا. وفي السياق ذاته، يوضح التقرير أن 668 مبنى مدرسيا تعرض لقصف مباشر، وهو ما يمثل ما يقارب 80 بالمائة من إجمالي مدارس قطاع غزة، في مؤشر على أن المنشآت التعليمية لم تعد بمنأى عن العمليات العسكرية. كما أدى القصف إلى تدمير 165 مدرسة وجامعة ومؤسسة تعليمية بشكل كلي، في حين تعرضت 392 مؤسسة تعليمية أخرى لتدمير جزئي بدرجات متفاوتة. وتكشف هذه الأرقام مجتمعة عن واقع تعليمي شديد التعقيد، حيث لم يعد الضرر مقتصرا على تعطيل الدراسة مؤقتا، بل طال البنية الأساسية التي يقوم عليها النظام التعليمي في القطاع. ومع خروج مئات المدارس والجامعات من الخدمة، يجد مئات آلاف الطلبة أنفسهم أمام واقع تعليمي شبه مشلول، ما يطرح تحديات كبيرة أمام أي مسار مستقبلي لإعادة بناء العملية التعليمية في غزة.

 

جيل كامل خارج الفصول.. مئات الآلاف حُرموا من الدراسة

وإذا كانت الأرقام المتعلقة بتدمير المدارس والجامعات تعكس حجم الضربة التي تلقاها القطاع التعليمي في غزة، فإن انعكاس ذلك على الطلبة يكشف بعدا أكثر خطورة للأزمة. فتعطل المؤسسات التعليمية وخروج عدد كبير منها عن الخدمة أدى عمليا إلى توقف الدراسة لفترات طويلة، ما جعل مئات الآلاف من الطلبة يجدون أنفسهم خارج الفصول الدراسية دون أفق واضح لاستئناف التعليم.

وفي هذا السياق، يوضح تقرير المكتب الإعلامي الحكومي أن أكثر من 785 ألف طالب في قطاع غزة حُرموا من التعليم خلال الحرب، نتيجة القصف المستمر وتعطل المؤسسات التعليمية ونزوح السكان في مختلف مناطق القطاع. ويعكس هذا الرقم حجم التأثير الذي طال العملية التعليمية، حيث لم يعد الأمر يتعلق بتعطيل مؤقت للدراسة، بل بحرمان جيل كامل من حقه في التعلم.

كما أدى هذا الواقع إلى انقطاع متواصل عن الدراسة لآلاف الطلبة في مختلف المراحل التعليمية، من التعليم الأساسي إلى الجامعي، في وقت كانت فيه المؤسسات التعليمية تمثل إحدى أهم ركائز الحياة اليومية في القطاع. ومع تدمير عدد كبير من المدارس وتضرر البقية، أصبح من الصعب توفير فضاءات تعليمية قادرة على استيعاب الأعداد الكبيرة من الطلبة. ويحذر متابعون للشأن التعليمي من أن استمرار هذا الوضع لفترة طويلة قد يترك آثارا عميقة على مستقبل جيل كامل، ليس فقط من حيث التحصيل العلمي، بل أيضا من حيث فرص الالتحاق بالتعليم العالي وسوق العمل مستقبلا. فغياب الدراسة لفترات طويلة يعني فجوة تعليمية واسعة، يصعب تعويضها بسهولة حتى بعد توقف الحرب وإعادة فتح المؤسسات التعليمية.

 

الطلبة في مرمى الحرب.. آلاف التلاميذ بين الضحايا

وإذا كان حرمان مئات الآلاف من الطلبة من الدراسة يمثل أحد أخطر تداعيات الحرب على قطاع التعليم في غزة، فإن الخسائر البشرية في صفوف التلاميذ تكشف بعدا أكثر مأساوية للأزمة. فالحرب لم تقتصر آثارها على تعطيل العملية التعليمية أو تدمير المدارس والجامعات، بل طالت حياة آلاف الطلبة الذين كانوا يشكلون العمود الفقري لمستقبل المجتمع. وفي هذا السياق، يوضح تقرير المكتب الإعلامي الحكومي أن عدد الطلبة الذين قُتلوا خلال الحرب تجاوز 13 ألفا و500 طالب، في رقم يعكس حجم الكارثة التي لحقت بالجيل الشاب في قطاع غزة. ويشير هذا الرقم إلى أن الحرب لم تستهدف البنية التحتية التعليمية فقط، بل امتدت آثارها إلى الطلبة أنفسهم، الذين وجد كثير منهم أنفسهم في قلب الأحداث العسكرية. وتبرز هذه المعطيات، أن الخسائر التعليمية لا تقاس فقط بعدد المدارس المدمرة أو السنوات الدراسية الضائعة، بل أيضا بالعدد الكبير من الطلبة الذين فقدوا حياتهم خلال الحرب. فكل طالب من هؤلاء كان يمثل قصة تعليمية ومشروعا مستقبليا، ما يجعل هذه الخسارة تمتد آثارها إلى المجتمع بأكمله، وليس إلى المؤسسات التعليمية وحدها. ومع استمرار الحرب وتعطل الدراسة لفترات طويلة، تتعاظم المخاوف من أن يواجه قطاع غزة فراغا تعليميا وإنسانيا في السنوات المقبلة، نتيجة فقدان عدد كبير من الطلبة الذين كانوا يفترض أن يشكلوا الجيل القادم من المتعلمين والمهنيين. وهو واقع يعمق الأزمة التعليمية في القطاع، ويجعل إعادة بناء النظام التعليمي مستقبلا مهمة أكثر تعقيدا.

 

الكادر التربوي تحت النار.. خسارة المعلمين والأكاديميين

وإذا كانت الخسائر في صفوف الطلبة تكشف حجم المأساة التي طالت الجيل الصاعد في قطاع غزة، فإن الحرب لم تستثني كذلك الكادر التربوي والأكاديمي الذي يشكل العمود الفقري للعملية التعليمية. فالمعلمون والأساتذة الجامعيون، الذين يفترض أن يقودوا مسار التعليم ويضمنوا استمراريته، كانوا بدورهم ضمن الضحايا المباشرين للحرب. وفي هذا السياق، تشير المعطيات التي نشرها المكتب الإعلامي الحكومي إلى أن أكثر من 830 معلما وكادرا تربويا قتلوا خلال الحرب، في خسارة كبيرة للمنظومة التعليمية في القطاع. ويعكس هذا الرقم حجم الضربة التي تعرض لها الجسم التربوي، إذ إن فقدان هذا العدد من المعلمين يعني فقدان سنوات طويلة من الخبرة التربوية والتجربة التعليمية التي يصعب تعويضها في وقت قصير. كما طالت الخسائر كذلك، قطاع التعليم العالي والبحث العلمي، حيث يوضح التقرير أن أكثر من 193 عالما وأكاديميا وباحثا قتلوا خلال الحرب. وتمثل هذه الخسارة ضربة موجعة للمؤسسات الجامعية في غزة، التي تعتمد على هذه الكفاءات في التدريس والبحث العلمي وتكوين الأجيال الجديدة من الطلبة. وتبرز هذه الأرقام أن الأزمة التعليمية في القطاع لا ترتبط فقط بتدمير المدارس أو توقف الدراسة، وإنما تمتد إلى فقدان الموارد البشرية التي تقوم عليها العملية التعليمية برمتها. فإعادة بناء المدارس والجامعات قد تكون ممكنة مع مرور الوقت، لكن تعويض خسارة هذا العدد من المعلمين والأكاديميين يظل تحديا أكبر، بالنظر إلى الدور المركزي الذي يلعبونه في استعادة الحياة التعليمية في القطاع.

 

حصار مزدوج.. الحرب تعطل الدراسة والسفر يغلق أبواب المستقبل

وإلى جانب الدمار الواسع الذي طال المدارس والجامعات والخسائر البشرية في صفوف الطلبة والكادر التربوي، يواجه قطاع التعليم في غزة تحديا آخر لا يقل خطورة، يتمثل في القيود المفروضة على حركة الطلبة وإمكانية سفرهم لمواصلة دراستهم خارج القطاع. فالحرب لم تكتف بتعطيل الدراسة داخل غزة، وأغلقت في الوقت ذاته العديد من المسارات التي كانت تتيح للطلبة استكمال تعليمهم في الخارج. ففي الظروف العادية، كان عدد من الطلبة يعتمدون على المنح الدراسية والبعثات الجامعية خارج القطاع، سواء في الجامعات العربية أو الدولية، كأحد الخيارات المتاحة لمواصلة التحصيل العلمي. غير أن القيود المفروضة على المعابر وصعوبة التنقل خلال الحرب جعلت السفر لغرض الدراسة أمرا بالغ التعقيد، ما أدى إلى تعطيل فرص تعليمية كان من الممكن أن تفتح آفاقا جديدة أمام الطلبة. كما أدى هذا الواقع إلى تجميد العديد من المسارات الأكاديمية المرتبطة بالدراسات العليا والبحث العلمي، حيث وجد طلبة الدراسات العليا أنفسهم غير قادرين على الالتحاق بجامعات خارجية أو المشاركة في برامج أكاديمية دولية. ومع استمرار القيود على الحركة، تتسع الفجوة التعليمية بين طلبة غزة ونظرائهم في مناطق أخرى من العالم. ويعكس هذا الوضع ما يمكن وصفه بـ”الحصار المزدوج” الذي يطوق التعليم في القطاع، حيث تتقاطع آثار الحرب الميدانية مع القيود المفروضة على الحركة والتنقل. فحتى في الحالات التي تتوفر فيها فرص تعليمية خارج القطاع، يبقى الوصول إليها محدودا بفعل الظروف الأمنية وإغلاق المعابر، ما يجعل آفاق التعليم أمام كثير من الطلبة أكثر ضيقا من أي وقت مضى.

 

التعليم في غزة.. عندما يتحول الحق الأساسي إلى ضحية حرب

وإذا كانت الأرقام التي تكشف حجم الدمار الذي لحق بالمدارس والجامعات تعطي صورة واضحة عن الخسائر المادية والبشرية التي أصابت القطاع التعليمي، فإن المسألة تتجاوز ذلك إلى سؤال أعمق يتعلق بمصير أحد أبرز الحقوق الأساسية للإنسان، وهو الحق في التعليم. ففي الظروف العادية، يمثل التعليم أحد أهم الركائز التي تقوم عليها المجتمعات، باعتباره الطريق الأساسي لبناء الإنسان وتطوير المجتمعات، غير أن الحرب في غزة وضعت هذا الحق في قلب دائرة الخطر. فحين تتحول المدارس إلى أهداف للقصف، وتتوقف الدراسة لفترات طويلة، يجد الطلبة أنفسهم أمام واقع غير مألوف، حيث تختفي الفصول الدراسية لتحل محلها مشاهد الدمار والنزوح. ومع تضرر عدد كبير من المؤسسات التعليمية، يصبح الوصول إلى التعليم أمرا بالغ الصعوبة، ما يجعل سنوات دراسية كاملة عرضة للضياع بالنسبة لآلاف الطلبة في مختلف المراحل التعليمية. ولا يقتصر أثر هذا الواقع على الحاضر فقط، بل يمتد إلى المستقبل كذلك، إذ إن ضياع سنوات من التعليم يترك آثارا طويلة المدى على فرص التعلم والعمل لدى الأجيال الشابة. فالتعليم هو الأساس الذي تقوم عليه فرص التنمية الفردية والاجتماعية، وأي خلل كبير في هذا المسار ينعكس مباشرة على قدرة المجتمع على النهوض وإعادة البناء. ومن هذا المنطلق، يرى متابعون أن التحدي الأكبر الذي سيواجه قطاع غزة في مرحلة ما بعد الحرب لن يقتصر على إعادة بناء المدارس والجامعات، بل سيتعلق أيضا بإعادة ترميم المسار التعليمي لجيل كامل عاش سنواته الدراسية في ظروف استثنائية. فاستعادة التعليم في مثل هذا السياق تعني إعادة الأمل لجيل كامل حُرم من أحد أبسط حقوقه الإنسانية. المعطيات التي أوردها تقرير المكتب الإعلامي الحكومي في غزة تكشف أن الأزمة التعليمية في القطاع تحولت إلى واحدة من أخطر التداعيات الإنسانية للحرب. فبين مدارس وجامعات دُمّرت، وطلبة حُرموا من مقاعد الدراسة، وكوادر تعليمية فقدها القطاع، يواجه التعليم في غزة تحديا غير مسبوق يهدد مستقبل جيل كامل. وفي ظل هذا الواقع، يبقى استعادة الحق في التعليم أحد أبرز التحديات التي ستواجه المجتمع في مرحلة ما بعد الحرب، باعتباره حجر الأساس لأي مسار لإعادة البناء واستعادة الحياة الطبيعية.

مصطفى. ع