حين تتحول الشاشات إلى ساحات إساءة

التنمر الإلكتروني.. امتداد للعنف في الفضاء الرقمي

التنمر الإلكتروني.. امتداد للعنف في الفضاء الرقمي

لم يعد العنف سلوكا يقتصر على الفضاءات الواقعية، بل وجد له مجالا جديدا في العالم الافتراضي، ومع الانتشار الواسع لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي في الجزائر، برزت ظاهرة التنمر الالكتروني كأحد أبرز التحديات الاجتماعية التي تمس فئة الشباب والمراهقين على وجه الخصوص.

وممّا لا شك فيه، أن الأطفال والشباب في هذا العصر يمتلكون قدرات عالية في التعامل مع تكنولوجيا المعلومات وتطبيقات شبكة الإنترنت وأدواتها المختلفة مكنتهم من تكييف التكنولوجيا الجديدة مع استخداماتهم ونشاطاتهم اليومية، ومع ذلك فإن ذكائهم التكنولوجي وقدراتهم ومهاراتهم المرتبطة بأن يكونوا على الخط بدون الكثير من رقابة الآباء يمكن أن تؤدي إلى مخاطر مرتفعة، ومن هذه المخاطر؛ التعرض للمخدرات الرقمية، والعنف والتنمر الإلكتروني…

 

واحد من أشكال العنف..

بحسب المختصين في مجال الإعلام بالوسائل الجديدة، فإن التنمر الإلكتروني يعد شكلا من العدوان، يعتمد على استخدام وسائل الاتصال الحديثة وتطبيقات الإنترنت في نشر منشورات أو تعليقات تسبب التنكيد للضحية، أو الترويج لأخبار كاذبة، أو إرسال رسائل إلكترونية للتحرش بالضحية، بهدف إرباكه وإصابته بحالة من التنكيد المعنوي والمادي.

 

عوامل التنمر ومسبباته

لقد دفعت التداعيات الخطيرة للتنمر الإلكتروني، إلى تزايد الاهتمام برصد ووصف وتفسير الظاهرة وأسبابها وظهر هذا الاهتمام في عدد من فروع العلوم الاجتماعية مثل، علم النفس وعلم النفس الاجتماعي وعلم الاجتماع، ولقد أنتج هذا الاهتمام تراثا بحثيا متعددا ومتعمقًا حول العوامل المؤدية إلى ارتكاب فعل التنمر. فوقوع التنمر الإلكتروني حسب العديد من الدراسات التي اجريت حول الظاهرة مرتبط بعدد من العوامل والمحفزات، لعل أبرزها تلك التي تكررت في كل دراسة أجريت والمتمثلة في:

المناخ المدرسي: أكدت عدد من الدراسات على ارتباط المناخ المدرسي وعلاقة الطفل بالمدرسة والمعلمين بكل من التنمر التقليدي والإلكتروني. فالمناخ المدرسي يعتبر بمثابة المستوى السياقي للرابطة المدرسية، بينما الرابطة المدرسية هي بمثابة ارتباط انفعالي وعاطفي للطفل بالمدرسة، فضعف المناخ المدرسي والتي تظهر مؤشراته في ضعف إحساس الطالب بالانتماء للمدرسة، تدهور مستويات الاحترام المتبادل بين الطلاب بعضهم البعض وبين مختلف مكونات المدرسة من سوء للمعاملة وغياب للعدالة … يرتبط بالإيذاء بالتنمر التقليدي والإلكتروني، ومن المحتمل أن المناخات المدرسية السلبية سوف تزيد أيضًا من انتشار حالات الإيذاء بالتنمر بين طلاب المدارس.

 

العوامل الأسرية..

إن الأطفال الذين يعيشون في سياقات منزلية تتسم بالعنف والصراع ويتم معاملتهم على نحو سيء يزداد احتمال تعرضهم للتنمر، وأيضًا حياة الطفل مع والدين يعانون من اضطرابات على أي مستوى، قد يؤدي إلى تعرض الطفل للتنمر .وفي هذا الشأن ،توضح الدراسات أن معرفة الآباء بالمناقشات والحوارات الخاصة بأبنائهم على الأنترنت، ترتبط بتدني فرص تعرض الأبناء للإيذاء بالتنمر الإلكتروني.

 

التنمر الإلكتروني وزعزعة الأمن والأمان..

كثيراً ما يقمع التنمّر الإلكتروني كرامة المتلقين بطريقة علنية بشكل لا يصدق، حيث يستطيع الآخرون المساهمة في السخرية وتقييمها من خلال التروّق والرد على المحتوى المسيء والمشاركة فيه. لا يأتي كل التنمّر الإلكتروني من قبل الناس الذين يعرفون المتلقي، فغالبا ما يتم إرساله من مجهول، مما يترك مزيداً من الآثار على التحقق من سوء المعاملة خارج الأنترنت أيضاً. يمكن للمتنمّر الإلكتروني المجهول أن يقوض إلى حد كبير الشعور بالثقة والأمان بالنسبة لأولئك الذين يتلقونه ويمكن أن يخلق حالة من جنون الشك والاضطهاد، وغالباً ما يكون أقوى من سوء المعاملة من شخص ما معروف للضحية. وفي الحالات الأكثر تطرفاً للتنمّر الإلكتروني، تَعَرَّض الأمن الشخصي للمتلقين وخصوصيتهم للخطر من خلال المشاركة غير المصرح بها لمعلوماتهم الشخصية، مثل عنوانهم ورقم هاتفهم والتفاصيل الأسرية الحميمة التي تخصهم. كما أن “الانتقام الإباحي” الذي يقصد به فعل مشاركة المحتوى الإباحي الذي يتضمن شخص ما دون موافقته في محاولة للتشهير به وإحراجه علناً لدى أصدقاءه وأفراد أسرته المقربين. وقد تم اتخاذ خطوات لإدخال عقوبات قانونية أشد صرامة ضد الانتقام الإباحي في عدد من البلدان في أقطار العالم، حيث يمكن أن يكون لهذا الفعل آثار مدمرة على ضحايا هذا النوع من سوء المعاملة.

 

التربية الإعلامية الحل الأمثل للتقليل من أخطار النت

إن وجود الإنترنت أدى إلى تآكل الحواجز الاجتماعية والاقتصادية التاريخية وصار بالإمكان لأي شخص لديه وجود في مواقع التواصل الاجتماعي أن يكون عرضة للتنمّر الإلكتروني وسوء المعاملة عبر الأنترنت، فالطبيعة الشفافة والفيروسية للأنترنت لديها القدرة على تغيير مزاج الأشخاص وحتى مصيرهم على المدى الطويل في غضون بضع ثوان، بغض النظر عن تجارب حياتهم أو من يكونون. أما بالنسبة لنماذج الأدوار المجتمعية، فلا يتعلق الأمر بعملية تعلم كيفية منع التنمّر عبر الإنترنت بقدر تعلقه بتعلم كيفية التعامل معه بطرق إنتاجية وتمكينية، دون السماح للإساءة الفعلية أو الاستباقية بقمع أفكارهم أو سلوكياتهم. لذا يجب تشجيع الشباب على التعبير عن أنفسهم بحرية، وممارسة حقوقهم في جميع البيئات رقمية كانت أو غير رقمية. ويجب تمكينهم من المساهمة في مجتمع ديمقراطي وعالمي من خلال مشاركة أفكارهم وآرائهم دون مهاجمة الآخرين الذين لديهم آراء متباينة. فالعالم الذي يتصف بالعدالة والإنصاف حقاً يتطلب ثقافة من الاحترام والتفاهم المتبادل ولا يكون ذلك إلا عن طريق تلقين الشباب لأسس وفنيات التربية الإعلامية.

ق. م