أنوار من جامع الجزائر

الثبات على الطاعة – الجزء الأول –

الثبات على الطاعة – الجزء الأول –

لَقَدْ تَنَسَّمْنَا فِي أَيَّامٍ مَضَتْ نَفَحَاتٍ عَظِيمَةً، وَعِشْنَا مَوَاسِمَ رُوحِيَّةً كَرِيمَةً. فَذُقْنَا حَلَاوَةَ الْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ، وَبَكَتْ عُيُونُنَا خَشْيَةً، وَرُفِعَتْ أَكُفُّنَا رَجَاءً. طُفْنَا مَعَ الطَّائِفِينَ بِقُلُوبِنَا، وَلَبَّيْنَا مَعَ الْمُلَبِّينَ بِأَرْوَاحِنَا، وَعِشْنَا لَحَظَاتٍ كَانَتْ كَالْغَيْثِ عَلَى الْأَرْضِ الْعَطْشَى، أَحْيَتْ مَوَاتَ الصُّدُورِ، وَغَسَلَتْ أَدْرَانَ الشُّهُورِ. فَتَطَهَّرَتِ النُّفُوسُ مِنْ شَوَائِبِهَا، وَعَانَقَتِ الْأَرْوَاحُ صَفَاءَهَا وَنَقَاءَهَا. وَإِنَّ لِهَذِهِ الْأَرْوَاحِ أَنْ تَسْأَلَ: هَلْ يَنْقَطِعُ الْغَيْثُ إِذَا تَوَارَتْ سُحُبُهُ؟ وَقَدْ تَهَادَتْ إِلَيْنَا أَيَّامُ السُّكُونِ بَعْدَ زِحَامِ الطَّاعَاتِ الْمُبَارَكَةِ، وَهُنَا يُخْتَبَرُ صِدْقُ الْقُلُوبِ وَثَبَاتُهَا، حِينَ يَنْفَضُّ الزِّحَامُ، وَتَعُودُ إِلَى مَشَاغِلِ دُنْيَاكَ، لِتَجِدَ نَفْسَكَ أَمَامَ اخْتِبَارٍ خَفِيٍّ وَامْتِحَانٍ عَصِيٍّ، فَمِنْ أَخْطَرِ مَا يُوَاجِهُهُ الْمُؤْمِنُ بَعْدَ مَوَاسِمِ الطَاعَةِ “فَخُّ الْفَرَاغِ”. وَالنَّفْسُ الْبَشَرِيَّةُ تَضْعُفُ إِذَا غَابَ الرَّفِيقُ الصَّالِحُ الْمُعِينُ، وَتَفْتُرُ هِمَّتُهَا إِذَا طَالَ بِهَا الطَّرِيقُ دُونَ تَجْدِيدٍ لِلْعَهْدِ. فَإِيَّاكُمْ أَنْ تَكُونُوا كَمَنْ صَنَعَتْ ثَوْبَهَا بِيَدِهَا وَزَيَّنَتْهُ، حَتَّى إِذَا اكْتَمَلَ بَهَاؤُهُ وَاشْتَدَّ نَسِيجُهُ، عَادَتْ تَنْقُضُهُ خَيْطاً خَيْطاً وَتُمَزِّقُهُ بِيَدِهَا. يَقُولُ رَبُّنَا مُحَذِّراً مِنْ هَذَا التَّرَاجُعِ الْمُخِيفِ: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا﴾. إِنَّ رَبَّ الْمَوَاسِمِ الْعَظِيمَةِ هُوَ رَبُّ سَائِرِ الْأَيَّامِ وَالشُّهُورِ. وقد كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَسْتَعِيذُ باللهِ مِنَ الحَوْرِ بعدَ الكَوْرِ وكان سَلَفُنَا الصَّالِحُ يَرْتَجِفُونَ خَوْفاً مِنَ الِانْقِطَاعِ بَعْدَ الْوَصْلِ. قَدْ يَشْعُرُ أَحَدُنَا بِثِقَلِ الْخُطْوَةِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمَوْسِمِ، يَبْحَثُ عَنْ تِلْكَ الدَّمْعَةِ السَّرِيعَةِ فَلَا يَجِدُهَا، وَيَبْحَثُ عَنْ تِلْكَ الْهِمَّةِ الْعَالِيَةِ فَيَرَاهَا قَدْ هَدَأَتْ، فَيَظُنُّ أَنَّهُ قَدْ انْتَكَسَ، وَيَلِجُ الْيَأْسُ إِلَى قَلْبِهِ. جَاءَ حَنْظَلَةُ ذَاتَ يَوْمٍ إِلَى خَيْرِ الْبَرِيَّةِ ﷺ يَبْكِي بُكَاءَ الْخَائِفِينَ، فَقَالَ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! نَكُونُ عِنْدَكَ تُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ، فَإِذَا خَرَجْنَا عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ وَنَسِينَا كَثِيراً. فَمَسَحَ النَّبِيُّ الرَّحِيمُ عَلَى قَلْبِهِ الْمُضْطَرِبِ بِقَوْلِهِ ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنْ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي وَفِي الذِّكْرِ، لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ، وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً». إِنَّ الِاسْتِقَامَةَ الَّتِي نَنْشُدُهَا فِي دِينِنَا الْعَظِيمِ لَيْسَتِ الْعِصْمَةَ الْمَلَائِكِيَّةَ مِنَ الزَّلَلِ. فَنَحْنُ بَشَرٌ، نَضْعُفُ تَارَةً وَنَقْوَى أُخْرَى، نَتَعَثَّرُ فِي دُرُوبِ الْحَيَاةِ، وَتُغْرِينَا الشَّهَوَاتُ بِبَرِيقِهَا الزَّائِفِ. الِاسْتِقَامَةُ الْحَقِيقِيَّةُ هِيَ أَنْ تَسِيرَ نَحْوَ اللَّهِ بِقَلْبِكَ وَإِنْ كُنْتَ تَعْرُجُ، هِيَ أَنْ تَقَعَ فِي حُفْرَةِ التَّقْصِيرِ فَتَقُومَ نَافِضاً عَنْكَ غُبَارَ الْيَأْسِ، هِيَ أَنْ تُذْنِبَ فَتُسَارِعَ إِلَى بَابِ الِاسْتِغْفَارِ طَارِقاً. تَأَمَّلُوا قَوْلَ رَبِّكُمْ جل وعلى وَهُوَ يَرْسُمُ لَنَا هَذَا الْمَنْهَجَ الرَّحِيمَ: ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾. قَرَنَ الِاسْتِقَامَةَ بِالِاسْتِغْفَارِ؛ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ -وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ بِمَا فِي النُّفُوسِ- أَنَّ عِبَادَهُ سَيُقَصِّرُونَ فِي دَرْبِ الِاسْتِقَامَةِ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْبُرُوا كَسْرَ خُطُوَاتِهِمْ بِالِاسْتِغْفَارِ السَّرِيعِ. يَقُولُ نَبِيُّنَا ﷺ كَلِمَةً تَسَعُ الضُّعَفَاءَ وَتُسْنِدُ الْمُتْعَبِينَ: «سَدِّدُوا وَقَارِبُوا». قَارِبُوا الْكَمَالَ وَامْضُوا نَحْوَ السَّدَادِ مَا اسْتَطَعْتُمْ، فَالْقَلْبُ هُوَ مَلِكُ هَذَا الْجَسَدِ، فَإِذَا اسْتَقَامَ النَّبْضُ، هَانَتْ بَعْدَ ذَلِكَ عَثَرَاتُ الْجَوَارِحِ وَسَهُلَ تَدَارُكُهَا.

الجزء الأول من خطبة الجمعة من جامع الجزائر