-
غار جبيلات.. عملاق الحديد يعود إلى الحياة بعد نصف قرن
-
بلاد الحدبة والفوسفات.. مضاعفة الإنتاج وفتح بوابة الأسمدة العالمية
-
السكة المنجمية تندوف–بشار.. ألف كيلومتر تُنجز في زمن قياسي
تُظهر تصريحات رئيس الجمهورية خلال زيارته إلى قسنطينة، أن الجزائر تعيش مرحلة استثنائية من الإنجاز السريع، حيث تمكّنت خلال فترة وجيزة من إطلاق مشاريع عملاقة ظلت مجمّدة لعقود، مثل غار جبيلات للفولاذ وبلاد الحدبة للفوسفات، وإنجاز آلاف الكيلومترات من السكك الحديدية في مدد زمنية غير مسبوقة. هذه الوتيرة السريعة في التنفيذ، رغم ما واجهته الدولة من معارك وإشاعات في السنوات الأولى، تعكس تحوّلا عميقا في نمط إدارة الملفات الاستراتيجية، وتؤشر على انطلاقة اقتصادية جديدة تسعى من خلالها الجزائر لترسيخ اقتصاد إنتاجي قوي يوازن بين التنمية، الصناعة، وتمكين الشباب، في مسار قد يضع البلاد رسميا على أبواب مرحلة تحول تاريخي. ويكشف هذا التحوّل بوضوح عند التوقف أمام المشاريع الكبرى التي انطلقت بوتيرة غير معهودة، حيث لم يعد الحديث يقتصر على إعلان نوايا أو مخططات مستقبلية، بل على ورشات مفتوحة ومشاريع تدخل مرحلة الإنتاج فعليا. ويأتي مشروع غار جبيلات في مقدمة هذه النماذج، إذ انتقل خلال سنوات قليلة من ملف ظل مركونا لعقود إلى مشروع استراتيجي يستعد لإطلاق أولى دفعات الحديد نحو بشار، في حدث يصفه الرئيس بأنه سيكون “تاريخيا” بما يحمله من رمزية اقتصادية ودلالات سيادية. هذا التسريع في وتيرة الإنجاز يعكس إرادة حقيقية في تحويل القطاع المنجمي إلى رافعة اقتصادية بديلة عن تقلبات النفط. وينسحب الإيقاع نفسه على مشروع بلاد الحدبة لإنتاج الفوسفات، الذي يوشك هو الآخر على دخول مرحلة الإنتاج ضمن واحدة من أكبر العمليات التي عرفها قطاع التعدين في البلاد. فرفع الإنتاج من 2.5 مليون طن إلى 10.5 مليون طن سنويا، يؤشر إلى دخول الجزائر إلى دائرة الدول القادرة على التحكم في سوق الأسمدة العالمية، وهو ما وصفه الرئيس بـ”السلاح الجديد” في العالم. فالمعادلة هنا تتجاوز مردود مشروع واحد، لتصل إلى إعادة تموقع جيو–اقتصادي تفرضه التغيرات الدولية في الصناعات الزراعية والغذائية. ومع فتح هذه الأوراش العملاقة، يأتي إنجاز خط السكة الحديدية المنجمية تندوف–بشار ليؤكد أن الدولة تتعامل مع الزمن بطريقة مختلفة. فتنفيذ خط يمتد على أكثر من ألف كيلومتر في ظرف سنة ونصف فقط، يمثّل حدثا غير مسبوق في تاريخ البنية التحتية الوطنية. هذا الإنجاز لم يختصر المسافات فحسب، بل ربط الجنوب الغربي بشبكة الإنتاج الوطني، وجعل من الحديد المنقول عبره جزءا من دورة اقتصادية جديدة تتجه نحو التصنيع، التحويل، والتصدير. وتتجاوز أهمية هذه المشاريع بُعدها التقني إلى ما هو أعمق، إذ ترسخ ثقافة جديدة في إدارة الملفات الاستراتيجية: سرعة في الإنجاز، وضوح في الأهداف، وربط مباشر بين الموارد الطبيعية والمنظومة الصناعية. ومن خلال عرض هذه المشاريع أمام المجتمع المدني، بدا واضحا أن الدولة تريد للجزائريين أن يدركوا حجم التحول الجاري، وأن يشاهدوا بأعينهم أن “الإنجاز في الزمن القصير” بات حقيقة تتجسد على الأرض خطوة بعد أخرى.
قطار التحوّل الاقتصادي.. من الريع إلى الإنتاج
ومع تسارع هذه المشاريع الكبرى، برز خطٌّ آخر لا يقل أهمية: التحوّل الهادئ والواثق في بنية الاقتصاد الوطني، وهو تحوّل لم يعد يعتمد على تقلبات النفط ولا على ظرفية الأسواق، بل على منطق الإنتاج الحقيقي. ويظهر هذا التحوّل في تأكيد رئيس الجمهورية أن الوضع الاقتصادي “متحكم فيه”، وأن الجزائر استطاعت، رغم انخفاض أسعار النفط دوليًا، أن تتجنب الوقوع في فخّ المديونية الخارجية، وهو خيار سياسي واقتصادي يعكس تمسك الدولة بسيادتها المالية واستقلال قرارها الاقتصادي. ففي الوقت الذي اتجهت فيه دول عديدة إلى الاقتراض كحلّ عاجل، فضّلت الجزائر الاعتماد على مواردها الذاتية، وإطلاق مشاريع إنتاجية تقلّل تدريجيًا من الهشاشة التي ظلت ملازمة لاقتصاد يعتمد لسنوات طويلة على الريع الطاقوي. ويزداد هذا التوجّه وضوحًا عند النظر إلى البنية الجديدة التي تتشكل حول قطاعي المعادن والأسمدة، حيث اعتبر الرئيس أن “السلاح الجديد في العالم” لم يعد النفط وحده، بل القدرة على إنتاج الحديد والفوسفات والتحكم في الصناعات التحويلية المرتبطة بهما. هذا التصور يضع الجزائر في قلب معادلة اقتصادية دولية تتسارع فيها المنافسة على المواد الأولية، خاصة تلك التي تدخل في الصناعات الزراعية، الطاقوية، والصناعات الثقيلة. فرفع إنتاج الفوسفات إلى 10.5 مليون طن سنويا، وربط مناجم الحديد بشبكات تحويل صناعية، يفتح الباب أمام اقتصاد أكثر توازنا، ويتحرر تدريجيًا من منطق “الأسعار الدولية” الذي حكم السياسات المالية لعقود. وتتجلى ملامح هذا التحول أيضا في الخطاب الرسمي الذي ربط بين إنجازات المشاريع و”الانطلاقة الجديدة” المرتقبة العام المقبل. فهذه الانطلاقة لا تقوم على زيادة الإيرادات الريعية، بل على تنويع مصادر الدخل وتوسيع مراكز الإنتاج. وهنا يبدو أن الدولة تستعد لإعادة تحديد أولوياتها، بحيث يتحول الجنوب، لأول مرة منذ الاستقلال، إلى مركز اقتصادي واسع يستقطب الصناعات المنجمية واللوجستية، فيما تتحول موانئ الشرق والغرب إلى منصات تصدير ذات قيمة مضافة عالية. وما يميز هذا المسار هو أنه لا يعتمد فقط على فتح المشاريع، بل على تغيير هادئ في الثقافة الاقتصادية العامة: من اقتصاد ينتظر تحسن أسعار النفط، إلى اقتصاد يصنع منتجاته، ويحوّل موارده، ويخلق قيمة على أرضه. وهنا يتضح أن الإنجازات الكبرى في زمن قياسي ليست سوى جزء من رؤية أشمل تهدف إلى إعادة تشكيل طبيعة الاقتصاد الوطني، بما يسمح للجزائر بالدخول في مرحلة جديدة عنوانها الرئيسي: الإنتاج قبل الريع.. والتنويع قبل الانتظار.
صناعة وطنية تستعيد مكانتها.. وإدماج يرتفع
ومع هذا التحوّل الاقتصادي المتسارع، يبرز البعد الصناعي كأحد أهم مسارات إعادة بناء النموذج التنموي الجديد، حيث لم يعد التركيز منصبًّا فقط على إطلاق المشاريع الكبرى، بل على إعادة تشكيل النسيج الصناعي الوطني بما يضمن إنتاجًا محليا حقيقيا. ويظهر ذلك في تأكيد رئيس الجمهورية أن الجزائر تتجه نحو تحقيق هدف استراتيجي يتمثل في إنجاز سيارة جزائرية بنسبة إدماج تبلغ 40 بالمائة، وهو تحول مهم ينقل الصناعة الميكانيكية من مرحلة التركيب إلى مرحلة الإنتاج الفعلي. فرفع الإدماج يعني خلق صناعة مرافقة تشمل قطع الغيار، المصنّعين الصغار، سلاسل التوريد، ومناولة صناعية قادرة على توفير آلاف مناصب العمل وضمان استدامة الإنتاج. وحتى يكتمل هذا التحوّل، تعمل الدولة على إعادة هندسة الخريطة الصناعية عبر خلق مناطق صناعية جديدة في ولايات مثل قسنطينة، لكن هذه المرة وفق معايير أكثر صرامة، تعتمد على تهيئة الأرضية، توفير الطاقة، منح الحماية القانونية، وضمان بيئة عمل تستقطب المستثمرين بدل أن تنفرهم. فالاستثمار، كما يؤكد الرئيس، يُستقطَب بالضمانات الفعلية، والبنية التحتية، وسلاسة الإجراءات. وبهذه الرؤية، تتحول المناطق الصناعية إلى فضاءات إنتاج، لا إلى مساحات عقارية لأغراض غير صناعية كما كان يحدث في السابق. ومن المؤشرات الواضحة على نجاح هذه المقاربة، تسجيل أكثر من 17 ألف مشروع استثماري لدى الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار، وهو رقم يعكس حجم الإقبال على السوق الوطنية في ظرف زمني قصير، ويرتبط مباشرة بالإصلاحات القانونية والتنظيمية التي أزالت العديد من القيود التي كانت تعطل وصول المستثمرين إلى السوق. هذه المشاريع هي خريطة استثمارية تتوزع بين الصناعة، الخدمات، الزراعة، التحويل، والابتكار، مما يساهم في تنويع الاقتصاد وخلق قيمة مضافة محلية. وتتخذ هذه الديناميكية الصناعية بعدًا أعمق عند ربطها بعودة الدولة إلى دعم الصناعات التي تمتلك فيها الجزائر مزايا تنافسية، مثل الصناعات الثقيلة، الصناعات التحويلية، والميكانيك. فهذه القطاعات تُعتبر الأساس الحقيقي لأي نهضة صناعية، وهي التي توفر القدرة على التصدير وخلق فائض تجاري خارج المحروقات. وبهذا الانتقال، تصبح الصناعة الوطنية جزءا من التحول الشامل الذي تعيشه البلاد، قائمة على العمل لا الاستيراد، وعلى الإنتاج لا الاستهلاك، في خطوة إضافية ضمن مسار الانتقال من اقتصاد هشّ إلى اقتصاد صلب قادر على مواجهة المنافسة الدولية.
الشباب في قلب التحوّل.. من مناصب القرار إلى اقتصاد الذكاء
ومع توسّع خارطة الإنجازات الصناعية والاقتصادية، يتقدّم عنصر آخر ليشكّل حجر الزاوية في هذا التحوّل: الشباب. فالرؤية الجديدة التي تطرحها الدولة لا تكتمل بمشاريع الحديد والفوسفات أو المناطق الصناعية وحدها، بل تحتاج إلى عقل بشري قادر على إدارة هذه النقلة وتحويلها إلى قوة اقتصادية دائمة. وهنا يبرز إصرار رئيس الجمهورية على أن الشباب هم “الثروة الحقيقية للبلاد”، وهي رسالة تتجسد من خلال سلسلة من القرارات والإصلاحات التي تهدف إلى إدماجهم في صلب العملية التنموية، لا على هامشها. وتظهر ملامح هذا التوجه بوضوح، في تسهيل إنشاء المؤسسات الناشئة، التي تحولت خلال السنوات الأخيرة من فكرة نظرية إلى مسار فعلي مدعوم بصندوق خاص، وقوانين جديدة، وإجراءات إدارية مبسطة تسمح للشباب بتحويل أفكارهم إلى مشاريع اقتصادية منتجة. فالرهان هنا لم يعد على شركات كبرى فقط، بل على نظام بيئي متكامل يعترف بأن الابتكار المحلي يمكنه أن يصنع قيمة اقتصادية موازية للصناعات التقليدية. ومع انتشار الروح المقاولاتية في الجامعات، تتشكل طبقة جديدة من رواد الأعمال الذين يضيفون إلى الاقتصاد ديناميكية مختلفة تقوم على التكنولوجيا، الحلول الرقمية، والتحول الذكي. ويزداد هذا المسار وضوحًا من خلال مراجعة قوانين الجمهورية بما يسمح للشباب بالصعود إلى مواقع اتخاذ القرار، سواء في المؤسسات المنتخبة، الهيئات التنفيذية، أو المجالس الاستشارية. هذا التحول القانوني يعكس رغبة في تغيير المنظومة من الداخل، إذ لم يعد دور الشباب محصورًا في الدعم أو المشاركة الرمزية، بل أصبح جزءًا من هندسة القرار السياسي والاقتصادي. هذه المقاربة تمنح الجيل الجديد فرصة لصوغ مسارات التنمية المستقبلية، وتضمن تجديدًا دوريًا للنخبة الوطنية. ويكتسب هذا التوجه بعدًا استراتيجيًا إضافيًا مع إنشاء أول جامعة عربية وإفريقية متخصصة في الذكاء الاصطناعي، وهو مشروع لا يكتفي بتكوين كفاءات علمية فقط، بل يؤسس لوضع الجزائر في قلب اقتصاد المستقبل. فالعالم يتجه نحو اقتصاد المعرفة، والذكاء الاصطناعي أصبح معيار التفوق العلمي والتكنولوجي للدول. وبتوجيه الطاقات الشابة نحو هذا المجال، ترسم الجزائر طريقًا جديدًا يجعل من العلوم المتقدمة رافعة حقيقية للتنمية، ويمنح الشباب قدرة على إنتاج الحلول بدل استهلاكها، وعلى ابتكار التكنولوجيا بدل استيرادها. وهكذا يتحوّل تمكين الشباب من مجرد خيار اجتماعي إلى ركيزة استراتيجية داخل مسار التحول الوطني الشامل.
ثقافة.. بطالة وسياحة… معادلة الدولة المتوازنة
ومع ترسّخ معالم التحوّل الاقتصادي والصناعي، يتّضح أن الرؤية التي تقودها الدولة لا تقوم على جانب واحد من التنمية، بل تعتمد على معادلة متوازنة تجمع بين البعد الاجتماعي، الثقافي، والسياحي، بما يحفظ استقرار المجتمع ويمنح مشاريع النمو قاعدة صلبة. ويبرز هذا التوازن بوضوح في إصرار رئيس الجمهورية على الحفاظ على الطابع الاجتماعي للدولة، رغم الانشغال بالمشاريع الإنتاجية. فوجود منحة البطالة كآلية اجتماعية رائدة — وهي منحة تعد الجزائر الوحيدة عربيًا وإفريقيًا التي تُقرّها — يعكس حرصًا على عدم ترك الفئات الهشّة خارج مسار التحول، وضمان انتقال آمن نحو اقتصاد جديد لا يُقصي أحدًا من رعايته. ويتقاطع هذا الحرص الاجتماعي مع اهتمام متزايد بقطاع الثقافة والفنون، الذي اعتُبر جزءًا أساسيًا من تكوين الوعي العام وبناء شخصية الجيل الجديد. وإعلان الدولة استعدادها لتمويل أي مبادرة ثقافية أو فنية بولاية قسنطينة، بما في ذلك تنظيم مهرجان سينمائي، يعكس قناعة راسخة بأن الثقافة ليست ترفًا، بل عنصرًا أساسيًا في التنمية. فالثقافة، إلى جانب التعليم، تؤدي دورًا مركزيًا في تشكيل جيل قادر على الإبداع، النقد، والاندماج في اقتصاد المعرفة، مما يجعل الاستثمار فيها جزءًا مكمّلًا للمشاريع الاقتصادية العملاقة. ويأتي قطاع السياحة ليضيف بعدًا آخر لهذا التوازن، إذ أكّد الرئيس أن مهمة الدولة هي ضبط القطاع وتوفير المناخ المناسب لجذب المستثمرين، بينما يبقى على الخواص استغلال الفرص الكبيرة التي توفرها ولاية قسنطينة. فهذه المدينة التي تجمع بين التاريخ، العمران، التراث، والجغرافيا المميزة، تمتلك إمكانات سياحية ضخمة لم تُستغل بعد بالشكل الكافي. وتوفير بيئة تشريعية وتشجيعية مناسبة يمكن أن يحوّلها إلى قطب سياحي اقتصادي قادر على خلق الثروة وفرص العمل، في انسجام مع مسار التحول الوطني. ويمثّل هذا التداخل بين الاجتماعي والثقافي والسياحي الركن الثالث في رؤية الجزائر الجديدة، بعد ركني الاقتصاد والصناعة. فالدولة لا تتعامل مع التنمية كمشروع رقمي أو اقتصادي فحسب، بل كمنظومة متكاملة تتطلب مجتمعًا قويًا، شبابًا فاعلين، قطاعًا ثقافيًا مزدهرًا، وسياحة مستدامة قادرة على التعبير عن الوجه الحقيقي للبلاد. وبهذا التوازن، تكتمل صورة الجزائر التي تُبنى بخطوات متناسقة، حيث يتحرك الاقتصاد بسرعة، ويواكبه مجتمع أكثر دعمًا ومؤسسات ثقافية وسياحية تستعد للالتحاق بركب التحوّل.










