تصنيفات دولية متتالية تضعها في صدارة 2026..

الجزائر.. “ترند” سياحي عالمي

الجزائر.. “ترند” سياحي عالمي
  • من “نيويورك تايمز” إلى “بي بي سي”.. اعتراف عالمي متصاعد

  • لهذه الأسباب دخلت الجزائر نادي الوجهات الكبرى

تحولت الجزائر في ظرف سنوات قليلة إلى اسم متداول بقوة في كبريات المنصات الإعلامية العالمية، بعدما توالت التقارير والتصنيفات التي وضعتها ضمن أبرز الوجهات السياحية.

من صحرائها المصنفة بين الأفضل عالميا إلى مدنها التاريخية التي أدهشت الصحافة الأمريكية، أصبح الحديث عن الجزائر مؤشر على تحوّل حقيقي جعلها تتصدر الاهتمام كـ”ترند” سياحي عالمي متصاعد.

وفي أحدث مؤشر على هذا التحول المتسارع، جاء روبورتاج صحيفة “هيرالد” الأمريكية ليمنح الصورة بعدا أكثر وضوحا وعمقا، حيث لم يكتفِ بالإشادة العامة، بل اصطحب قراءه في جولة مفصلة عبر عشرين مدينة جزائرية، مقدّما البلاد كخريطة سياحية متكاملة تتوزع بين التاريخ والثقافة والطبيعة. فقد وصفت الصحيفة الجزائر بأنها “وجهة جذابة وكنز حقيقي” لعشاق السفر، مؤكدة أن تنوعها الثقافي والطبيعي يجعلها واحدة من أكثر الوجهات ثراء في المنطقة. وركّز التقرير على احتضان الجزائر لسبعة مواقع مدرجة ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو، في إشارة إلى القيمة العالمية التي تتمتع بها معالمها، وهو ما يعكس تحول الاهتمام من الاكتشاف السطحي إلى قراءة معمقة لمخزونها الحضاري. وتوقفت “هيرالد” مطولا عند العاصمة الجزائرية، معتبرة أن قصبة الجزائر، المصنفة ضمن التراث العالمي، تمثل “كتلة نابضة بالحياة” بقصورها العثمانية وأفنيتها القديمة وسلالمها التي صقلتها قرون من التاريخ. كما أبرزت معالم بارزة أخرى مثل كنيسة السيدة الإفريقية، وحديقة التجارب بالحامة، ومقام الشهيد، والمتحف الوطني باردو، معتبرة أن العاصمة تختزل في فضائها الحضري طبقات متراكمة من التاريخ المتوسطي.

ومن العاصمة انتقل الروبورتاج إلى قسنطينة، مشيدا بجسورها المعلقة وقصر أحمد باي المزخرف، قبل أن يحط الرحال في وهران، التي وصفها بمدينة نابضة بالحياة تحتضن موسيقى الراي، بوصفها تعبيرا عن تفاعل ثقافي عميق بين التقاليد البدوية والألحان الأندلسية. هذا التنقل بين المدن أظهر الجزائر كفضاء متنوع لا يختزل في وجهة واحدة، بل في فسيفساء حضارية ممتدة.

كما خصص التقرير مساحة لمدينة عنابة المرتبطة باسم القديس أوغستين، وتوقف عند تيمقاد التي وصفها بـ“المعجزة الرومانية”، قبل أن يسلط الضوء على طاسيلي ناجر، المصنفة بتصنيف مزدوج نادر ضمن التراث الثقافي والطبيعي العالمي، لما تحتضنه من فنون صخرية ما قبل التاريخ تُعد من الأبرز عالميا.

وامتدت الجولة إلى تمنراست عاصمة الهقار، وغرداية وقصورها الخمسة، وتلمسان بفنونها الأندلسية، وجميلة وتيبازة وآثارها الرومانية، وسكيكدة ومستغانم وجيجل وبجاية وتيزي وزو، في مشهد يعكس اتساع الرقعة السياحية وتنوعها الجغرافي والثقافي. وبهذا الطرح الشامل، أعادت الصحيفة الأمريكية تقديم الجزائر كوجهة متعددة الأبعاد، قادرة على الجمع بين الأصالة والاكتشاف، في تأكيد إضافي على أنها عنوانا سياحيا عالميا يتصدر الاهتمام.

 

اهتمام عالمي متصاعد.. الجزائر تتصدر قوائم التصنيف الدولي

ولم يكن روبورتاج “هيرالد” حدثا معزولا، بل جاء ضمن سياق اهتمام دولي متنامٍ بالوجهة الجزائرية، حيث توالت خلال السنوات الأخيرة إشارات قوية من كبريات المنصات الإعلامية العالمية، تؤكد أن البلاد دخلت فعليا دائرة الضوء السياحي. هذا التراكم في التغطيات والتصنيفات يعكس تحولا في نظرة الإعلام الغربي إلى الجزائر، من فضاء مجهول نسبيا إلى وجهة تُوصى بها رسميا في القوائم الدولية.

 

ففي جانفي 2023، وضعت صحيفة “نيويورك تايمز” صحراء الجزائر ضمن أفضل 52 وجهة سياحية في العالم، مسلطة الضوء على منطقة طاسيلي ناجر باعتبارها من أكبر المتاحف المفتوحة للفن الصخري في العالم، وواصفة إياها بمساحة تفوق ثمانية أضعاف متنزه يلوستون الأمريكي. وقد ربط التقرير آنذاك بين القيمة الطبيعية والتاريخية للمنطقة وبين تسهيل إجراءات التأشيرة، في إشارة إلى بداية انفتاح سياحي مدروس.

ومع مرور الوقت، تحولت هذه الإشارات إلى اعترافات أوسع، إذ صنفت مجلة “Travel Awaits” الأمريكية الجزائر ضمن أفضل عشر وجهات سياحية يُنصح بزيارتها في سنة 2026. وأشادت المجلة بثراء المعالم التاريخية مثل تيمقاد وجميلة وتيبازة وقالمة، معتبرة أن الجزائر توفر تجربة فريدة تجمع بين العمق الحضاري والهدوء، بعيدا عن الاكتظاظ الذي تعرفه الوجهات الأوروبية التقليدية.

بدورها، عززت هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” هذا المسار، عندما وضعت الجزائر في المركز الثاني ضمن أفضل وجهات السفر لسنة 2026، مشيدة بآثارها الرومانية العظيمة ومناظرها الصحراوية ومدنها التاريخية. كما أبرز التصنيف الجهود الوطنية الرامية إلى بلوغ 12 مليون زائر سنويا بحلول 2030، إلى جانب اعتماد سياسة التأشيرة عند الوصول للمجموعات السياحية، وإطلاق شركة الطيران المحلية الجديدة، ودعم 460 ألف حرفي للحفاظ على التراث التقليدي.

وفي سياق الترويج الإعلامي المباشر، شرعت قناة “ABC7” الأمريكية في نوفمبر 2025 في بث سلسلة يومية مخصصة للتعريف بالجزائر كوجهة سياحية وثقافية متميزة، بالتنسيق مع سفارة الجزائر بواشنطن. وقد استعرضت الحلقات مقومات عدة مدن من الجزائر العاصمة إلى تيبازة وقسنطينة وعنابة، مرورا بمناطق الجنوب، مع إبراز تنوع الثقافة الجزائرية وروح الضيافة التي تُعد من أبرز عناصر الجذب.

هذا التراكم في التقارير والتصنيفات والبرامج التلفزيونية، إلى جانب الجوائز الإقليمية مثل تتويج وهران كأفضل وجهة سياحية صاعدة في إفريقيا لسنة 2025، يؤكد أن الجزائر لم تعد تكتفي بالحضور في الأخبار، بل أصبحت حاضرة في قوائم النخبة السياحية. وبهذا المعنى، فإن وصفها بـ“الترند السياحي العالمي” نتيجة مسار تصاعدي من الاعتراف الدولي المتكرر والمتنامي.

 

تحوّل في الصورة.. ما الذي تغيّر؟

التحول في صورة الجزائر السياحية ارتبط أولا بعامل تسهيل إجراءات التأشيرة، خاصة اعتماد نظام التأشيرة عند الوصول لفائدة الرحلات السياحية المنظمة. هذا الإجراء بعث رسالة واضحة إلى الأسواق الخارجية مفادها أن الجزائر بلد منفتح على الزوار، ما أزال أحد أبرز العوائق النفسية والإجرائية أمام السياح الغربيين.

ثاني الأسباب يتمثل في الاستقرار الأمني الذي شهدته البلاد خلال السنوات الأخيرة، وهو عنصر حاسم في صناعة السياحة. فالصورة الذهنية لأي وجهة ترتبط مباشرة بمستوى الأمان، ومع ترسيخ هذا الاستقرار، باتت الجزائر تُقدَّم في الإعلام الدولي كفضاء آمن قابل للاستكشاف، وهو ما شجع المنصات العالمية على إدراجها ضمن قوائم السفر الموصى بها.

أما العامل الثالث، فيتعلق بـالتحرك الدبلوماسي والإعلامي المنظم، حيث لعبت البعثات الدبلوماسية الجزائرية دورا في التواصل مع وسائل الإعلام الأجنبية، كما حدث مع قناة “ABC7”. هذا الحضور الإعلامي الموجه أسهم في نقل صورة مباشرة ومتوازنة عن المقومات السياحية والثقافية، بدل ترك المجال للصور النمطية القديمة. العامل الرابع يرتبط بـتنويع العرض السياحي نفسه، إذ لم تعد الجزائر تُسوَّق فقط كوجهة صحراوية، بل كبلد متعدد الأبعاد: آثار رومانية، مدن متوسطية، قصبات عثمانية، ثقافة أمازيغية، سياحة دينية، وحرف تقليدية. هذا التنوع منحها ميزة تنافسية مقارنة بوجهات أحادية الطابع. السبب الخامس يتمثل في الميزة التنافسية من حيث التكلفة، حيث أشارت تقارير دولية إلى أن الجزائر تقدم تجربة سياحية ذات جودة عالية بتكلفة أقل من الوجهات الأوروبية المكتظة. هذه المعادلة بين القيمة والسعر أصبحت عنصر جذب رئيسيا للسياح الباحثين عن تجارب أصيلة خارج المسارات التقليدية.

سادس العوامل هو تطوير البنية الجوية والنقل الداخلي، خاصة إطلاق شركة الطيران المحلية الجديدة التابعة للخطوط الجوية الجزائرية، ما يعزز الربط بين المدن ويوسع خيارات الوصول إلى المناطق السياحية المختلفة، وهو عنصر أساسي في دعم أي استراتيجية جذب دولي. ويبرز سابعا عامل الاهتمام الرسمي بحماية التراث ودعم الحرفيين، حيث أُشير إلى تدريب ودعم مئات الآلاف من الحرفيين، ما يعكس رؤية تتجاوز الاستقطاب العددي للسياح نحو تثمين الهوية الثقافية والمحافظة عليها. هذا التوجه يعزز مصداقية الجزائر كوجهة تحترم أصالتها بدل تحويلها إلى منتج استهلاكي سريع.

أما العامل الثامن، فيكمن في تغيّر سلوك السائح العالمي نفسه، الذي بات يبحث عن وجهات غير تقليدية، أقل ازدحاما وأكثر أصالة. وفي هذا السياق، ظهرت الجزائر كخيار طبيعي يجمع بين الاكتشاف والعمق التاريخي والمساحات المفتوحة، ما جعلها تنتقل من هامش خرائط السفر إلى مركز الاهتمام الدولي المتنامي.

 

من موجة اهتمام إلى مسار استراتيجي طويل المدى

الحضور الجزائري في المنصات الدولية أصبح جزءا من سردية سياحية متصاعدة تؤكد أن البلاد دخلت مرحلة جديدة من التموقع العالمي. فالتكرار في التوصيات والتغطيات، من الصحف الكبرى إلى القنوات التلفزيونية المتخصصة، يعكس تحولا في الإدراك الدولي، حيث باتت الجزائر تُقدَّم كخيار جدي ضمن خارطة السفر العالمية.

ومع هذا التحول، تتشكل فرصة تاريخية لتحويل الزخم الإعلامي إلى مكاسب ميدانية ملموسة، عبر تعزيز الاستقبال وتحسين الخدمات ومواصلة تثمين التراث الطبيعي والثقافي. فالاهتمام العالمي يمنح دفعة قوية، لكنه في الوقت ذاته يرفع سقف التوقعات، ما يفرض العمل على مواكبة الصورة الجديدة التي تتشكل في الخارج.

كما أن هذا المسار يضع السياحة في قلب معادلة التنويع الاقتصادي، بوصفها قطاعا قادرا على خلق مناصب شغل، وتحريك الصناعات التقليدية، ودعم الاقتصاد المحلي في مختلف المناطق. فالوجهات التي تناولتها التقارير ليست مجرد معالم، بل فضاءات حية يمكن أن تتحول إلى أقطاب تنموية متكاملة إذا ما تم استثمار هذا الاهتمام الدولي بذكاء.

ومن جهة أخرى، يمنح هذا الحضور الإعلامي الجزائر فرصة لإعادة تعريف هويتها لدى الجمهور الغربي، ليس فقط كبلد طاقوي أو موقع جغرافي استراتيجي، بل كمساحة حضارية متعددة الطبقات، تمتد من عمق التاريخ إلى تنوع الثقافة والمجتمع. هذا التحول في الصورة قد يكون من أهم المكاسب غير المباشرة في المدى المتوسط والبعيد.

وبين تصاعد التوصيات الدولية وتنامي فضول المسافرين الباحثين عن تجارب مختلفة، تبدو الجزائر أمام منعطف سياحي واعد. فالمعادلة لم تعد تقتصر على إدراج اسمها في القوائم، بل على قدرتها على تثبيت هذا الحضور وتحويل “الترند” إلى مسار مستدام، يعكس ثراءها الحقيقي ويترجمه إلى مكانة راسخة ضمن أبرز الوجهات العالمية.

مصطفى. ع