حلم الراحل بومدين تجسد في عهد الرئيس تبون

الجزائر تستيقظ على عملاق الحديد

الجزائر تستيقظ على عملاق الحديد

بعد أكثر من ستة عقود من الانتظار، خرج منجم غارا جبيلات من دائرة الوعود المؤجلة إلى خانة الإنجاز الملموس، مجسدا واحدا من أكبر المشاريع الاستراتيجية في تاريخ الجزائر الاقتصادي.

هذا المشروع، الذي شكّل حلما مؤجلا منذ عهد الرئيس الراحل هواري بومدين، عاد اليوم إلى الواجهة كواقع ميداني في عهد الرئيس عبد المجيد تبون، ضمن رؤية تقوم على تثمين الثروات الوطنية، وربط الجنوب الكبير بديناميكية التنمية، وترسيخ خيار السيادة الاقتصادية كمسار فعلي لا شعار ظرفي.

 

منذ السنوات الأولى بعد الاستقلال، كان منجم غارا جبيلات حاضرا في تفكير الدولة الجزائرية كأحد أعمدة بناء اقتصاد وطني مستقل، يقوم على التصنيع الثقيل وتثمين الموارد الطبيعية. وقد اكتُشف المنجم سنة 1952 إبان الحقبة الاستعمارية، ليُصنَّف سريعا ضمن أكبر مكامن خام الحديد في العالم، باحتياطات تُقدَّر اليوم بنحو 3.5 مليار طن، غير أن ظروف الاستعمار، ثم محدودية الإمكانات التقنية واللوجستية بعد الاستقلال، حالت دون استغلاله فعليا في تلك المرحلة. وفي عهد الرئيس الراحل هواري بومدين، اكتسب مشروع غارا جبيلات بعدا استراتيجيا واضحا، حيث أُدرج ضمن تصور شامل لبناء قاعدة صناعية وطنية، إلى جانب مشاريع كبرى في مجالات الطاقة، والصلب، والصناعات الميكانيكية. غير أن الموقع الجغرافي للمنجم، الواقع على بعد نحو 130 كلم جنوب شرق ولاية تندوف، وسط بيئة صحراوية قاسية، وافتقاره لوسائل النقل الثقيلة والبنى التحتية الأساسية، جعلا المشروع يُصنَّف آنذاك كـ”حلم بعيد المنال”. كما واجه المشروع تحديات تقنية معقّدة، تتعلق بارتفاع نسبة الفسفور في خام الحديد، ما كان يتطلب تقنيات معالجة متطورة لم تكن متوفرة محليا في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي. إضافة إلى ذلك، فإن غياب شبكة سكك حديدية، وارتفاع كلفة نقل الخام لمسافات تتجاوز 900 كلم نحو الموانئ الشمالية، جعلا الجدوى الاقتصادية للمشروع محل نقاش، رغم القناعة السياسية بأهميته الاستراتيجية على المدى الطويل. ورغم هذه العوائق، ظلّ غارا جبيلات حاضرا في الأدبيات الاقتصادية الرسمية وفي خطابات بناء الدولة، كرمز لطموح مؤجل أكثر منه مشروعا مُلغى. فقد حافظت الدولة على تصنيفه كمخزون سيادي استراتيجي، في انتظار تهيئة الشروط الموضوعية لاستغلاله، وهو ما جعل المشروع ينتقل عبر العقود من مرحلة الفكرة إلى خانة الانتظار، قبل أن تتغير المعادلة كليا في السنوات الأخيرة مع توفر الإرادة السياسية، والقدرات التقنية، والشراكات الضرورية لتجسيده ميدانيا.

 

من قرار سياسي إلى ورش مفتوح.. إطلاق غارا جبيلات في عهد الرئيس تبون

مع تولي رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون مهامه سنة 2019، عاد مشروع غارا جبيلات إلى صدارة الأولويات الوطنية، باعتباره أحد أعمدة التحول الاقتصادي وتنويع المداخيل خارج المحروقات. ففي بداية العهدة الرئاسية الأولى، أُعلن رسميا عن رفع التجميد عن المشروع، والشروع في استغلاله ضمن رؤية عملية تراعي التحديات التقنية واللوجستية التي حالت دون تجسيده لعقود، مع التأكيد على إدماجه في مسار تنموي وطني طويل المدى. وفي جويلية 2022، دخل مشروع غارا جبيلات مرحلته الأولى من الاستغلال، على مساحة أولية قُدّرت بـ5000 هكتار، بطاقة إنتاجية تجريبية، شملت عمليات الاستخراج الأولي والتحضير لمعالجة الخام. وقدرت الاحتياطات القابلة للاستغلال في هذه المرحلة بنحو 1.7 مليار طن من أصل الاحتياطي الإجمالي البالغ 3.5 مليار طن، ما وضع المشروع مباشرة ضمن قائمة أكبر المشاريع المنجمية في إفريقيا والعالم. وترافق إطلاق الاستغلال مع برنامج استثماري ضخم، اعتمد على شراكة جزائرية–صينية، شملت توفير المعدات الثقيلة، ونقل التكنولوجيا، وتسخير كفاءات وطنية في مختلف مراحل الإنجاز. وأكدت السلطات العمومية، في أكثر من مناسبة، أن المشروع يُنجز بإرادة وطنية، وتمويل جزائري، وتأطير جزائري، مع الاستعانة بشركاء أجانب في الجوانب التقنية، بما يضمن الحفاظ على الطابع السيادي للمشروع. ويمثل هذا التحول من مجرد إعلان سياسي إلى ورش ميداني مفتوح نقطة فاصلة في تاريخ غارا جبيلات، إذ انتقل المشروع من خانة التصورات المؤجلة إلى واقع إنتاجي قابل للتوسع. وقد رُبط استغلال المنجم منذ البداية بأهداف واضحة، تتعلق بتلبية جزء معتبر من الطلب الوطني على الحديد، والمضي تدريجيا نحو التصدير، ضمن استراتيجية تهدف إلى جعل قطاع المناجم رافعة فعلية للاقتصاد الوطني خلال السنوات القادمة.

 

الخط المنجمي العملاق.. ربط غارا جبيلات بالعمق الوطني

ويشكّل إنجاز خط السكة الحديدية المنجمي الرابط بين غارا جبيلات–تندوف–بشار أحد أعمدة مشروع استغلال المنجم، باعتباره الحل اللوجستي الحاسم لنقل خام الحديد من أقصى الجنوب الغربي نحو مناطق التحويل والتصدير. ويمتد هذا الخط على مسافة تُقدّر بنحو 950 كيلومترا، ما يجعله من أطول الخطوط المنجمية المنجزة في الجزائر، وقد أُدرج منذ البداية كجزء لا يتجزأ من المشروع، وليس كمرفق ثانوي تابع له. وانطلقت أشغال إنجاز الخط السككي في ظرف قياسي، حيث تم استكماله خلال مدة لم تتجاوز 20 شهرا، وهي وتيرة غير مسبوقة في مشاريع البنية التحتية الثقيلة. ووفق ما أكده رئيس الجمهورية خلال تدشين المشروع، فإن هذه المدة تعد إنجازا استثنائيا، بالنظر إلى طبيعة المنطقة الصحراوية، وصعوبة التضاريس، والظروف المناخية القاسية التي رافقت الأشغال، من درجات حرارة مرتفعة وبعد جغرافي كبير عن مراكز التموين. وقد تطلب إنجاز الخط استثمارات ضخمة قُدّرت، حسب تقديرات الخبراء، بما بين 1.5 و2.75 مليار دولار، شملت أشغال التهيئة، والجسور، وتسوية المسارات، وتركيب السكة، إضافة إلى المنشآت التقنية المرافقة. ويُنتظر أن يسمح هذا الخط بنقل ما بين 40 و50 مليون طن سنويا من خام الحديد عند بلوغ المشروع طاقته القصوى، مع تخفيض كبير في تكلفة النقل، من نحو 30–40 دولارا للطن عبر الشاحنات إلى ما بين 10 و15 دولارا للطن عبر السكة الحديدية. ولا يقتصر دور الخط المنجمي على نقل خام الحديد فحسب، بل يُعد رافعة لوجستية وتنموية لولايات الجنوب الغربي، من خلال ربط تندوف وبشار بالشبكة الوطنية، وفتح المجال أمام نشاطات اقتصادية مرافقة في مجالات النقل والخدمات والصيانة. كما يُنظر إلى هذا الخط كلبنة أولى في بناء ممر صناعي–منجمي–لوجستي، يُعيد رسم الخريطة الاقتصادية للمنطقة، ويؤسس لربطها مستقبلا بالموانئ الشمالية، ضمن رؤية وطنية لتكامل الأقاليم وتعزيز النجاعة الاقتصادية للمشاريع الكبرى.

 

مناصب شغل وتنمية محلية.. أثر مباشر على الجنوب الغربي

كما يرتقب أن يُحدث مشروع غارا جبيلات أثرًا اجتماعيا وتنمويا ملموسا على ولايات الجنوب الغربي، خاصة تندوف وبشار، من خلال خلق مناصب شغل مباشرة وغير مباشرة. وتشير التقديرات الرسمية إلى توفير ما بين 3000 و5000 منصب عمل مباشر خلال مرحلة الاستغلال، لفائدة اليد العاملة المحلية، إضافة إلى مئات الوظائف غير المباشرة المرتبطة بالخدمات اللوجستية والمناولة والنقل والصيانة. ويمتد الأثر الاقتصادي للمشروع إلى ما هو أبعد من موقع المنجم، إذ يُتوقع أن تُسهم ديناميكية الأشغال والتشغيل في تنشيط قطاعات مرافقة، على غرار النقل البري والسككي، التموين، الأمن الصناعي، والخدمات، فضلا عن تحفيز إنشاء مؤسسات صغيرة ومتوسطة محلية تستفيد من عقود التوريد والأشغال والخدمات المرتبطة بالمركب المنجمي ووحدات المعالجة. ومع تزايد النشاط الاقتصادي وتدفّق اليد العاملة، ستبرز حاجيات إضافية في مجالات السكن، التجارة، المطاعم، والخدمات الاجتماعية، ما يفتح المجال أمام مبادرات استثمارية محلية جديدة. كما يُنتظر أن تسهم الاستثمارات المرافقة في تحسين البنية التحتية، عبر إنجاز طرق، وشبكات كهرباء ومياه، ومحطات تحلية ونقل، بما ينعكس مباشرة على ظروف العيش اليومية لسكان المناطق المجاورة. وفي هذا السياق، يُنظر إلى غارا جبيلات كمحرّك لإعادة توزيع التنمية ودمج الجنوب الغربي في الدورة الاقتصادية الوطنية، بعد عقود من محدودية الاستثمارات. ويعكس المشروع توجها عمليا لربط استغلال الثروات الطبيعية بالتنمية المحلية المستدامة، عبر تحويل النشاط المنجمي إلى رافعة اقتصادية واجتماعية تُسهم في تثبيت السكان، وخلق فرص حقيقية، وتعزيز العدالة الجهوية.

 

مشروع سيادي يعيد رسم الخريطة الاقتصادية للجزائر

ويُعدّ مشروع غارا جبيلات، بكل مكوناته المنجمية واللوجستية والصناعية، مشروعا سياديا بامتياز، من شأنه إعادة رسم الخريطة الاقتصادية للجزائر على المدى المتوسط والبعيد. فإلى جانب استغلال احتياطات تُقدّر بـ3.5 مليار طن من خام الحديد، منها نحو 1.7 مليار طن قابلة للاستغلال في المرحلة الأولى، يرتكز المشروع على منظومة متكاملة تشمل الاستخراج، النقل، المعالجة، ثم التصدير أو التحويل الصناعي محليًا. وبحسب المعطيات المتداولة، فإن القيمة الإجمالية للاستثمارات المرافقة للمشروع، بما فيها السكك الحديدية، الكهرباء، المياه، محطات التحلية، والطرق والموانئ، قد تصل إلى نحو 7 مليارات دولار. ويُرتقب أن يدرّ المنجم، عند بلوغ طاقته الكاملة، مداخيل سنوية تتراوح بين 10 و16 مليار دولار، إضافة إلى تقليص فاتورة استيراد الحديد بما يقارب 2 مليار دولار سنويا، في إطار التوجه نحو الاكتفاء الوطني ثم التصدير. وفي هذا الإطار، يُنظر إلى غارا جبيلات كقاطرة لمرحلة جديدة من التنمية الصناعية الثقيلة، تُعزّز السيادة الاقتصادية وتدعم تنويع الصادرات خارج المحروقات. كما يفتح المشروع آفاقا استراتيجية أوسع، من خلال ربط الجنوب الغربي بالشمال، وإمكانية إدماجه مستقبلا في ممرات لوجستية إقليمية تمتد نحو الساحل والمحيط الأطلسي، بما يجعل من الجزائر فاعلا مؤثرا في سوق الحديد الإقليمية والدولية. وفي ختام هذا المسار الطويل، يبرز مشروع غارا جبيلات بوصفه أكثر من مجرد استغلال لمنجم حديدي ضخم، بل كترجمة فعلية لتحوّل عميق في فلسفة التنمية الوطنية. فبعد عقود من التأجيل والتردد المرتبطين بصعوبات الجغرافيا والكلفة واللوجستيك، انتقلت الجزائر إلى مرحلة الفعل، حيث تحوّل “الحلم البعيد المنال” إلى واقع ميداني قائم على التخطيط، والتمويل الوطني، وتعبئة الكفاءات الجزائرية، في انسجام واضح مع شراكات مدروسة. هذا الانتقال من الفكرة إلى الإنجاز يعكس تحوّل الدولة من منطق انتظار الفرص إلى منطق صناعتها. ويُظهر المشروع، في بعده الاقتصادي والاجتماعي، قدرة حقيقية على إحداث أثر متراكم يتجاوز أرقام الإنتاج والعائدات المالية. فغارا جبيلات يُعيد الاعتبار للجنوب الغربي كفضاء منتج ومندمج في الدورة الاقتصادية الوطنية، من خلال خلق مناصب شغل مباشرة وغير مباشرة، وتحفيز أنشطة مرافقة في النقل والخدمات والصناعات التحويلية، إلى جانب تحسين البنى التحتية الأساسية. كما يفتح المجال أمام بروز أقطاب صناعية ولوجستية جديدة، قادرة على امتصاص الاستثمارات العمومية والخاصة، وإعادة توزيع التنمية بشكل أكثر توازنًا بين مختلف مناطق الوطن. يمثّل غارا جبيلات عنوانا لمرحلة جديدة في مسار الجزائر التنموي، مرحلة تقوم على تثمين الثروة الوطنية بدل تصديرها خاما، وعلى بناء اقتصاد منتج ومتنوع، أقلّ ارتهانا لتقلبات المحروقات وأكثر ارتباطا بالقدرات الذاتية. وبين إرث الرؤية التي حملها الرئيس الراحل هواري بومدين، وتجسيدها العملي في عهد الرئيس عبد المجيد تبون، تتأكد معالم خيار استراتيجي واضح: تحويل الموارد الطبيعية إلى دعامة سيادية مستدامة، تُرسّخ مكانة الجزائر الاقتصادية، وتمنح الأجيال القادمة قاعدة صلبة للبناء والاستمرار.

مصطفى. ع