إطلاق ثاني أقمار Alsat عالي الدقة في أقل من شهر..

الجزائر تُرسّخ سيادتها الفضائية عمليا

الجزائر تُرسّخ سيادتها الفضائية عمليا
  • وتيرة غير مسبوقة في البرنامج الفضائي الوطني تؤكد الانتقال من الرمزية إلى الفعل

 

  • الأقمار عالية الدقة تعيد رسم علاقة الدولة بالمعطيات السيادية

 

  • تكامل مدني–عسكري يضع الفضاء في قلب الرؤية الاستراتيجية للجزائر

 

  • متابعة ميدانية من أعلى مستوى تعكس أولوية الملف الفضائي

تابع الوزير المنتدب لدى وزير الدفاع الوطني، رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي، الفريق أول السعيد شنقريحة، السبت، من المحطة الأرضية للاستشعار عن بعد، عملية إطلاق القمر الصناعي الثاني Alsat-3B، في خطوة جديدة تعكس تسارع وتيرة بناء القدرات الوطنية في مجال المراقبة الفضائية عالية الدقة، وترسّخ توجه الجزائر نحو امتلاك أدوات سيادية متقدمة في مجالات التكنولوجيا والاستشراف.

في هذا السياق، جاء إطلاق القمر الصناعي Alsat-3B استكمالا لمسار وطني شرعت فيه الجزائر منذ سنوات، يهدف إلى بناء منظومة متكاملة لمراقبة الأرض بدقة عالية، تخدم الأغراض المدنية والعلمية والأمنية على حد سواء، ضمن رؤية تقوم على التحكم السيادي في البيانات الفضائية وتقليص الاعتماد على المصادر الخارجية.

 

وجرت عملية الإطلاق صباح يوم السبت 31 جانفي 2026، على الساعة الخامسة ودقيقة واحدة بالتوقيت المحلي، من قاعدة الإطلاق الصينية جيوغوان الواقعة شمال غرب الصين، وهو التوقيت نفسه الذي اعتمد في إطلاق القمر الصناعي الأول Alsat-3A بتاريخ 15 جانفي الجاري، ما يعكس انتظام البرنامج الزمني المعتمد لهذا المشروع الفضائي. وتُعد هذه العملية الثانية من نوعها في أقل من شهر، وهو ما يمنح البرنامج الفضائي الجزائري ديناميكية غير مسبوقة، سواء من حيث وتيرة الإنجاز أو من حيث القدرة على الالتزام بالآجال التقنية المعقدة المرتبطة بعمليات الإطلاق والتشغيل الأولي للأقمار الصناعية. وقد تابع الفريق أول السعيد شنقريحة عملية الإطلاق من المحطة الأرضية للاستشعار عن بعد، عقب استقباله من طرف قائد الناحية العسكرية الأولى، اللواء علي سيدان، حيث قُدمت له عروض تقنية مفصلة حول خصائص القمر الصناعي Alsat-3B ومهامه الأساسية، بحضور سفير جمهورية الصين الشعبية وعدد من المسؤولين العسكريين والمدنيين. ويأتي Alsat-3B ضمن منظومة مراقبة الأرض عالية الدقة، التي تهدف إلى توفير صور وبيانات دقيقة تُستخدم في مجالات متعددة، من بينها تسيير الكوارث الطبيعية، التخطيط العمراني، مراقبة الموارد الطبيعية، دعم الأنشطة الفلاحية، إلى جانب الاستعمالات ذات الصلة بالأمن والدفاع. ويُبرز نجاح عمليتي الإطلاق المتتاليتين قدرة الجزائر على إدارة مشاريع فضائية مركبة، بالتنسيق مع شركاء دوليين، في إطار نقل الخبرة والتكنولوجيا، مع ضمان مشاركة الكفاءات الوطنية في مختلف مراحل التحضير، الإطلاق، والتشغيل. وفي هذا الإطار، تندرج هذه الإنجازات ضمن مسار متكامل لتدعيم القدرات الوطنية في مجال المراقبة الفضائية، واستكمال هيكلة منظومة الاستشعار عن بعد، بما يسمح بالتحكم الفعلي في تشغيل الأقمار الصناعية ومختلف أنظمتها الفرعية. كما أشار الفريق أول السعيد شنقريحة إلى أن رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، تابع عن كثب مراحل التحضير وتجسيد هذا المشروع، ووجّه تهانيه وتشجيعاته لكافة الإطارات والكفاءات التي ساهمت في إنجاحه، معتبرًا إياه مكسبًا استراتيجيًا يضاف إلى رصيد الإنجازات الوطنية. ويمثل هذا التقدم في المجال الفضائي امتدادًا لسياسة الدولة الرامية إلى الاستثمار في القطاعات التكنولوجية ذات القيمة المضافة العالية، باعتبارها رافعة أساسية لتعزيز الاستقلالية الاستراتيجية وبناء اقتصاد قائم على المعرفة والتحكم في أدوات الاستشراف. ويأتي إطلاق Alsat-3B في ظرف تشهد فيه الجزائر إطلاق مشاريع هيكلية كبرى في مجالات الصناعة، الطاقة، والبنية التحتية، ما يعكس تقاطع الرؤية الوطنية بين تطوير الأرض وتعزيز الحضور في الفضاء، ضمن تصور شامل لجزائر صاعدة، سيدة في قراراتها وخياراتها الاستراتيجية.

 

سيادة فضائية تتكرّس.. من امتلاك المعطيات إلى التحكم في القرار

يعكس إدخال القمر الصناعي Alsat-3B الخدمة انتقال الجزائر من مرحلة الاستفادة من المعطيات الفضائية إلى مرحلة التحكم السيادي فيها، وهو تحول نوعي في بيئة دولية باتت فيها البيانات عالية الدقة أداة مركزية في صناعة القرار. فامتلاك منظومة وطنية لمراقبة الأرض لا يختصر فقط كلفة الحصول على الصور والمعطيات، بل يمنح هامشًا أوسع في توقيت استخدامها، ودقتها، وطبيعة توظيفها وفق الأولويات الوطنية. ويُظهر هذا التطور أن المقاربة الجزائرية في المجال الفضائي لم تعد تقنية بحتة، بل أصبحت جزءا من رؤية سيادية أشمل، تقوم على تقليص التبعية التكنولوجية وتعزيز الاستقلالية الاستراتيجية. فالمراقبة الفضائية اليوم ترتبط مباشرة بالأمن الغذائي، إدارة الموارد المائية، التخطيط العمراني، ومتابعة المخاطر البيئية، وهي ملفات لا يمكن فصلها عن متطلبات السيادة الوطنية في بعدها الحديث. وفي هذا السياق، يكتسب تتابع عمليتي إطلاق Alsat-3A وAlsat-3B دلالة خاصة، إذ يعكس قدرة الدولة على الالتزام ببرنامج فضائي متكامل، لا يقوم على الإنجاز الظرفي بل على التراكم المنهجي. وهو ما يؤشر إلى أن الجزائر لا تنظر إلى الفضاء كواجهة رمزية، بل كأداة عملية لإعادة ترتيب علاقتها بالمعطيات الاستراتيجية، وتحويل التكنولوجيا الفضائية إلى عنصر فاعل في منظومة القرار والتنمية. تكامل مدني–عسكري.. الفضاء كرافعة للأمن والتنمية معًا

 

ويبرز برنامج Alsat-3 بوصفه نموذجًا واضحًا لتكامل الأبعاد المدنية والعسكرية في استخدام التكنولوجيا الفضائية، حيث لم يعد القمر الصناعي أداة حصرية للأغراض الدفاعية، ولا مجرد وسيلة علمية مدنية، بل منصة مشتركة تخدم مقاربة شاملة للأمن والتنمية. فالمعطيات التي توفرها منظومة الاستشعار عن بعد عالية الدقة يمكن توظيفها في مراقبة الحدود، متابعة التحركات غير النظامية، ورصد التغيرات الميدانية، بالتوازي مع استخدامها في التخطيط الفلاحي وإدارة الموارد الطبيعية. هذا التكامل يعكس تحولا في العقيدة الاستراتيجية، يقوم على فهم موسع لمفهوم الأمن الوطني، باعتباره منظومة مترابطة تشمل الأمن الغذائي، المائي، البيئي، والطاقوي. فصور الأقمار الصناعية، حين تُستغل بشكل متقاطع بين القطاعات، تتيح قراءة أدق للواقع الميداني، وتساعد على استباق المخاطر بدل الاكتفاء بردّ الفعل، سواء تعلق الأمر بفيضانات محتملة، تصحر، أو ضغط عمراني غير منظم. ومن هذا المنظور، فإن إشراف المؤسسة العسكرية، ممثلة في رئاسة أركان الجيش الوطني الشعبي، على متابعة إطلاق القمر الصناعي، لا يعكس طابعًا تقنيًا فحسب، بل يؤكد إدماج الفضاء ضمن أدوات التخطيط الاستراتيجي للدولة. وهو إدماج يهدف إلى بناء منظومة معلوماتية موحدة، تُعزّز التنسيق بين مختلف الفاعلين، وتحوّل المعطيات الفضائية من صور جامدة إلى عناصر فاعلة في دعم القرار العمومي وصياغة السياسات طويلة المدى.

 

سيادة تكنولوجية تتشكل.. من اقتناء الأقمار إلى امتلاك المعرفة

كما يمثل إطلاق القمر الصناعي Alsat-3B خطوة إضافية في مسار ترسيخ السيادة التكنولوجية، حيث لم يعد الرهان محصورًا في امتلاك أقمار صناعية جاهزة، بل في التحكم المتدرج في المعرفة المرتبطة بتشغيلها، صيانتها، واستثمار بياناتها. فالتجربة المتراكمة من إطلاق Alsat-3A ثم Alsat-3B في فترة زمنية وجيزة تعكس انتقال الجزائر من مرحلة التعلم بالمرافقة إلى مرحلة أكثر نضجًا في إدارة المنظومات الفضائية المعقدة. هذا المسار يعكس إدراكًا رسميًا بأن السيادة في الفضاء لا تُقاس بعدد الأقمار فقط، بل بقدرة الكفاءات الوطنية على استغلالها دون تبعية تقنية دائمة. فإشراك إطارات الوكالة الفضائية الجزائرية ومصالح الجيش الوطني الشعبي في مختلف مراحل المشروع، من التحضير إلى التشغيل، يهدف إلى تحويل الشراكة الدولية من علاقة توريد إلى شراكة نقل معرفة، تمهّد مستقبلاً لتطوير حلول محلية، وربما أقمار بتصميم جزائري جزئي أو كامل. وفي هذا السياق، يكتسب التعاون مع الصين بعدًا استراتيجيًا يتجاوز الجانب التقني، ليصبح رافعة لتسريع منحنى التعلم الوطني في مجال الفضاء. فالتكامل بين الإرادة السياسية، الاستثمار في العنصر البشري، والانفتاح المدروس على الشركاء الدوليين، يشكّل قاعدة صلبة لبناء استقلالية تكنولوجية تدريجية، تجعل من الفضاء أداة سيادية بامتياز، لا مجرد مشروع تقني معزول عن الرؤية الشاملة للدولة.

 

تعدد الاستخدامات يوسّع أثر الاستثمار

لا يقتصر أثر الأقمار الصناعية من فئة Alsat-3 على الجانب التقني البحت، بل يمتد ليشمل أبعادًا استراتيجية تمسّ الأمن القومي والتنمية الاقتصادية في آن واحد. فامتلاك قدرات عالية الدقة في مراقبة الأرض يوفّر للدولة أدوات فعالة لدعم اتخاذ القرار، سواء في مجالات التخطيط العمراني، مراقبة الحدود، أو إدارة المخاطر الطبيعية. هذا التداخل بين الاستخدامات المدنية والأمنية يعكس تحوّل الفضاء إلى عنصر مركزي في منظومة السيادة الشاملة. ومن زاوية اقتصادية، تتيح البيانات الفضائية إمكانات واسعة لتحسين كفاءة القطاعات الحيوية، مثل الفلاحة، الموارد المائية، والطاقة. فالصور عالية الدقة تسمح بمتابعة المحاصيل، تقدير الإنتاج، ورصد التغيرات البيئية بشكل آني، ما يحدّ من الهدر ويعزّز مردودية الاستثمارات. ومع تراكم الخبرة في تحليل هذه البيانات محليًا، يمكن الانتقال من استهلاك المعطيات إلى إنتاج خدمات ذات قيمة مضافة، تفتح آفاقًا لاقتصاد معرفي ناشئ مرتبط بالفضاء. أما على مستوى الحوكمة، فإن توظيف المعطيات الفضائية يساهم في تعزيز الشفافية ورفع جودة السياسات العمومية، عبر إسناد القرارات إلى معطيات دقيقة وقابلة للتحقق. هذا التحول من التقدير إلى القياس، ومن الحدس إلى المعلومة، يمنح الإدارة أدوات حديثة لمواكبة التعقيدات المتزايدة في إدارة الإقليم والموارد. وبذلك، لا يُقرأ إطلاق Alsat-3B كحدث تقني معزول، بل كاستثمار طويل المدى في بنية تحتية معرفية تعيد رسم علاقة الدولة بالفضاء، بوصفه رافعة للأمن والتنمية معًا.

 

الجزائر في سباق الفضاء الإقليمي.. تموضع جديد في معادلات القوة والتكنولوجيا

ويضع نجاح إطلاق القمر الصناعي Alsat-3B الجزائر في موقع متقدّم ضمن السباق الإقليمي نحو امتلاك أدوات التكنولوجيا الفضائية، في محيط جغرافي يشهد تزايدًا في الاعتماد على الفضاء كعنصر من عناصر القوة الشاملة. فالدول التي تستثمر في الأقمار الصناعية لا تسعى فقط إلى امتلاك صور وبيانات، بل إلى ترسيخ حضورها في معادلات النفوذ، حيث أصبحت المعلومة الدقيقة والآنية أحد مفاتيح التأثير في العلاقات الدولية. وفي هذا السياق، يعكس المسار الفضائي الجزائري توجّهًا مدروسًا يقوم على التراكم والانتظام، بدل القفزات الظرفية. فإطلاق قمرين صناعيين عاليي الدقة في ظرف زمني وجيز يعكس قدرة على التخطيط والتنفيذ، ويمنح الجزائر هامش مناورة أوسع في التعامل مع التحديات الإقليمية، سواء المرتبطة بالأمن الحدودي، أو بإدارة الموارد الطبيعية العابرة للأقاليم. هذا التموقع يعزّز صورة الجزائر كدولة تسعى إلى امتلاك أدوات سيادية مستقلة، بعيدًا عن الارتهان التكنولوجي. وعلى المدى الأبعد، يفتح هذا الإنجاز الباب أمام انتقال نوعي من مجرد مستخدم للتكنولوجيا الفضائية إلى فاعل مشارك في صناعتها وتطويرها. فامتلاك الخبرة التشغيلية والتحكم في المنظومات المعقّدة يشكّل قاعدة يمكن البناء عليها لتوسيع التعاون العلمي، وتطوير الكفاءات الوطنية، وربما الانخراط مستقبلًا في برامج إقليمية أو قارية مشتركة. وبهذا المعنى، فإن Alsat-3B لا يُقرأ فقط كقمر صناعي جديد، بل كعلامة على تحوّل استراتيجي يربط الفضاء برؤية أوسع لمكانة الجزائر في عالم تتزايد فيه أهمية التكنولوجيا كأداة للقوة والسيادة.

 

Peut être une image de textePeut être une image de une personne ou plus et texteAucune description de photo disponible.Aucune description de photo disponible.Peut être une image de table, éclairage et salle de pressePeut être une image de le Bureau ovale et texte qui dit ’L 兵 መ’Peut être une image de texte qui dit ’TEE THE I T I TTTE’Peut être une image de haut-parleur, avion et textePeut être une image de textePeut être une image de ‎texte qui dit ’‎الوطني صناعي‎’‎