-
بين صعود الناتج المحلي وثقل الاستثمار.. الجزائر تعزز موقعها في المشهد الإفريقي
حلّت الجزائر في المرتبة الثالثة ضمن أكثر الدول ازدهارا في إفريقيا سنة 2026 برصيد 54.24 نقطة وفق مؤشر “HelloSafe”، في وقت تشير فيه بيانات صندوق النقد الدولي إلى بلوغ ناتجها المحلي 915 مليار دولار وفق تعادل القدرة الشرائية، مع توقعات بتجاوزه 1000 مليار بحلول 2029، إلى جانب تصنيفها ثالث أكبر اقتصاد إفريقي جذبا للاستثمار، ما يضعها ضمن الدول المحورية في خريطة الاقتصاد الإفريقي.
في هذا السياق، يبرز تصنيف الجزائر في المرتبة الثالثة إفريقيا ضمن مؤشر “HelloSafe” للازدهار لسنة 2026 كأحد أبرز المؤشرات الرقمية التي تعكس موقعها الاقتصادي، حيث حصلت على 54.24 نقطة، وهو ما يضعها مباشرة خلف سيشيل المتصدرة بـ98.09 نقطة وموريشيوس في المرتبة الثانية بـ77.09 نقطة، في ترتيب يعتمد على مقياس من 0 إلى 100 لقياس مستوى الرفاه الاقتصادي والاجتماعي في الدول الإفريقية.
ويُظهر هذا الفارق في النقاط بين الجزائر والدولتين المتصدرتين اختلافا في طبيعة النماذج الاقتصادية، إذ تعتمد سيشيل وموريشيوس على قطاعات خدماتية وسياحية ذات قيمة مضافة عالية وتوزيع دخل أكثر توازنا، بينما تستند الجزائر في تصنيفها إلى قاعدة اقتصادية مختلفة، قائمة أساسا على موارد طبيعية كبيرة، خاصة في قطاع المحروقات. ويعتمد المؤشر على مجموعة من المعايير الدقيقة التي تشمل الناتج المحلي الإجمالي، والدخل القومي، ومؤشر التنمية البشرية، إضافة إلى توزيع الدخل ومستويات الفقر، وهو ما يجعل هذا التصنيف مركبا يعكس ليس فقط حجم الاقتصاد، بل أيضا جودة توزيع الثروة ومستوى الرفاه داخل المجتمع. وبناء على هذه المعايير، يعكس موقع الجزائر في المرتبة الثالثة توازنا بين قوة المؤشرات الاقتصادية الكلية من جهة، ومستوى الأداء الاجتماعي من جهة أخرى، حيث ساهمت الإيرادات المرتبطة بالهيدروكربونات في دعم الإنفاق العمومي والبرامج الاجتماعية، ما انعكس نسبيا على تقليص الفوارق، دون أن يلغي في الوقت ذاته التحديات المرتبطة بتحسين مؤشرات التنمية الشاملة.
خريطة إفريقيا الاقتصادية.. ترتيب يكشف توازنات الأرقام
وبالانتقال إلى قراءة أوسع داخل القارة، يُظهر ترتيب مؤشر “HelloSafe” لبقية الدول الإفريقية ملامح خريطة اقتصادية متباينة، حيث جاءت الغابون في المرتبة الرابعة بـ52.45 نقطة، مستفيدة من ثروتها النفطية وقلة عدد سكانها، تلتها مصر في المرتبة الخامسة بـ52.17 نقطة، مدعومة بحجم اقتصادها الكبير والإصلاحات الاقتصادية الجارية رغم الضغوط المرتبطة بالتضخم وسعر الصرف.
كما احتلت ليبيا المرتبة السادسة بـ46.61 نقطة، وهو ترتيب يعكس تأثير عدم الاستقرار السياسي على الأداء الاقتصادي، رغم امتلاكها احتياطيات نفطية معتبرة، في حين جاءت تونس في المرتبة السابعة بـ45.19 نقطة، في ظل تباطؤ النمو الاقتصادي وارتفاع معدلات البطالة، ما أثر على مستوى الرفاه الاقتصادي والاجتماعي. وفي المرتبة الثامنة، حلت بوتسوانا بـ41.92 نقطة، مستفيدة من استقرارها الاقتصادي القائم على صادرات الماس، بينما جاء المغرب في المرتبة التاسعة بـ36.73 نقطة، وهو ما يعكس استمرار الفوارق الاجتماعية. أما جنوب إفريقيا، التي تعد من أكبر الاقتصادات الصناعية في القارة، فقد جاءت في المرتبة العاشرة بـ26.53 نقطة، متأثرة بتحديات داخلية تشمل البطالة المرتفعة وعدم المساواة وأزمة الطاقة، وهو ما يبرز أن حجم الاقتصاد وحده لا يكفي لتحقيق مستويات عالية من الازدهار، في ظل أهمية العوامل الاجتماعية والمؤسساتية في تحديد موقع الدول ضمن هذا التصنيف.
915 مليار دولار.. الجزائر ضمن كبار الاقتصادات بالقوة الشرائية
وفي موازاة هذه المؤشرات، تبرز معطيات صندوق النقد الدولي الخاصة بالناتج المحلي الإجمالي وفق معيار تعادل القدرة الشرائية كأحد أهم المؤشرات التي تعكس الحجم الحقيقي للاقتصاد الجزائري، حيث يُقدَّر هذا الناتج بـ915 مليار دولار خلال سنة 2026، وهو رقم يضع الجزائر ضمن أكبر الاقتصادات في إفريقيا من حيث القدرة الإنتاجية والاستهلاكية الفعلية.
وبحسب هذه التقديرات، تحتل الجزائر المرتبة الرابعة عربيا، كما تتواجد ضمن الرباعي الأول إفريقيا إلى جانب نيجيريا ومصر وجنوب إفريقيا، وهو ما يؤكد ثقلها الاقتصادي على مستوى القارة، خاصة عند اعتماد معيار يأخذ بعين الاعتبار الفوارق في تكاليف المعيشة ومستوى الأسعار، بدل الاكتفاء بسعر الصرف الرسمي. ويُعد معيار تعادل القدرة الشرائية أداة تحليلية أكثر دقة لقياس حجم الاقتصادات، حيث يقوم على تعديل قيمة الناتج المحلي الإجمالي وفق مستوى المعيشة الحقيقي، ما يسمح بتقييم أدق لقدرة الدولة على الإنتاج والاستهلاك داخليا، مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي الاسمي الذي يُقدّر بالنسبة للجزائر بأكثر من 285 مليار دولار خلال 2026. وعلى المستوى العالمي، يُتوقع أن تحتل الجزائر المرتبة الـ39 في تصنيف الناتج المحلي الإجمالي وفق تعادل القدرة الشرائية لسنة 2026، صعودا من المرتبة الـ40 في 2025، وهو ما يعكس تحسنا تدريجيا في موقعها ضمن الاقتصاد العالمي، مدفوعا بقدرات إنتاجية معتبرة، رغم التحديات المرتبطة بتركيبة الاقتصاد ومصادر نموه.
نحو 1000 مليار.. مسار تصاعدي بالأرقام حتى 2029
وفي امتداد لهذه المؤشرات، تكشف توقعات صندوق النقد الدولي عن مسار تصاعدي واضح للاقتصاد الجزائري خلال السنوات المقبلة، حيث يُنتظر أن يرتفع الناتج المحلي الإجمالي وفق معيار تعادل القدرة الشرائية من 915 مليار دولار في 2026 إلى 956 مليار دولار في 2027، ما يعكس استمرار وتيرة النمو في المدى القريب.
ويُتوقع أن يواصل هذا المنحى التصاعدي خلال سنة 2028، ليبلغ الناتج نحو 998 مليار دولار، مقتربا بذلك من عتبة 1000 مليار دولار، وهي مرحلة مفصلية من حيث الحجم الاقتصادي، تعكس توسع القاعدة الإنتاجية وزيادة القدرة الاستهلاكية داخل السوق الوطنية. وبحسب نفس التقديرات، فإن الاقتصاد الجزائري مرشح لتجاوز هذا الحاجز خلال سنة 2029، ليصل إلى 1041 مليار دولار، ما يضعه ضمن فئة الاقتصادات التي تتجاوز عتبة التريليون دولار وفق معيار تعادل القدرة الشرائية، وهو ما يعزز مكانته ضمن الاقتصادات الكبرى في القارة وعلى المستوى الدولي. وتعكس هذه الأرقام مسارا تدريجيا مستقرا، يقوم على تحقيق زيادات سنوية متتالية، وهو ما يشير إلى ديناميكية اقتصادية قائمة على استمرارية النمو، مدعومة بعوامل متعددة، من بينها تحسن الأداء الكلي، واستمرار الطلب الداخلي، إلى جانب الجهود المبذولة لتعزيز الإنتاج الوطني خلال السنوات القادمة.
المرتبة الثالثة في جذب الاستثمار.. أرقام تعكس الثقة الدولية
وفي موازاة هذا الأداء الكلي، تعكس مؤشرات جاذبية الاستثمار موقع الجزائر ضمن الدول الإفريقية الأكثر استقطابا لرؤوس الأموال، حيث احتلت المرتبة الثالثة إفريقيا في مؤشر جاذبية الاستثمار لسنة 2025، في تصنيف يضم كبرى الاقتصادات ويقيس قدرة الدول على جذب الشركات متعددة الجنسيات والمستثمرين الأجانب.
وعلى المستوى العالمي، جاءت الجزائر في المرتبة 78 من أصل 146 اقتصادا، متقدمة بمركز واحد مقارنة بسنة 2024 حين كانت في المرتبة 79، مع تسجيل تحسن في رصيدها من 27.6 نقطة إلى 30 نقطة، وهو ما يعكس تطورا تدريجيا في مؤشرات الثقة المرتبطة بالبيئة الاستثمارية. كما أظهرت البيانات تفوق الجزائر إقليميا، حيث جاءت في صدارة الدول المغاربية متقدمة على المغرب وتونس، إضافة إلى تقدمها على اقتصادات إفريقية كبرى مثل جنوب إفريقيا ونيجيريا وغانا وساحل العاج، وهو ما يعكس تحسنا في جاذبية السوق الجزائرية مقارنة بمحيطها الإقليمي والقاري. ويستند هذا الترتيب، إلى مجموعة من العوامل، من بينها استقرار الاقتصاد الكلي، وتقدم الإصلاحات القطاعية، وتحسن بيئة الأعمال، إلى جانب الانتعاش الصناعي، وهي مؤشرات تعزز مصداقية الاقتصاد الوطني لدى المستثمرين، وتدعم توجهه نحو جذب مزيد من الاستثمارات في مختلف القطاعات.
موارد قوية وأرقام صاعدة.. وتحدي التنويع مستمر
وفي ضوء هذه المؤشرات المتعددة، يبرز عامل الموارد الطبيعية، وعلى رأسها الهيدروكربونات، كأحد الركائز الأساسية التي يقوم عليها الأداء الاقتصادي للجزائر، حيث تساهم عائدات النفط والغاز بشكل مباشر في تمويل الإنفاق العمومي والبرامج الاجتماعية، وهو ما ينعكس على مستويات الدخل وتقليص الفوارق بشكل نسبي.
وقد مكنت هذه الموارد من دعم استقرار المؤشرات الكلية، خاصة في ما يتعلق بالقدرة على تمويل المشاريع العمومية والحفاظ على التوازنات الاجتماعية، وهو ما يظهر في تصنيف الجزائر ضمن الدول الأكثر ازدهارا، رغم الفوارق المسجلة مع اقتصادات تعتمد بشكل أكبر على التنوع والإنتاج ذي القيمة المضافة العالية. غير أن هذه المعطيات، في المقابل، تطرح تحديا هيكليا يتمثل في ضرورة تسريع وتيرة تنويع الاقتصاد، وتقليص الاعتماد على عائدات المحروقات، خاصة في ظل التقلبات التي تعرفها الأسواق العالمية للطاقة، وهو ما ينعكس على استقرار الإيرادات على المدى المتوسط والبعيد. وفي هذا الإطار، تبرز أهمية التحولات الاقتصادية الجارية، المرتبطة بتطوير القطاعات الصناعية والفلاحية والخدماتية، بما يسمح بتحقيق توازن أكبر في هيكلة الاقتصاد، ويعزز قدرة الجزائر على تحسين موقعها في المؤشرات الدولية مستقبلا، انطلاقا من قاعدة إنتاجية أكثر تنوعا واستدامة.
موقع محوري بأرقام متصاعدة
وفي ضوء هذه المعطيات المتقاطعة، يتضح أن الجزائر باتت تحتل موقعا محوريا في خريطة الاقتصاد الإفريقي، مدعومة بتصنيفات متقدمة في مؤشرات الازدهار، وحجم اقتصادي معتبر بلغ 915 مليار دولار وفق تعادل القدرة الشرائية، إلى جانب حضورها ضمن الدول الأكثر جذبا للاستثمار.
هذه الأرقام، مجتمعة، تعكس ثقلا اقتصاديا يتجاوز حدود التصنيفات الظرفية، ويضع الجزائر ضمن الدول المؤثرة في التوازنات الاقتصادية للقارة. كما يعكس هذا الموقع، قدرة الاقتصاد الجزائري على الجمع بين عدة عناصر قوة، تشمل وفرة الموارد الطبيعية، واتساع السوق الداخلية، وتحسن المؤشرات الكلية، وهو ما يترجم في تصنيفات دولية متقدمة ومكانة متنامية داخل إفريقيا. ويعزز هذا المسار التوقعات ببلوغ الاقتصاد الجزائري عتبة 1000 مليار دولار خلال السنوات القادمة، ما من شأنه ترسيخ حضوره ضمن الاقتصادات الكبرى في القارة. غير أن هذا الدور المحوري، يظل مرتبطًا بمدى قدرة الجزائر على تحويل هذه المؤشرات إلى نموذج اقتصادي أكثر تنوعا واستدامة، قادر على تعزيز القيمة المضافة خارج قطاع المحروقات. وفي هذا الإطار، تبدو المرحلة القادمة حاسمة في تثبيت موقع الجزائر كقوة اقتصادية إفريقية صاعدة، ليس فقط بحجم أرقامها، بل بقدرتها على إعادة تشكيل توازنات النمو داخل القارة.
مصطفى. ع