اليوم العالمي يكشف رسائل الدولة الصارمة

الجزائر.. معركة لا تهدأ ضد الفساد

الجزائر.. معركة لا تهدأ ضد الفساد

تخوض الجزائر اليوم واحدة من أكثر معاركها حسما في بناء الدولة الحديثة، معركة تستهدف اقتلاع جذور الفساد الذي تشكّل عبر عقدين وأثّر في المال العام وهيبة المؤسسات وثقة المواطنين.

فمنذ الحراك الشعبي 2019 انتقل ملف مكافحة الفساد من مطلب شعبي إلى سياسة دولة تُدار بإرادة واضحة من أعلى هرم السلطة، حيث كشف رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون في تصريحات سابقة أرقاما صادمة عن حجم التوريد المزيف الذي التهم 62 مليار دولار، مقابل استرجاع نحو 30 مليار دولار من الأموال والعقارات المنهوبة داخل البلاد وخارجها. ومع نشر الديوان المركزي لقمع الفساد حصيلة أربع سنوات من التحقيقات والإجراءات الصارمة -من منع السفر وتجميد الحسابات إلى الحجز على العقارات- تتأكد حقيقة أن الجزائر دخلت مرحلة جديدة لا مكان فيها للإفلات من العقاب، وأن الحرب على الفساد لم تعد ظرفية أو موجهة ضد أفراد بعينهم، بل مسار إصلاحي مستمر يؤسس لشفافية أقوى وحوكمة تحمي المال العام وتعيد الاعتبار لهيبة الدولة. لم تكن الحرب على الفساد التي تخوضها الجزائر اليوم وليدة اللحظة، بل هي امتداد طبيعي لتحول اجتماعي وسياسي بدأ مع الحراك الشعبي في فيفري 2019، حين رفع الجزائريون صوتهم ضد منظومة حكم استهلكتها شبكات المصالح والمال غير المشروع. في تلك اللحظة المفصلية، أدركت الدولة أن استعادة الثقة لا يمكن أن تتم دون فتح الملفات الثقيلة التي راكمت الاحتقان، ودون معالجة الاختلالات التي مكّنت قلة من استنزاف مقدرات البلاد. تحول الشارع إلى قوة ضاغطة، ودفع المؤسسات نحو إعادة ضبط بوصلة عملها وفق معايير النزاهة والمساءلة. ومع انتخاب رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، انتقل الملف من شعار شعبي إلى خطة دولة ذات ملامح واضحة، تستند إلى تفكيك مراكز النفوذ التي ترسخت لسنوات. بدأت العدالة في محاكمة رموز سياسية واقتصادية كانت تشكل أعمدة المنظومة السابقة، وهو ما شكل سابقة في تاريخ البلاد الحديث. فالدولة أرادت أن تعلن أن لا أحد فوق القانون، وأن حماية المال العام التزام عملي قابل للقياس بالأرقام والإجراءات. غير أن المفاجأة الكبرى لم تكن في عدد المتابعين أو حجم القضايا المفتوحة، بل في حجم النزيف المالي الذي كشفته التحقيقات، والذي بيّن أن الفساد لم يكن مجرد انحرافات فردية، بل منظومة متكاملة هندست طرقاً معقدة لتهريب الأموال تحت غطاء التوريد والاستثمار. هنا برزت أهمية المعركة الجديدة: الانتقال من محاكمة الأفراد إلى معالجة البنية التي أنتجت الفساد، وهي الخطوة التي منحت مكافحة الفساد بعدها المؤسساتي والاستراتيجي. ومع مرور السنوات، اتضح أن الدولة الجديدة لا تسعى فقط إلى إغلاق ملفات الماضي، بل إلى منع تكرارها عبر بناء آليات ردع حديثة، وتطوير منظومات المراقبة والحوكمة. لقد تحولت المواجهة من رد فعل إلى رؤية شاملة، تتبناها كل مؤسسات الدولة، وتستند إلى قناعة مفادها أن مكافحة الفساد ليست معركة سياسية ظرفية، بل الطريق الوحيد لاستعادة ثقة المواطنين وبناء اقتصاد حقيقي يتحرر من قبضة المصالح الضيقة.

 

أرقام صادمة تكشف عمق النزيف

فتحت تصريحات رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، الأخيرة نافذة واسعة على حجم الفساد الذي نخر الاقتصاد الوطني لعقود، حين كشف أن الجزائر كانت تصرف 62 مليار دولار على عمليات توريد، أغلبها مزيف ومفتعل من قبل رجال أعمال استغلوا ضعف الرقابة لنهب خزينة الدولة. هذا الرقم هو شهادة صارخة على مدى اختراق منظومة الفساد لمفاصل الاقتصاد، وكيف تحولت بعض المؤسسات الخاصة إلى أدوات لتبييض الأموال وتهريبها تحت غطاء الاستيراد الوهمي. لقد أظهر هذا الكشف أن الخسائر لم تكن تقنية أو محصورة في الصفقات، بل كانت تمسّ عمق التنمية الوطنية وتعطل قدرة الدولة على الاستثمار في بناء اقتصاد منتج. وفي مقابل هذا النزيف الكبير، ظهرت نتائج المعركة على أرض الواقع مع استرجاع نحو 30 مليار دولار من الأموال والعقارات المنهوبة داخل البلاد وخارجها، وهي سابقة في تاريخ الجزائر المستقل. فقد سمحت التحركات الدبلوماسية والقانونية بإعادة أصول لم يكن يتوقع أحد أن تعود، منها فندق خمس نجوم في إسبانيا كان ملكاً لأحد رجال الأعمال، واستُخدمت فيه أموال مهربة. هذه الأمثلة تعكس أن الحرب على الفساد انتقلت من الداخل إلى الخارج، وأن الجزائر باتت تُجبر شركاء دوليين على التعاون، في ظل إرادة سياسية قوية لا تتراجع أمام التعقيدات القانونية. كما تكشف هذه الأرقام، أن الفساد لم يكن نشاطاً معزولاً، بل كان منظومة قائمة بذاتها، تنسج شبكات مصالح ممتدة داخل البلاد وخارجها. عمليات التوريد المزيفة لم تُنشأ لنهب المال فحسب، بل لخلق طبقة اقتصادية طفيلية تعتمد على الريع وتتحكم في السوق. ولذلك، فإن تفكيك هذه الشبكات لا يمثل فقط استرجاعاً للمال العام، بل تحريراً للاقتصاد من قبضة الاحتكار، وفتح المجال أمام نموذج جديد يقوم على الإنتاجية والشفافية. وتبرز أهمية هذه المعطيات في كونها تؤسس لوعي جماعي حول خطورة الفساد، وتجعل المواطن شريكاً في إدراك حجم الصراع ومآلاته. فالتعامل الصريح مع الأرقام، سواء المتعلقة بالنزيف أو بالأموال المسترجعة، يعزز مصداقية الدولة ويبرهن على جدية المعركة. ومع ذلك، فإن هذه الحرب القاسية لا تزال في بدايتها، لأن حماية الاقتصاد الوطني تتطلب استكمال حلقات الرقابة وتحديث التشريعات، حتى لا تتكرر سيناريوهات الاستنزاف التي كلفت البلاد مليارات الدولارات.

 

الديوان المركزي لقمع الفساد: أرقام تكشف حجم العمل وعمق التحول

تشير الحصيلة التي نشرها الديوان المركزي لقمع الفساد للفترة الممتدة بين 2020 و2024 إلى تحول جذري في طريقة تعامل الدولة مع قضايا الفساد، إذ لم يعد الملف حكراً على الأجهزة القضائية وحدها، بل بات عملاً مؤسسياً يقوم على آليات متابعة دقيقة ورقابة منتظمة. فمن خلال معالجة 68 قضية فقط، أصدر الديوان 159 أمراً بالمنع من مغادرة التراب الوطني، وهو رقم يعكس اتساع رقعة الشبكات المتورطة، ويؤكد أن التحقيقات لم تعد تستهدف أفراداً معزولين، بل تُفكك منظومات كاملة كانت تعمل لسنوات خارج الرقابة. هذا النوع من الإجراءات الوقائية يشكل أحد أهم أسلحة الدولة لمنع تهريب الأموال وتفادي إعادة إنتاج سيناريوهات الإفلات. كما أظهرت الحصيلة، تلقي الديوان أكثر من 5300 بلاغ خلال أربع سنوات، مع سماع أقوال ما يقارب 2700 شخص، وهو ما يعكس اتساع نطاق المشاركة المجتمعية في الإبلاغ عن التجاوزات، وتزايد الثقة في فعالية المؤسسات الرقابية. فالمواطن الذي كان في السابق يشعر بالعجز أمام نفوذ بعض المتورطين، أصبح اليوم شريكا في كشف المخالفات، بعدما لمست فئات واسعة أن الملفات تُفتح وأن الإجراءات تتحول إلى واقع ملموس. إلى جانب ذلك، تبرز أهمية الإجراءات المالية التي اتخذها الديوان، من تجميد 33 حساباً مصرفياً وعمليات مالية مشبوهة، إلى إصدار 16 أمراً بالحجز على العقارات. هذه التدابير لا تعكس فقط حجم الفساد المالي، بل تكشف أيضاً قدرة الدولة على التحرك بسرعة لتأمين الأصول ومنع تهريبها، وهو ما يجعل الحرب على الفساد حرباً اقتصادية بالدرجة الأولى. فالمال المنهوب لم يعد يختفي بسهولة، بعد أن أصبحت المؤسسات الرقابية مجهزة بآليات قانونية وتقنية تسمح بتتبع التحويلات والوقوف على مصادر الثراء المشبوه. واللافت أن كل هذه الأرقام تُقدَّم للرأي العام ضمن نهج جديد يقوم على الانفتاح وتمكين المواطن من متابعة جهود الدولة في مكافحة الفساد. هذا التحول في التواصل الرسمي لا يقل أهمية عن الإجراءات الميدانية، لأنه يعزز الثقة بين المواطن والمؤسسات، ويرسخ قناعة بأن مكافحة الفساد ليست حملة ظرفية، بل سياسة دولة ثابتة. فحين تُعلن المؤسسات عن قراراتها وأرقامها، فهي لا تبني مصداقيتها فحسب، بل تؤسس أيضاً لثقافة جديدة تجعل النزاهة قيمة مجتمعية قبل أن تكون واجباً قانونيا.

 

تكييف القوانين والرقابة على الثراء: بناء منظومة ردع تمنع تكرار الماضي

لم تعد مكافحة الفساد في الجزائر مقتصرة على معالجة الملفات القديمة أو متابعة المتورطين في شبكات سابقة، بل تجاوزت ذلك نحو بناء منظومة قانونية جديدة تمنع تكرار الانحرافات التي كلفت البلاد مليارات الدولارات. فقد أصبح تكييف القوانين إحدى الركائز الأساسية في هذه المعركة، من خلال تحديث النصوص المتعلقة بالصفقات العمومية، وتشديد الرقابة على مصادر الأموال، وإدراج آليات تسمح بتتبع التحويلات المالية المشبوهة. هذا التحول التشريعي لم يأتِ من فراغ، بل فرضته الحاجة إلى مواجهة أساليب فساد تطورت بمرور الوقت، واتخذت أشكالاً أكثر تعقيداً تتطلب قدرة قانونية وتقنية على الردع. ومن أبرز التطورات في هذا الإطار، تفعيل آلية الرقابة على الثراء غير المشروع، التي تمثل اليوم أحد أهم أسلحة الدولة لمنع استغلال المناصب أو النفوذ في تحقيق مكاسب شخصية غير مبررة. فهذه الآلية تُجبر المسؤولين ورجال الأعمال على تبرير مصادر أموالهم وممتلكاتهم، وتسمح للسلطات المختصة بالتحقيق تلقائياً في حالة وجود تضخم مالي لا ينسجم مع المداخيل المصرح بها. إنها خطوة استراتيجية تنقل المعركة من مجرد ملاحقة بعد وقوع الجريمة، إلى منع وقوع الجريمة أصلاً عبر إغلاق المنافذ التي كان الفساد يتسلل منها لعقود. كما تشكل الرقابة المسبقة على الصفقات العمومية وخطط التوريد نقطة تحول أخرى، إذ لم تعد المؤسسات قادرة على تمرير عمليات استيراد أو مشاريع كبرى دون الخضوع لسلسلة من المراجعات الدقيقة. وقد جاء ذلك كرد مباشر على التجاوزات التي كشفتها الدولة، وعلى رأسها عمليات التوريد المزيفة التي استنزفت 62 مليار دولار من خزينة البلاد. اليوم، أصبحت الصفقات تخضع لرقابة متعددة المستويات، تشمل التدقيق المالي، وتتبع سلسلة التوريد، والتحقق من الأسعار، ما جعل محاولات التحايل أكثر صعوبة وأعلى مخاطرة. وفي ظل هذا الإطار القانوني المتشدد، تتبلور فلسفة جديدة مفادها أن بناء دولة قوية لا يتحقق فقط عبر محاسبة الفاسدين، بل عبر منع الفساد قبل حدوثه، ووضع منظومة ردع مستدامة تحمي المال العام وتعيد الاعتبار للعمل المؤسسي. هذا التوجه يعكس قناعة بأن الماضي لا يجب أن يتكرر، وأن حماية الاقتصاد الوطني تبدأ من حماية المؤسسات من التلاعب. وهكذا تتحول مكافحة الفساد من مجهود ظرفي إلى ثقافة دولة، ومن إجراءات ردعية إلى هندسة قانونية تمنح العدالة أدواتها، وتمنح المواطن ثقة في أن القانون أصبح فوق الجميع دون استثناء.

 

استعادة هيبة الدولة وبناء الثقة العامة: معركة طويلة النفس لا مجال فيها للتراخي

تتجاوز مكافحة الفساد في الجزائر حدود الإجراءات القضائية والمالية لتصل إلى جوهر مشروع الدولة نفسها، إذ تمثل هذه المعركة ركيزة أساسية في استعادة هيبة المؤسسات وإعادة بناء الثقة بين المواطن والسلطة. فالدولة التي تمكنت من كشف نزيف بلغ 62 مليار دولار في عمليات توريد مزيفة، واسترجعت ما يقارب 30 مليار دولار من الأموال والعقارات المهربة، تبعث رسالة واضحة مفادها أن زمن “اللاعقاب” انتهى، وأن حماية المال العام أصبحت أولوية وطنية لا تختزل في الشعارات. هذا الزخم الإصلاحي يعيد رسم العلاقة بين المواطن والدولة على أسس جديدة قائمة على الشفافية والوضوح، بعدما أصبح نشر الأرقام والحصائل جزءاً من السياسة الرسمية. وفي هذا السياق، تبرز أهمية الخطاب السياسي الصادر عن المؤسسات العليا، وعلى رأسها رئاسة الجمهورية ومجلس الأمة، لكونه يؤكد أن معركة مكافحة الفساد ليست ظرفية ولا مرتبطة بمرحلة معينة، بل هي مسار دائم يواكب إعادة تأسيس الدولة الجديدة. تصريحات رئيس مجلس الأمة عزوز ناصري بأن الجزائر ماضية بصرامة في اجتثاث الفساد وصون هيبة الدولة تأتي لتكمل الصورة، وتؤكد أن هذه المواجهة ليست خياراً سياسياً بل التزاماً وطنياً يتقاسمه الجهاز التنفيذي والتشريعي معاً. هذا الانسجام في المواقف يعزز قدرة الدولة على الصمود أمام محاولات تشكيل شبكات نفوذ جديدة. كما أن انفتاح المؤسسات الرقابية على الرأي العام، من خلال نشر حصائل وأرقام تفصيلية، يشكل خطوة استراتيجية في ترسيخ ثقافة النزاهة، إذ يمنح المواطن الحق في المتابعة والمساءلة، ويجعله شريكاً في حماية المال العام. هذا النهج يختلف جذرياً عن ممارسات الماضي، حين كانت ملفات الفساد تحاط بالتعتيم، ويغيب عنها التواصل المؤسسي، الأمر الذي كان يغذي الشكوك ويضعف الثقة في العدالة. اليوم، تمكّن الشفافية الدولة من بناء شرعية جديدة أساسها الوضوح ومكافحة المحسوبية.

.