-
المحروقات تموّل التحول.. والتنويع يبني اقتصاد الغد
تعكس حصيلة الأشهر الأربعة الأولى من سنة 2026 ملامح مسار اقتصادي يتشكل تدريجيا في الجزائر، مدفوعا بارتفاع أسعار الطاقة وما توفره من مداخيل إضافية، مقابل مواصلة تنفيذ مشاريع استثمارية في قطاعات المناجم والصناعة والفلاحة، إلى جانب جهود دعم الصادرات خارج المحروقات وضبط الاستيراد دون إحداث اختلال في السوق.
معطيات متقاطعة تؤشر إلى مواصلة الانتقال الهادئ من اقتصاد يعتمد على الريع والواردات إلى نموذج أكثر تنوعا وإنتاجا.
عرفت أسواق الطاقة العالمية خلال الأشهر الأولى من سنة 2026 تقلبات حادة صبت في مجملها لصالح الدول المصدّرة، حيث استقر متوسط الأسعار خلال الأربعة أشهر الأولى في حدود 90 دولارا للبرميل، قبل أن يسجل سعر أمس نحو 108 دولارات، فيما بلغ سعر نهاية الأسبوع الماضي حوالي 126 دولارا، وهو من أعلى المستويات المسجلة منذ سنوات. هذا الارتفاع المتسارع يعكس حساسية السوق العالمية للتوترات الجيوسياسية، ويمنح في المقابل للجزائر هامشا ماليا مريحا يعزز قدرتها على تمويل مختلف التزاماتها الاقتصادية. ويعود هذا المنحى التصاعدي إلى جملة من العوامل الدولية، أبرزها التوترات في الشرق الأوسط، خاصة الحرب الأمريكية على إيران منذ فيفري 2026، والتي أعادت رسم خريطة المخاطر في سوق الطاقة. كما ساهمت الضربات التي استهدفت منشآت خليجية في تصاعد المخاوف بشأن استقرار الإمدادات، خصوصا عبر مضيق هرمز، ما دفع الأسعار إلى الارتفاع نتيجة التخوف من اضطرابات محتملة في أحد أهم مسارات نقل النفط والغاز في العالم. في هذا السياق، استفادت الجزائر من استمرار الطلب الأوروبي المرتفع على الطاقة، خاصة الغاز الطبيعي، في ظل سعي الدول الأوروبية إلى تنويع مصادرها منذ أزمة أوكرانيا. وقد تعزز هذا التوجه مع التوترات الأخيرة، ما دفع شركاء مثل إسبانيا وإيطاليا إلى تعزيز تعاونهم مع الجزائر، سواء عبر زيادة الإمدادات أو توسيع قدرات النقل. وبالتوازي مع ذلك، برزت الجزائر كفاعل موثوق في سوق الطاقة، ليس فقط على المستوى الأوروبي، بل أيضا في اتجاه أسواق جديدة، في ظل اهتمام دول آسيوية بتأمين احتياجاتها من النفط والغاز. هذه الديناميكية، تعكس موقعا متقدما للجزائر في المعادلة الطاقوية الدولية، وتترجم مباشرة إلى تدفقات مالية إضافية، ما يهيئ الأرضية للانتقال إلى مرحلة أكثر أهمية، تتمثل في كيفية توظيف هذه العائدات في دعم المشاريع الاقتصادية الكبرى.
عائدات المحروقات.. تمويل المشاريع الكبرى
وأفرزت الطفرة المسجلة في أسعار الطاقة خلال الأشهر الأربعة الأولى من سنة 2026 أثرا مباشرا على مداخيل الجزائر من المحروقات، في ظل استقرار نسبي في مستويات التصدير، حيث سمح تموقع الأسعار في معدلات مرتفعة، بتعويض أي تراجع محتمل في الكميات المصدّرة. هذا العامل السعري يشكّل المحرك الأساسي لتحسين الموارد المالية خلال هذه الفترة، ويمنح الخزينة العمومية هامشا أوسع لمواجهة الالتزامات الاقتصادية. وفي هذا السياق، لم تعد العائدات الطاقوية رهينة فقط بحجم الإنتاج، بل أصبحت مرتبطة أساسا بتقلبات السوق العالمية وقدرة الجزائر على الاستفادة من الظرف الدولي، خاصة في ظل استمرار الطلب الأوروبي على الغاز وإعادة تشكيل خريطة الإمدادات. وقد يسمح هذا الوضع بتعزيز المداخيل دون الحاجة إلى زيادات كبيرة في الإنتاج، ما يعكس انتقالا تدريجيا نحو إدارة أكثر مرونة للموارد الطاقوية. وتبرز أهمية هذه المرحلة في كونها تزامنت مع توجه واضح نحو توظيف هذه العائدات في تمويل المشاريع الكبرى، دون اللجوء إلى الاستدانة الخارجية، حيث يتم توجيه الموارد المالية نحو دعم برامج الاستثمار في البنية التحتية، والمشاريع الصناعية، وكذا القطاعات المنتجة الجديدة. هذا الخيار يعكس تحولا في فلسفة تسيير العائدات، من منطق الاستهلاك إلى منطق الاستثمار طويل المدى. كما تؤكد هذه المعطيات أن عائدات المحروقات خلال بداية 2026 لم تعد تمثل غاية في حد ذاتها، بل أصبحت أداة استراتيجية لتمويل التحول الاقتصادي، من خلال ضخ الموارد في مشاريع قادرة على خلق قيمة مضافة داخلية. وهو ما يمهد بشكل مباشر لتسارع وتيرة الاستثمار في القطاعات البديلة، وعلى رأسها المناجم والصناعة والفلاحة، باعتبارها الركيزة الأساسية لبناء اقتصاد أكثر تنوعا واستدامة.
المناجم والاستثمار.. تسارع في التنفيذ
في مقابل توجيه عائدات المحروقات نحو الاستثمار، برز قطاع المناجم كأحد أهم محاور التحول الاقتصادي خلال الأشهر الأولى من 2026، مع تسجيل تقدم ملموس في تنفيذ مشاريع استراتيجية، أبرزها غار جبيلات الذي يُقدّر احتياطيه بأكثر من 3.5 مليار طن من خام الحديد.
هذا المشروع، الذي انتقل من مرحلة الدراسات إلى التنفيذ الفعلي، يعكس توجها واضحا نحو استغلال الثروات الطبيعية خارج المحروقات، بما يساهم في خلق قاعدة صناعية مرتبطة بإنتاج الحديد والصلب. وبالموازاة، يشهد مشروع الفوسفات المدمج بشرق البلاد ديناميكية مماثلة، حيث يعد أحد أكبر المشاريع في هذا المجال على المستوى الإقليمي، بقيمة استثمارية تُقدّر بمليارات الدولارات. ويهدف هذا المشروع إلى إنتاج الأسمدة ومشتقات الفوسفات، ما يفتح المجال أمام تصدير منتجات ذات قيمة مضافة، بدل الاكتفاء بتصدير المواد الخام، وهو ما يتماشى مع استراتيجية التحول نحو اقتصاد إنتاجي. ولا يقتصر هذا الحراك على المشاريع الكبرى فقط، بل يمتد إلى مناخ الاستثمار بشكل عام، حيث سجّلت الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار أزيد من 21 ألف مشروع استثماري إلى غاية 31 مارس الماضي، وفق ما كشفه المدير العام للوكالة، عمر ركاش. وتتوزع هذه المشاريع، بين استثمارات محلية وأجنبية وأخرى بالشراكة، ما يعكس تنوع مصادر التمويل واتساع قاعدة الاستثمار. كما عرف الثلاثي الأول من سنة 2026 وحده تسجيل 2131 مشروعا جديدا، مع توقع استحداث نحو 59 ألف منصب شغل، وهو ما يؤكد تسارع وتيرة الديناميكية الاستثمارية وانتقال عدد متزايد من المشاريع إلى مرحلة الإنجاز الفعلي. وتُظهر هذه المؤشرات مجتمعة، أن الاستثمار في الجزائر لم يعد محصورا في قطاع الطاقة، بل بدأ يتجه نحو تنويع حقيقي يشمل الصناعة والمناجم والخدمات. كما أن الانتقال التدريجي من مرحلة تسجيل المشاريع إلى دخولها حيز التنفيذ يمنح مصداقية أكبر لهذا المسار، ويؤكد أن الإصلاحات القانونية والإجرائية بدأت تؤتي ثمارها على أرض الواقع. ويُرتقب أن تشكل هذه الاستثمارات، مع اكتمالها، قاعدة إنتاجية جديدة قادرة على دعم الصادرات خارج المحروقات، ما يعزز مسار التحول نحو اقتصاد أكثر تنوعًا واستدامة.
صادرات خارج المحروقات.. خطوات نحو التنويع
ورغم التذبذب الذي طبع أداء الصادرات خارج المحروقات خلال السنوات الأخيرة، إلا أن المعطيات المتوفرة تشير إلى استمرار التوجه نحو تعزيز هذا المسار، في إطار استراتيجية تهدف إلى تقليص الاعتماد على العائدات الطاقوية.
فقد سجلت هذه الصادرات 3.835 مليارات دولار خلال 2024، مقابل 5.058 مليارات دولار في 2023 و5.978 مليارات دولار في 2022، وهو ما يعكس تراجعا ظرفيا، لكنه لا يلغي التحسن المسجل مقارنة بمستويات 2020 التي لم تتجاوز 1.7 مليار دولار، ما يؤكد وجود قاعدة انطلاق جديدة لهذا التوجه. وفي هذا الإطار، بدأت تظهر مؤشرات ميدانية تعكس مواصلة التوجه الايجابي، من خلال عمليات تصدير منظمة ومتعددة الوجهات، على غرار العملية التي أُطلقت في أفريل 2026، وشملت 35 عملية شحن نحو 19 دولة عبر 13 ولاية. وتميزت هذه المبادرة بتنوع المنتجات المصدّرة، التي شملت مواد صناعية وغذائية وفلاحية ونسيجية، إلى جانب مشاركة مؤسسات وطنية كبرى، ما يعكس توسع القاعدة الإنتاجية وارتفاع قدرة المؤسسات الجزائرية على اقتحام الأسواق الخارجية. وتؤكد هذه التطورات، أن الصادرات خارج المحروقات لم تعد مجرد هدف مرحلي، بل أصبحت خيارا استراتيجيا تدعمه الدولة عبر مرافقة المتعاملين الاقتصاديين وفتح آفاق جديدة أمام المنتوج الوطني. كما أن تنوع الأسواق والمنتجات يعكس بداية تشكل شبكة تصدير متعددة، وهو ما يعزز فرص استقرار هذا المسار مستقبلا، ويمهد في الوقت ذاته لمرحلة تتطلب الحفاظ على توازن السوق الداخلية، خاصة من خلال سياسات ضبط الاستيراد.
ضبط الاستيراد.. توازن السوق دون نقص
وفي موازاة الدفع بعجلة الاستثمار والإنتاج، برزت سياسة ضبط الاستيراد كأحد الأعمدة الأساسية في إدارة التوازنات الاقتصادية خلال الفترة الأخيرة، حيث عملت الجزائر على تقليص فاتورة الواردات التي كانت قد تجاوزت في سنوات سابقة 60 مليار دولار، قبل أن تنخفض تدريجيا.
هذا التراجع لم يكن نتيجة انكماش اقتصادي، بل جاء في إطار إعادة توجيه منظمة لهيكلة الواردات، بما يحد من نزيف العملة الصعبة ويشجع في الوقت ذاته الإنتاج المحلي. وقد ارتكزت هذه السياسة على استهداف فئات محددة من السلع، خاصة المنتجات الكمالية أو تلك التي يمكن إنتاجها محليا، مع الإبقاء على استيراد المواد الأساسية والمواد الأولية الضرورية للنشاط الصناعي والفلاحي. هذا التوجه سمح بإحداث نوع من التوازن بين تقليص الاعتماد على الخارج وحماية القدرة الإنتاجية الداخلية، دون اللجوء إلى إجراءات عشوائية قد تؤدي إلى اختلال في السوق. وتظهر نتائج هذا النهج في الحفاظ على استقرار نسبي في تموين السوق الوطنية، حيث لم تسجل خلال الفترة الأخيرة أزمات ندرة واسعة النطاق في المواد الأساسية، رغم تقليص حجم الواردات. ويعكس ذلك اعتماد مقاربة تدريجية في ضبط الاستيراد، قائمة على مرافقة المتعاملين الاقتصاديين وتشجيع البدائل المحلية، بدل فرض قيود مفاجئة قد تؤثر على العرض. كما تكتسي هذه السياسة أهمية استراتيجية في دعم مسار التنويع الاقتصادي، إذ تتيح للمؤسسات الوطنية فرصة أكبر لاكتساب حصص في السوق الداخلية، ما يعزز قدرتها لاحقًا على التوجه نحو التصدير. وفي هذا الإطار، يصبح ضبط الاستيراد جزءا من منظومة متكاملة تهدف إلى إعادة تشكيل الاقتصاد الوطني، تمهيدًا للانتقال من نموذج يعتمد على الاستيراد والريع إلى اقتصاد أكثر إنتاجا وتوازنا.
اقتصاد يتشكل.. من الريع إلى الإنتاج
وعليه، تعكس محصلة المؤشرات المسجلة خلال الأشهر الأربعة الأولى من سنة 2026 ملامح اقتصاد في طور التشكل، حيث لم يعد الأداء مرتبطا بعامل واحد، بل بتفاعل مجموعة من المحركات في مقدمتها الاستثمار والطلب الداخلي.
ويُعزّز هذا المسار تسجيل نسب نمو مشجعة، وهي مستويات تعكس استقرارا نسبيا مقارنة بالسياق الدولي المتقلب، خاصة في ظل استمرار الضغوط التضخمية عالميا. كما ساهم تحسن المداخيل الطاقوية في دعم احتياطي الصرف الذي تجاوز 60 مليار دولار، ما يوفر هامش أمان مالي يسمح بتمويل السياسات الاقتصادية دون اللجوء إلى مديونية خارجية، ويعزز قدرة الدولة على مرافقة التحول الاقتصادي الجاري. غير أن الأهم في هذه المرحلة لا يتعلق فقط بالأرقام، بل بطبيعة التغير الهيكلي الذي بدأ يتشكل، حيث تشير المعطيات إلى انتقال تدريجي من نموذج يعتمد على الريع إلى نموذج قائم على الإنتاج والاستثمار. فالتوسع في المشاريع الصناعية والمنجمية، إلى جانب تحفيز الاستثمار، يساهم في بناء قاعدة إنتاجية قادرة على خلق قيمة مضافة وتوفير مناصب شغل، وهو ما يشكل أحد أهم شروط الاستدامة الاقتصادية. وتُبرز هذه المؤشرات، أن الجزائر دخلت مرحلة حقيقية، تتطلب الحفاظ على نفس النسق في تنفيذ المشاريع وتعزيز فعالية السياسات الاقتصادية، خاصة في ما يتعلق بتحويل الاستثمار إلى إنتاج فعلي موجه للسوقين الداخلية والخارجية.
مصطفى. ع