مشاريع تحلية استراتيجية في ولايتي تندوف وتمنراست

الجنوب في قلب المعادلة المائية الجديدة

الجنوب في قلب المعادلة المائية الجديدة
  • تحلية.. تحويل وحوكمة… مقاربة شاملة للأمن المائي

يكشف التوجه الجديد للدولة في ملف الموارد المائية، عن انتقال واضح من منطق التدبير الظرفي إلى بناء رؤية استراتيجية بعيدة المدى، تجعل من الأمن المائي ركيزة للتنمية والاستقرار.

ويبرز إدراج ولايات الجنوب، وعلى رأسها تمنراست وتندوف، ضمن مشاريع تحلية المياه كخيار سيادي يعكس وعيا متزايدا بأن الماء تحول من مجرد خدمة عمومية إلى عامل توازن اقتصادي واجتماعي وأمني في الجنوب الكبير.

يشكّل إدراج ولايتي تمنراست وتندوف ضمن خريطة تحلية المياه، تحوّلا لافتا في مقاربة الدولة لملف الماء في الجنوب الكبير، حيث لم تعد الحلول محصورة في استنزاف الموارد الجوفية أو التدخلات الظرفية عند الأزمات. فقرار الشروع في إنجاز محطتي تحلية في أقصى الجنوب يعكس انتقالا واعيا نحو حلول دائمة تراعي خصوصية المناطق الصحراوية وتحدياتها المناخية والجغرافية. ويحمل هذا التوجه بعدا استراتيجيا يتجاوز تأمين التزويد بالماء الشروب، ليؤسس لمنظومة استقرار طويلة المدى في مناطق ظلّت لعقود رهينة الهشاشة المائية. فالماء، في السياق الصحراوي، عنصر حاسم في تثبيت السكان، وضمان استمرارية النشاط الاقتصادي، والحد من النزوح نحو الشمال، وهو ما يفسر الطابع الاستعجالي الذي أضفاه رئيس الجمهورية على إطلاق هذه المشاريع. وتأتي محطات التحلية الجديدة كجزء من إعادة رسم التوازن بين مختلف مصادر المياه، من خلال تخفيف الضغط عن الموائد المائية الجوفية التي تعرف معدلات استغلال معتبرة، خاصة في الجنوب. ويُنتظر أن تسهم هذه المشاريع في إرساء نمط استهلاك أكثر استدامة، يضمن حق الأجيال القادمة في مورد ظل لفترة طويلة يُستعمل دون أفق تجديد واضح. كما تفتح هذه المشاريع آفاقا اقتصادية مرافقة، سواء من حيث خلق مناصب شغل مباشرة أثناء الإنجاز والتشغيل، أو من خلال تحفيز أنشطة فلاحية وصناعية مرتبطة بتوفر الماء بشكل منتظم. فالتجربة أثبتت أن أي استثمار في الجنوب يبقى مشروطا بعامل الماء، ما يجعل من التحلية بوابة فعلية لتحرير إمكانات تنموية كانت معطلة. وفي هذا الإطار، يبرز البعد الأمني للمسألة المائية، حيث يتحول ضمان التزويد المنتظم بالماء إلى عنصر من عناصر الأمن القومي، خاصة في المناطق الحدودية. فاستقرار السكان، وتحسين ظروف العيش، وتعزيز التنمية المحلية، كلها عوامل تتقاطع عند نقطة واحدة: توفر الماء. ومن هنا، تبدو مشاريع التحلية في الجنوب ليس فقط استجابة تقنية، بل خيارا سياديا يعيد تموقع الجنوب في قلب المعادلة التنموية الوطنية.

 

التحلية كخيار طويل المدى..

ويعكس التوسع في مشاريع تحلية المياه تحوّلا واضحا في فلسفة تسيير الموارد المائية، حيث لم يعد الاعتماد الكثيف على المياه الجوفية خيارًا آمنا أو قابلا للاستمرار. فقد أظهرت المعطيات الميدانية أن استنزاف الموائد المائية، خاصة في الجنوب، بلغ مستويات تفرض مراجعة جذرية لمنظومة التزويد، والانتقال نحو مصادر غير تقليدية أكثر استقرارا على المدى الطويل. وفي هذا السياق، تمثل التحلية بديلا استراتيجيا يخفف الضغط عن الموارد الطبيعية، ويعيد التوازن بين الطلب المتزايد والعرض المحدود. فبدل الاستجابة الظرفية للأزمات، تسمح محطات التحلية بتأمين إنتاج منتظم ومستقل عن التقلبات المناخية، وهو ما يمنح السلطات هامش تخطيط أوسع في إدارة التوزيع وضبط الاستهلاك. كما يندرج هذا الخيار، ضمن رؤية وقائية تهدف إلى حماية الثروة المائية الجوفية باعتبارها مخزونا استراتيجيا، لا ينبغي استهلاكه إلا في أضيق الحدود. فالحفاظ على هذه الموارد يكتسي أهمية خاصة في المناطق الصحراوية، حيث يصعب تعويض المياه المستنزفة، وتتعقد كلفة البحث عن بدائل مستقبلية. وتتجلى أهمية هذا التحول أيضا في قدرته على دعم القطاعات المنتجة، لاسيما الفلاحة الصحراوية، دون المخاطرة باستدامة المورد. فربط المشاريع الفلاحية بمصادر مائية مستقرة يحدّ من العشوائية، ويشجع على استثمارات أكثر عقلانية تراعي المعايير البيئية والاقتصادية في آن واحد. وبذلك، تبدو التحلية ركيزة أساسية في إعادة هندسة السياسة المائية الوطنية. فهي تسمح بالانتقال من منطق الاستنزاف إلى منطق التدبير المستدام، وتضع أسسا جديدة لأمن مائي مبني على التنويع، الاستباق، وحماية الموارد الحيوية للبلاد.

 

الماء كشرط للاستقرار السكاني والتنمية المحلية

كما لم يعد الأمن المائي في ولايات الجنوب يُطرح كقضية خدماتية مرتبطة بتحسين ظروف العيش فحسب، وبات عنصرا حاسما في معادلة الاستقرار السكاني والتموقع التنموي لهذه المناطق. فتوفر الماء بانتظام يشكل الشرط الأول لبقاء السكان في مناطقهم، ويحدّ من النزوح نحو الشمال، بما يحمله ذلك من أعباء اجتماعية واقتصادية على المدن الكبرى. وفي هذا الإطار، تكتسي مشاريع تحلية المياه في الجنوب بعدا يتجاوز تزويد الحنفيات، لتصبح أداة فعلية لتثبيت السكان ودعم أنماط عيش مستدامة. فحين يتوفر الماء بشكل دائم، تُفتح آفاق جديدة أمام السكن، الخدمات، والاستثمار المحلي، بما يعيد رسم العلاقة بين المواطن ومحيطه، ويعزز الشعور بالأمان والاستقرار. كما يرتبط الأمن المائي ارتباطا مباشرا بالحركية الاقتصادية المحلية، لاسيما في ولايات تراهن على الفلاحة الصحراوية والصناعات المرتبطة بها. فالماء المستقر يتيح برمجة المشاريع على المدى المتوسط والطويل، ويقلل من المخاطر التي كانت تدفع المستثمرين إلى التردد أو الانسحاب، بسبب هشاشة التزويد المائي في السابق. ومن زاوية أوسع، يندرج هذا التوجه ضمن رؤية الدولة لتحقيق تنمية متوازنة بين مختلف مناطق الوطن، عبر تحويل الجنوب من فضاء هشّ من حيث الموارد إلى قطب واعد للاستثمار والإنتاج. فالأمن المائي يشكل هنا القاعدة الصلبة التي تُبنى عليها باقي السياسات العمومية، سواء في السكن، الفلاحة، الصناعة أو حتى الخدمات الصحية والتربوية. وبهذا المعنى، تتحول مشاريع المياه في الجنوب إلى أدوات استقرار بامتياز، تساهم في تعزيز الأمن الاجتماعي والاقتصادي، وتمنح هذه المناطق دورا فاعلا في المنظومة الوطنية. فحين يصبح الماء مضمونا، تنتقل التنمية من مستوى الوعود إلى مستوى الفعل، ويتكرس الجنوب كجزء أساسي من معادلة النمو والاستقرار في الجزائر.

 

تحلية المياه كرافعة للأمن الغذائي وتوسيع النشاط الفلاحي

ويمثل إدماج تحلية المياه في المقاربة الوطنية للأمن المائي تحولا نوعيا في كيفية دعم الأمن الغذائي، خاصة في ولايات الجنوب التي باتت تراهن بشكل متزايد على الفلاحة الصحراوية. فالماء المحلّى، حين يُوجَّه بشكل مدروس، لا يقتصر دوره على تلبية الحاجيات المنزلية، بل يتحول إلى مورد استراتيجي يسمح بتوسيع الرقعة الزراعية وضمان استمرارية الإنتاج. وفي هذا السياق، تبرز أهمية الربط بين مشاريع التحلية وإنجاز محطات معالجة المياه المستعملة، كما هو الحال في تندوف، بما يتيح توجيه المياه المعالجة نحو الاستعمالات الفلاحية. هذا التكامل بين التحلية والمعالجة يعكس توجها عقلانيا في إدارة الموارد، ويحد من الضغط على المياه الجوفية التي ظلت لسنوات المصدر شبه الوحيد للسقي في الجنوب. كما أن توفر الماء بشكل منتظم يغيّر من طبيعة المشاريع الفلاحية الممكنة، إذ يسمح بالانتقال من زراعات ظرفية ومحدودة إلى استثمارات فلاحية مهيكلة، قائمة على التخطيط والإنتاج المستدام. وهو ما ينسجم مع توجه الدولة نحو تعزيز الإنتاج المحلي وتقليص التبعية للاستيراد، خاصة في ظل التقلبات الدولية المتزايدة. ومن منظور اقتصادي، يفتح هذا التحول المجال أمام خلق سلاسل قيمة محلية مرتبطة بالفلاحة، تشمل التخزين، التحويل، والنقل، بما ينعكس مباشرة على خلق مناصب الشغل وتحريك الاقتصاد المحلي. فالماء، في هذه المعادلة، لا يُنظر إليه كتكلفة، بل كاستثمار يولد قيمة مضافة متعددة الأبعاد. وعليه، فإن ربط تحلية المياه بالأمن الغذائي يعكس فهما أعمق لطبيعة التحديات المستقبلية، حيث تتقاطع قضايا الماء، الغذاء، والاستقرار الاجتماعي. وهو ما يجعل من هذه المشاريع رافعة استراتيجية مزدوجة: تأمين المورد الحيوي من جهة، وبناء قاعدة إنتاجية قادرة على دعم الاكتفاء الذاتي وتعزيز السيادة الغذائية من جهة أخرى.

 

من الأمن المائي إلى الأمن القومي.. إدارة مستدامة برؤية طويلة المدى

كما باتت مسألة الماء في الجزائر، تُدرج ضمن رؤية أشمل تربط الأمن المائي بالأمن القومي. فالتوجيهات الأخيرة تؤكد أن ضمان التزود المنتظم بالمياه، خاصة في ولايات الجنوب، يشكل شرطا أساسيا للاستقرار السكاني والتنمية المتوازنة، ويحد من الهشاشة الاجتماعية المرتبطة بندرة الموارد. وتُترجم هذه الرؤية من خلال تشديد صارم على الحوكمة والرقابة، سواء في توزيع المياه الشروب أو في إدارة السدود ومحطات التحلية والمعالجة. فاحترام مخططات التوزيع، وتفادي الانقطاعات غير المبررة، لم يعد خيارًا تقنيا بل التزاما سياديا، تتحمل فيه مختلف المستويات التنفيذية مسؤوليات واضحة، بما يعزز ثقة المواطن في المرفق العمومي. كما تبرز الاستدامة كعنصر مركزي في هذه المقاربة، عبر تقليص الاعتماد المفرط على المياه الجوفية، وإعادة توجيه الاستثمار نحو مصادر بديلة وأكثر أمانا على المدى الطويل. ويُعد توسيع استخدام المياه المعالجة، وربطها بالمشاريع الفلاحية والصناعية، خطوة عملية لترشيد الاستهلاك وحماية المخزون الاستراتيجي للأجيال القادمة. ومن زاوية التخطيط، تكشف المشاريع الجارية عن انتقال من منطق الحلول المنفصلة إلى منطق الشبكات المترابطة، حيث تتكامل محطات التحلية مع السدود، والتحويلات المائية، وأنظمة التطهير. هذا التكامل يسمح بمرونة أكبر في التسيير، وقدرة أعلى على امتصاص الصدمات المناخية، في سياق إقليمي ودولي يتسم بتزايد الضغوط على الموارد المائية. وعليه، يتكرس الأمن المائي اليوم كقاعدة صلبة لبناء تنمية مستقرة ومستدامة، خصوصا في الجنوب الكبير. ومع وضوح الرؤية وتكثيف الاستثمارات وتحسين الحوكمة، تتحول معادلة الماء من تحدٍ مزمن إلى رافعة استراتيجية، تؤسس لجزائر أكثر توازنا، وأكثر قدرة على حماية مواردها وتعزيز استقرارها على المدى البعيد.