الدبلوماسية الجزائرية في خط الدفاع الأول عن الضحايا بالخارج

الدولة تُحكم القبضة القانونية لحماية ضحايا الاتجار بالبشر

الدولة تُحكم القبضة القانونية لحماية ضحايا الاتجار بالبشر
  • تعبئة وطنية عابرة للقطاعات في مواجهة أخطر الجرائم المنظمة

في خطوة تعكس تشديد الدولة لآليات الحماية وترسيخ مقاربة شاملة لمواجهة جريمة الاتجار بالبشر، أقرّت الحكومة آلية وطنية متكاملة للتكفل بضحايا هذه الجريمة الخطيرة، تقوم على تدخل منظم ومتدرج يرافق الضحية منذ لحظة التعرف عليها إلى غاية التكفل النهائي وإعادة الإدماج.

ويجسّد هذا الإطار الجديد إرادة واضحة في تحويل الحماية من إجراءات ظرفية إلى منظومة مؤسساتية دائمة، تُسخّر لها مختلف القطاعات والهيئات العمومية، وفق معايير وطنية ودولية صارمة. وتكتسي هذه الآلية بعدًا سياديًا وإنسانيًا في آن واحد، حيث وسّعت دائرة الحماية لتشمل الضحايا داخل الوطن وخارجه، من خلال دور محوري لوزارة الشؤون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج، التي أُسندت إليها مهام مرافقة الضحايا الجزائريين بالخارج وتأمين عودتهم وحماية حقوقهم، إلى جانب تسهيل العودة الطوعية للضحايا الأجانب، بالتنسيق مع الدول المعنية. كما كرّس النص ضمان التكفل الشامل، لاسيما في مجالات العلاج الصحي والنفسي، الحماية القانونية والقضائية، والتعليم والتكوين، باعتبارها أدوات استراتيجية لكسر دائرة الاستغلال وإعادة بناء الضحية ودمجها في المجتمع ضمن مسار آمن ومحمي. وحددت الحكومة عن الآلية الوطنية للتكفل بضحايا الاتجار بالبشر، تطبيقا لأحكام المواد 12 و15 و16 من القانون رقم 23-04 المؤرخ في 17 شوال عام 1444 الموافق 7 ماي سنة 2023 والمتعلق بالوقاية من الاتجار بالبشر ومكافحته.

 

فصل في إجراءات العناية بهم من طرف السلطات المعنية وتسهيل حصولهم على حقوقهم

جاء هذا في مرسوم تنفيذي رقم 26-14 مؤرخ في 18 رجب عام 1447 الموافق 7 جانفي سنة 2026، يحدد الآلية الوطنية للتكفل بضحايا الاتجار بالبشر والذي فصل في الإجراءات التي تتخذ المساعدة وحماية ضحايا الاتجار بالبشر والعناية بهم من طرف السلطات المعنية وتسهيل حصولهم على حقوقهم، منذ الكشف عنهم إلى غاية التكفل النهائي بهم، وتدعى في صلب النص “آلية الإحالة”. كما فصل المرسوم في المتدخلين في آلية الإحالة والذين يشملون المتدخلين مع ضحايا الاتجار بالبشر، لا سيما الجهات القضائية والقطاعات الوزارية ومصالح الأمن واللجنة ومستخدمو قطاع الصحة والتربية الوطنية ومفتشية العمل والحماية المدنية والمصالح المختصة للوزارة المكلفة بالتضامن الوطني والهيئات الوطنية والجمعيات الناشطة في مجال حقوق الإنسان وحماية المرأة والطفل والأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة والهلال الأحمر الجزائري، وكل شخص أو هيئة يتعاملان مع ضحايا الاتجار بالبشر بحكم طبيعة عملهما. ووقف المرسوم عند تعريف الضحية والذي هو كل شخص طبيعي تعرض لأي ضرر مادي أو جسدي أو معنوي ناجم مباشرة عن أحد أشكال الاتجار بالبشر المنصوص عليها في القانون رقم 23-04 المؤرخ في 17 شوال عام 1444 الموافق 7 مايو سنة 2023 والمذكور أعلاه بغض النظر عن جنسه أو عرقه أو لونه أو نسبه أو دينه أو لغته أو جنسيته أو أصله القومي أو الإثني أو إعاقته وبصرف النظر عما إذا كان مرتكب الجرم قد عرفت هويته أو قبض عليه أو تمت محاكمته أو إدانته.

 

نحو تشكيل اللجنة الوطنية للوقاية من الاتجار بالبشر ومكافحته

وقررت الحكومة تشكيل اللجنة الوطنية للوقاية من الاتجار بالبشر ومكافحته وتهدف آلية الإحالة إلى الكشف والتعرف على الضحايا وإحالتهم على المرافق العمومية المختصة والتكفل بهم وضمان توفير الحماية والمساعدة لهم وفقا للمعايير الوطنية والدولية المعمول بها في هذا المجال، ابتداء من التعرف عليهم وإلى غاية نهاية التكفل بهم. وتقوم آلية الإحالة على مبادئ تدعم حقوق الضحايا، لا سيما المتعلقة منها بتفريد معاملة الضحية واحترام خياراتها وإعلامها بحقوقها، والمساواة في المعاملة وعدم التمييز وصون حرمتها الجسدية وضمان الرعاية الفورية لها. ويجب أن تتضافر جهود جميع المتدخلين في آلية الإحالة على تحقيق تعافي الضحايا وإعادة إدماجهم في المجتمع، حسب تخصصهم والمهام المنوطة بهم وتوضح مهام كل متدخل في آلية الإحالة في الملحق المرفق بهذا المرسوم. وتهدف آلية الإحالة إلى الكشف والتعرف على الضحايا وإحالتهم على المرافق العمومية المختصة والتكفل بهم وضمان توفير الحماية والمساعدة لهم وفقا للمعايير الوطنية والدولية المعمول بها في هذا المجال، ابتداء من التعرف عليهم وإلى غاية نهاية التكفل بهم توضح مهام كل متدخل في آلية الإحالة في الملحق المرفق بهذا المرسوم.

 

المساعدة الاجتماعية.. الصحية.. القانونية.. القضائية والتربوية للضحايا

وكشفت الحكومة في ذات السياق، عن كيفيات حماية الضحية ومساعدتها، حيث يتم إعلام الضحية بمجرد التعرف عليها بحقوقها وبالإجراءات الإدارية والقانونية والقضائية ذات الصلة، بلغة تفهمها على أن يستفيد الضحايا من جميع أنواع المساعدة التي تتيحها آلية الإحالة، ولا سيما منها المساعدة الاجتماعية والصحية والقانونية والقضائية والتربوية المنصوص عليها في التشريع المعمول به، وتوضع تحت تصرفهم كل الوسائل التي تسهل اتصالهم بالمصالح والهيئات المختصة في هذا المجال. وتولي عناية خاصة للنساء والأطفال والأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة وكل شخص في وضعية استضعاف وتشمل الرعاية الصحية العلاج الطبي والنفسي وتوفير الأدوية، وتتم مجانا على مستوى الهياكل العمومية للصحة. كما تشمل المساعدة القانونية والقضائية الممنوحة للضحايا من خلال المساعدة القضائية بقوة القانون في جميع مراحل الإجراءات والاستفادة من التدابير الإجرائية وغير الإجرائية للحماية المنصوص عليها في التشريع المعمول به وإعلام الضحايا بالإجراءات القانونية والقضائية ذات الصلة وعدم الإفصاح عن هويتهم والحفاظ على سرية الدعوى العمومية مع إمكانية طلب تعويض أمام الجهات القضائية عن الأضرار التي لحقت بهم. وتتولى وزارة الشؤون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج والشؤون الإفريقية، من خلال البعثات الدبلوماسية والقنصلية، تقديم كافة المساعدات الممكنة للضحايا الجزائريين بالخارج، وذلك بالتنسيق مع السلطات المختصة في الدول المعتمدة لديها.

 

تسهيل العودة الطوعية للضحايا الأجانب إلى بلدانهم الأصلية

كما تتولى بالتنسيق مع السلطات المختصة في الدول المعنية، تسهيل العودة الطوعية للضحايا الأجانب إلى بلدانهم الأصلية أو بلدان إقامتهم، ما لم يكونوا قد رخص لهم بالبقاء في الإقليم الوطني إلى غاية انتهاء إجراءات التحقيق و/ أو المحاكمة. وتتخذ الوزارة المكلفة بالداخلية، بالتنسيق. مع الوزارة المكلفة بالشؤون الخارجية، ما يلزم من إجراءات لتسهيل حصول الضحايا على الوثائق اللازمة لعودتهم إلى الجزائر أو مغادرتها، وفقا للقواعد والإجراءات المعمول بها في هذا المجال. هذا وقررت الحكومة التكفل بالضحايا، أين يتم استقبال وإيواء الضحايا في أماكن مخصصة لهذا الغرض تابعة للوزارة المكلفة بالداخلية أو الوزارة المكلفة بالتضامن الوطني، وتقدم لهم فيها الرعاية الصحية والنفسية والاجتماعية وتأمين الحماية والدعم لهم. ويمكنهم الاستفادة من مختلف برامج الرعاية والتعليم والتكوين التي توفرها السلطات والهيئات المعنية قصد إعادة إدماجهم في المجتمع، طبقا لأحكام المادة 21 أدناه. ويؤخذ بعين الاعتبار في إيواء الضحايا، جنسهم وسنهم واحتياجاتهم ويمكن إنشاء مراكز متخصصة لاستقبال الضحايا وإيوائهم طبقا للتنظيم المعمول به على تحدد قائمة الأماكن المخصصة لاستقبال وإيواء الضحايا حسب الحالة، بموجب قرار للوزير المكلف بالداخلية أو الوزير المكلف بالتضامن الوطني.

 

إحالة الضحايا على أماكن الاستقبال وإجراءات استثنائية للتكفل بالأطفال ودراستهم

وتكون إحالة الضحايا على أماكن الاستقبال بناء على ملف يتضمن المعلومات الشخصية للضحية، لا سيما تحديد هويتها وجنسيتها وسنها وجنسها والموافقة المكتوبة للضحية البالغة على إحالتها على أماكن الاستقبال وتقرير عن الوضع الجسدي والطبي والنفسي للضحية واحتياجاتها وأي وثيقة أخرى يراها المتدخلون في آلية الإحالة ضرورية. كما يجب أن تتوفر في أماكن الاستقبال معايير السلامة والصحة والأمن ومتطلبات الحياة اليومية للضحايا، وأن تخصص على مستوى أماكن الاستقبال فضاءات تسمح للضحايا باستقبال ذويهم ومحامييهم، وفي حالة ما إذا كانت الضحية طفلا، فإنه يتم وضعه في المؤسسات المتخصصة في استقبال الأطفال في خطر وفقا للأحكام المنصوص عليها في التشريع الوطني. غير أنه، إذا اقتضت المصلحة الفضلى للطفل بقاءه مع أسرته، فإنه يسلم إلى أسرته وفقا للأحكام المنصوص عليها في التشريع المعمول به إذا كان جزائريا، أو يتم وضعه مع أسرته في أماكن الاستقبال المنصوص عليها في هذا المرسوم، إذا تعلق الأمر بأجنبي. ويوضع الضحايا من ذوي الاحتياجات الخاصة في المؤسسات المتخصصة، حسب نوع الإعاقة، وفقا للأحكام المنصوص عليها في التشريع والتنظيم المعمول بهما على أن تراعى في إيواء الضحايا في أماكن الاستقبال جملة من المعايير تتمثل في المعاملة بطريقة إنسانية ودون أي تمييز بينهم مهما كان شكله. وحماية السلامة الجسدية والنفسية والمعنوية، وصون حرمتهم الجسدية وضمان تغذية صحية ومتوازنة

والحماية من استغلال لظروفهم الاجتماعية الصعبة ودراسة شخصية الضحايا وقدراتهم واستعداداتهم النفسية والعقلية تحسبا لإعادة إدماجهم في المجتمع. وتضمن أماكن الاستقبال للضحايا برامج الرعاية والتربية والتعليم والتكوين، وتعمل على تهيئة الظروف المناسبة قصد إعادة إدماجهم في المجتمع بما يتلاءم واحتياجاتهم وكرامتهم وسنهم وجنسهم من خلال ما يأتي على الخصوص المتابعة الطبية وتقديم الإسعافات العلاجية اللازمة والتلقيحات والتحاليل للوقاية من الأمراض المعدية والمتنقلة، وذلك على مستوى أماكن الاستقبال أو في مؤسسات استشفائية عمومية والمتابعة النفسية طيلة مدة وجودهم بأماكن الاستقبال. كما يلزم توفير البرامج التعليمية حسب المستوى الدراسي بالتنسيق مع القطاعات المعنية وتوفير برامج للتعليم والتكوين المهنيين بالتنسيق -مع القطاعات المعنية وأنشطة وقائية وتحسيسية ضد جريمة الاتجار بالبشر ومخاطرها، لا سيما من خلال بث برامج سمعية أو سمعية بصرية أو إلقاء محاضرات هادفة تسمح بحماية الضحية وعدم وقوعها من جديد ضحية للاتجار بالبشر وكذا النشاطات الثقافية والترفيهية والرياضية تتناسب مع سن الضحية وحاجاتها مع تنمية الاعتماد على النفس والاستقلالية في اتخاذ القرار لدى الضحايا، تحسبا لإدماجهم في المجتمع.

 

تعزيز تدريب المتدخلين في آلية الإحالة وتطوير قدراتهم

ويجب أن يكون مستخدمي أماكن الاستقبال مؤهلين في التكفل بمختلف فئات الضحايا، وأن يكونوا متعددي الاختصاصات، لا سيما منهم الأطباء والأخصائيون النفسانيون والمساعدون الاجتماعيون والممرضون والمترجمون، بما في ذلك المختصون في لغة الإشارة، وفقا للتشريع والتنظيم المعمول بهما. ويلزم مستخدمو أماكن الاستقبال، تحت طائلة العقوبات المنصوص عليها في التشريع المعمول به، بالحفاظ على سرية المعلومات التي تصل إلى علمهم أو يطلعون عليها في إطار ممارسة مهامهم أو بمناسبتها. هذا ويمنع تداول أي بيانات أو معلومات أو مستندات أو صور أو فيديوهات خاصة بأماكن الاستقبال أو زيارتها أو إجراء لقاءات صحفية حولها، إلا بموجب ترخيص مسبق من السلطات المختصة وبعد أخذ الاحتياطات التي تفرضها حماية الضحايا. وحسب ذات المرسوم فانه يمكن إبرام اتفاقيات تعاون دولي أو مذكرات تفاهم مع دول أو منظمات دولية أو إقليمية مختصة في مجال الوقاية من الاتجار بالبشر ومكافحته، وذلك لتسهيل التعاون الدولي بصوره المختلفة، وضمان العودة الطوعية للضحايا الأجانب إلى بلدانهم الأصلية أو بلدان إقامتهم وتبادل أفضل الخبرات والممارسات والتقنيات المستخدمة في هذا المجال. وتتولى اللجنة توفير وتعزيز تدريب المتدخلين في آلية الإحالة وتطوير قدراتهم في مجال التعرف على الضحايا والتكفل بهم كما تتولى إعداد دليل عملي لآلية الإحالة ووضعه تحت تصرف المتدخلين في هذا المجال. ونبهت الحكومة، أنه يساهم صندوق مساعدة ضحايا الاتجار بالبشر في إعادة الإدماج الاجتماعي للضحايا وتضع الدولة تحت تصرف اللجنة الموارد البشرية والوسائل المالية والمادية الضرورية لتنفيذ أحكام هذا المرسوم.

ربيعة. ت