الرياح أية من آيات الله

الرياح أية من آيات الله

لنعلم أن الرياح التي نراها تهُبُّ علينا في مواسمَ معينة، وبدرجات مختلفة من القوة، وما تُحدِثه من آثار وأضرار، أو منافعَ وفوائدَ في أماكنَ مختلفة،، كلُّ ذلك يسير على وَفق نظام إلهي، وتدبير رباني مُحكَم، وقد وصف القرآن الكريم هذه الدقة في التوزيع، والانضباط في حركة الرياح بوصف معجِز هو “تصريف الرياح”؛ بمعني أن الرياح لا تتحرك هذه الحركات العديدة بذاتيتها، ولكن بقدرة الله الذي يصرِّفها بعلمه وبحكمته كيف يشاء؛ كما قال تعالى: ” وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ” الجاثية: 5؛ فالله تعالى يصرِّف الرياح، “تارةً تأتي من الشمال، وتارةً تأتي من ناحية الجنوب، وتارةً صَبا؛ وهي الشرقية، وتارةً دَبور وهي غربية، ومنها رياح بحرية ورياح برية، وليلية ونهارية، ومنها ما هو للمطر، ومنها ما هو للقاح السحاب والشجر، ومنها ما هو عقيم لا يُنتَج، فهي آية في هبوبها وسكونها، وآية في شدتها ولينها، وآية في حرِّها وبردها، وآية في اختلاف طبائعها ومهابِّها وتنوع منافعها، وإن اختلاف الرياح، واختلاف مهابِّها يدل على خالق مدبر، حكيم عليم، يصرفها كيف يشاء؛ فيجعلها رخاءً تارة، وعاصفةً تارة، ورحمةً تارة، وعذابًا تارة، وتارةً يُحيي بها الزرع والثمار، وتارةً يعطَبُها بها، وتارةً يُسيِّر بها السفن، وتارة يُغرقها بها، وتارةً ترطب الأبدان، وتارةً تُذيبها، وتارةً حارة، وتارةً باردة، وتارةً عقيمًا، وتارةً لاقحة، فسبحان من جعل في هذا الهواء الواحد هذه المنافعَ الكثيرة العجيبة. ولنعلم أن الريح والغبار رسلٌ ونُذُرٌ من عند الله تعالى، وآية من آياته: ” وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا ” الإسراء: 59، خوَّف العظيم الجليل عباده بالريح العاتية، وأنذرهم بالأعاصير القاصفة؛ قال تعالى: ” أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا ” الإسراء: 69، هذه الرياح جند طائع لله تعالى؛ ” وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ ” المدثر: 31، فإذا شاء الله صيَّرها رحمة، فجعلها رخاءً ولقاحًا للسحاب، فكانت مبشرات بين يدي رحمته، ونزول نعمته؛ ” وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ ” الروم: 46، وإذا شاء الله جعل هذه الرياح نقمةً ونكالًا، فكانت صرصرًا عاصفًا، وعذابًا عقيمًا؛ قال تعالى عن قوم عاد لما كفروا واستكبروا: ” وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ ” الذاريات: 41، 42، هذه الريح جعلها الله سلامًا لنصرة أوليائه، فحينما زُلْزِلَ المؤمنون يوم الخندق زلزالًا شديدًا، وزاغت الأبصار، وبلغت القلوب الحناجر، نصر الله نبيَّه وأولياءه، فأرسل على أعدائهم ريحًا عاتيةً، قلعت خيامهم، وأطفأت نارهم، وكَفَأَتْ قُدُورهم، فارتحلوا بعد ذلك صاغرين متفرقين؛ قال تعالى: ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا ” الأحزاب: 9. عباد الله، كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأى الريح قال: “اللهم إني أسألك من خيرها وخير ما فيها، وخير ما أُرسلت به، وأعوذ بك من شرها، وشر ما فيها، وشر ما أُرسلت به” الترمذي.

 

من موقع شبكة الألوكة الإسلامي