أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ: لَقَدْ وَعَى السَّلَفُ الصَّالِحُ مِنْ أَصْحَابِ القُرُونِ الأُولَى المُفَضَّلَةِ هٰذَا المَعْنَى، وَبَلَغُوا فِيهِ الغَايَةَ، فَكَانُوا أَشَدَّ النَّاسِ مُحَاسَبَةً لِأَنْفُسِهِمْ، وَأَخْوَفَهُمْ مِنَ التَّقْصِيرِ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِمْ. قَالَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: “حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا، وَزِنُوهَا قَبْلَ أَنْ تُوزَنُوا؛ فَإِنَّهُ أَهْوَنُ عَلَيْكُمْ فِي الحِسَابِ غَدًا”. وَقَالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: “لَا يَزَالُ المُؤْمِنُ بِخَيْرٍ مَا كَانَ لَهُ وَاعِظٌ مِنْ نَفْسِهِ”. وَكَتَبَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى بَعْضِ عُمَّالِهِ، فَكَانَ فِي آخِرِ كِتَابِهِ: “أَنْ حَاسِبْ نَفْسَكَ فِي الرَّخَاءِ قَبْلَ حِسَابِ الشِّدَّةِ؛ فَإِنَّ مَنْ حَاسَبَ نَفْسَهُ فِي الرَّخَاءِ قَبْلَ حِسَابِ الشِّدَّةِ عَادَ مَرْجِعُهُ إِلَى الرِّضَى وَالغِبْطَةِ، وَمَنْ أَلْهَتْهُ حَيَاتُهُ وَشَغَلَتْهُ شَهَوَاتُهُ عَادَ مَرْجِعُهُ إِلَى النَّدَامَةِ وَالحَسْرَةِ، فَتَذَكَّرْ مَا تُوعَظُ بِهِ لِكَيْ تَنْتَهِيَ عَمَّا تُنْهَى عَنْهُ”. وَقَالَ الحَسَنُ بْنُ أَبِي الحَسَنِ: “فَإِذَا عَلِمَ العَبْدُ أَنَّهُ خُلِقَ وَحْدَهُ، وَيَمُوتُ وَحْدَهُ، وَيُحَاسَبُ وَحْدَهُ، وَمَا قَدَّرَ اللَّهُ لَهُ مِنَ الذُّنُوبِ وَالخَطَايَا لَا يَحْمِلُهَا عَنْهُ غَيْرُهُ، يَكُونُ حَذِرًا، وَيَتَوَقَّعُ رَسُولَ رَبِّ العَالَمِينَ عِنْدَ كُلِّ كَلِمَةٍ وَعِنْدَ كُلِّ خُطْوَةٍ، وَالدُّنْيَا مِيدَانُ اللَّهِ، وَالمُؤْمِنُونَ خَيْلُ اللَّهِ، اليَوْمَ المُضْمَارُ وَغَدًا السِّبَاقُ وَلَا يُجَاوِزُ الصِّرَاطَ إِلَّا كُلُّ ضَامِرٍ مَهْزُولٍ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ”. قَالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: “المُؤْمِنُ قَوَّامٌ عَلَى نَفْسِهِ، يُحَاسِبُ نَفْسَهُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَإِنَّمَا خَفَّ الحِسَابُ يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى قَوْمٍ حَاسَبُوا أَنْفُسَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَإِنَّمَا شَقَّ الحِسَابُ يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى قَوْمٍ أَخَذُوا هَذَا الأَمْرَ مِنْ غَيْرِ مُحَاسَبَةٍ”. أَيُّهَا الإِخْوَةُ، أَيَّتُهَا الأَخَوَاتُ، إِنَّ لِمُحَاسَبَةِ النَّفْسِ ثَمَرَاتٍ عَظِيمَةً، وَآثَارًا جَلِيلَةً تَعُودُ عَلَى العَبْدِ فِي دُنْيَاهُ وَأُخْرَاهُ؛ فَهِيَ سَبَبٌ فِي صَلَاحِ القَلْبِ وَاسْتِقَامَتِهِ، إِذْ لَا يَصْفُو القَلْبُ مَعَ الغَفْلَةِ، وَلَا يَحْيَا إِلَّا بِالمُرَاجَعَةِ الصَّادِقَةِ، وَمِنْ ثِمَارِهَا أَنْ يَطَّلِعَ العَبْدُ عَلَى عُيُوبِ نَفْسِهِ، وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ دَاءَهُ عَجَزَ عَنْ دَوَائِهِ، وَهِيَ زَادُ الاسْتِعْدَادِ لِلآخِرَةِ، فَمَنْ حَاسَبَ نَفْسَهُ اليَوْمَ خَفَّ مَوْقِفُهُ غَدًا، وَهِيَ بَابُ التَّوْبَةِ النَّصُوحِ وَالنَّدَمِ الصَّادِقِ وَتَدَارُكِ مَا فَاتَ فِي زَمَنِ الإِمْكَانِ، وَهِيَ تُعَرِّفُ العَبْدَ بِحَقِّ رَبِّهِ، فَإِنَّ أَصْلَ المُحَاسَبَةِ أَنْ يُرَاجِعَ تَقْصِيرَهُ فِي حَقِّ اللَّهِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَ عَنْهُ يَوْمَ الحِسَابِ، وَهِيَ تُورِثُ انْكِسَارَ القَلْبِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ َفَتَمْقُتُ النَّفْسُ تَقْصِيرَهَا وَتَزُولُ عَنْهَا آفَةُ العُجْبِ وَرُؤْيَةِ العَمَلِ وَيَزْدَادُ العَبْدُ مَعْرِفَةً بِكَرَمِ اللَّهِ وَسَعَةِ عَفْوِهِ، إِذْ يَرَى حِلْمَهُ سُبْحَانَهُ مَعَ كَثْرَةِ الزَّلَّاتِ وَعَدَمِ تَعْجِيلِ العُقُوبَةِ، فَتُثْمِرُ طُمَأْنِينَةً وَرَاحَةً، لِأَنَّ القَلْبَ لَا يَهْدَأُ إِلَّا إِذَا تَصَالَحَ مَعَ رَبِّهِ، وَتَدْفَعُ صَاحِبَهَا إِلَى الِاجْتِهَادِ فِي الطَّاعَةِ وَتَرْكِ العِصْيَانِ لِتَسْهُلَ عَلَيْهِ المُحَاسَبَةُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَتُثْمِرُ رَدَّ الحُقُوقِ إِلَى أَهْلِهَا، وَسَلَّ السَّخَائِمِ مِنَ الصُّدُورِ، وَحُسْنَ الخُلُقِ مَعَ الخَلْقِ، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ آثَارِهَا، ثُمَّ تَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ طَرِيقَ النَّجَاةِ يَوْمَ القِيَامَةِ وَالفَوْزِ بِرِضْوَانِ اللَّهِ. بَارَكَ اللَّهُ لِي وَلَكُمْ فِي القُرْآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنِي رَبِّي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الحَكِيمِ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الجزء الثاني من خطبة الجمعة من جامع الجزائر









