دول الجوار بين مسارات العبور وضغط الاستهلاك..

السموم القادمة من المغرب.. خطر إقليمي

السموم القادمة من المغرب.. خطر إقليمي

تحولت خريطة المخاطر في الفضاء المغاربي من تهديدات تقليدية إلى تحدٍّ صامت يتسع في الظل، عنوانه المخدرات العابرة للحدود.

فالسموم القادمة من المغرب، باتت مسارات ممتدة تعبر الجغرافيا وتضغط على مجتمعات دول الجوار، محولة بعضها إلى ممرات عبور وأخرى إلى أسواق استهلاك.

ومع اتساع الشبكات وتطور أساليبها، يتكرس خطر إقليمي يفرض قراءة أعمق ومسؤولية جماعية. وفي هذا السياق، يبرز المغرب بوصفه الحلقة الأكثر حساسية في معادلة المخدرات المغاربية، بحكم كونه أحد أبرز المنتجين للقنب الهندي على مستوى العالم. فبينما يقدم تقنين زراعته داخليا كخيار اقتصادي وتنموي، تظل التداعيات العابرة للحدود لهذا النشاط محل جدل واسع، خاصة في ظل استمرار تدفق كميات معتبرة نحو دول الجوار. إذ إن الفارق بين الإطار القانوني المعلن وواقع الشبكات النشطة على الأرض يطرح تساؤلات حول فعالية آليات الرقابة والضبط. فالتقنين، في حد ذاته، لا يلغي السوق غير المشروعة، بل قد يخلق مساحات رمادية تستفيد منها شبكات التهريب، خصوصا في بيئة حدودية مترامية يصعب إحكام السيطرة عليها بالكامل. ومع وجود طلب خارجي متزايد، تتحول أي ثغرة تنظيمية إلى منفذ محتمل لتسرب الإنتاج نحو مسارات غير قانونية، ما يجعل دول الجوار في مواجهة مباشرة مع نتائج سياسات لم تشارك في صياغتها، لكنها تتحمل كلفتها الأمنية والاجتماعية. وتزداد حدة الانتقاد حين يُلاحظ أن المقاربة المغربية ظلت تركز على البعد الداخلي للتنظيم دون إرساء إطار تنسيق مغاربي واضح يطمئن الدول المجاورة. فغياب آليات مشتركة للمتابعة والشفافية يعمق الشكوك حول حجم الكميات المتسربة، ويضعف الثقة بين دول يفترض أن يجمعها فضاء أمني مشترك. وفي ظل هذا الغياب، تصبح كل عملية حجز في دولة مجاورة دليلا إضافيا على أن الظاهرة لم تُحصر داخل الحدود المغربية. ومن ثم، فإن استمرار تدفق السموم عبر المنطقة يُقرأ كمؤشر على خلل أعمق في إدارة ملف ذي أبعاد إقليمية واضحة. فحين تتحول سياسة وطنية إلى مصدر ضغط على محيطها، فإن النقد يتجاوز الطابع السياسي ليصبح سؤالا حول المسؤولية الإقليمية، خاصة في منطقة تحتاج إلى مزيد من التنسيق لا إلى سياسات أحادية تترك الآخرين يواجهون التداعيات بمفردهم.

 

من الإنتاج إلى المسارات المفتوحة… كيف تعبر السموم الحدود

انطلاقا من هذا الواقع، تفرض الجغرافيا نفسها كعامل حاسم في تفسير كيفية تحرك المخدرات عبر الفضاء المغاربي والساحلي.

فامتداد الحدود البرية وتداخل المسالك الصحراوية يمنح شبكات التهريب هامشا واسعا للمناورة، مستفيدة من تضاريس وعرة ومساحات شاسعة يصعب مراقبتها بشكل كامل. ومع تطور وسائل النقل والاتصال، باتت هذه الشبكات أكثر قدرة على التخطيط وتغيير المسارات وفق الضغط الأمني. ولا يقتصر الأمر على الطرق التقليدية، بل يشمل استخدام تقنيات حديثة وأساليب تمويه معقدة تجعل من تعقب الشحنات مهمة بالغة الصعوبة. فالمهربون يعمدون إلى تقسيم الكميات إلى شحنات صغيرة، أو تمريرها عبر نقاط متعددة، ما يقلل من احتمالية اكتشافها دفعة واحدة. هذا الأسلوب المتدرج يعزز استمرارية التدفق، حتى في ظل تكثيف عمليات المراقبة على بعض المقاطع الحدودية. كما أن اتساع السوق الإقليمية، سواء من حيث العبور أو الاستهلاك، يوفر حافزا اقتصاديا كبيرا لهذه الشبكات للاستمرار. فالمخدرات، باعتبارها سلعة ذات هامش ربح مرتفع، تغذي اقتصادا موازيا يستفيد من الفوارق في مستويات الرقابة بين دولة وأخرى. وكلما اشتد الضغط في نقطة معينة، تنتقل المسارات إلى فضاءات أقل تشديدا، ما يجعل الظاهرة ديناميكية ومتغيرة باستمرار. وفي ظل هذا التعقيد، تتحول الحدود إلى خطوط اختبار مستمر لقدرات الدول على الضبط والتنسيق. فالمعركة لم تعد تتعلق بشحنة بعينها، بل بإغلاق مسارات كاملة وإعادة رسم خريطة السيطرة على الفضاء الحدودي. غير أن نجاح هذه المهمة يبقى رهينا بتعاون إقليمي فعال، يواجه شبكة عابرة للحدود بمنطق عابر للحدود كذلك، بدل الاكتفاء بردود فعل متفرقة.

 

دول الجوار تحت الضغط… استنزاف أمني وكلفة متصاعدة

وفي موازاة تمدد المسارات، تجد دول الجوار نفسها في مواجهة ضغط أمني متزايد، يفرض عليها تعبئة مستمرة لمواردها البشرية والتقنية لملاحقة شبكات لا تعترف بالحدود.

فتكثيف الدوريات، وتعزيز المراقبة الجوية والبرية، ونشر وحدات إضافية على الخطوط الحدودية، كلها إجراءات ترفع من كلفة المواجهة، في وقت تواجه فيه هذه الدول تحديات تنموية واقتصادية أخرى لا تقل إلحاحا. هذا الاستنزاف لا يقتصر على الجانب الميداني، بل يمتد إلى المنظومة القضائية التي تتحمل بدورها عبء معالجة ملفات التهريب والمتابعة الجنائية. فكل عملية ضبط تعني تحقيقات مطولة، وإجراءات قانونية معقدة، وتنسيقا عابرا للحدود، ما يضغط على الهياكل القضائية والأمنية في آن واحد. ومع تكرار الحالات، تتحول المواجهة إلى معركة استنزاف يومية تتطلب جاهزية دائمة. كما أن تنامي الظاهرة يفرض على الدول تعزيز سياساتها الوقائية داخليا، من خلال حملات توعية وبرامج علاج وإعادة إدماج، تحسبا لارتفاع معدلات التعاطي. وهذا البعد الاجتماعي يضيف كلفة إضافية، إذ يتطلب استثمارات في الصحة والتعليم والعمل الاجتماعي، بما يحول ملف المخدرات من قضية أمنية خالصة إلى قضية مجتمعية شاملة.

ومن ثم، فإن دول الجوار لا تواجه مجرد تدفقات عابرة، بل تتحمل عبئا مركبا يتداخل فيه الأمني بالاجتماعي والاقتصادي. ومع استمرار الضغط، يصبح السؤال المطروح ليس فقط كيف يتم التصدي للشحنات، بل كيف يمكن كسر حلقة الاستنزاف المستمرة، ومنع تحول المنطقة إلى ساحة مواجهة دائمة مع ظاهرة تتجدد أدواتها وأساليبها باستمرار.

 

من الممرات إلى الأسواق… تمدد داخلي يهدد النسيج الاجتماعي

ومع استمرار تدفق هذه السموم عبر الحدود، لم تعد بعض دول الجوار مجرد نقاط عبور عابرة، بل بدأت تواجه مظاهر تمدد داخلي تعكس تحولا مقلقا في طبيعة الظاهرة.

فالكميات التي تنجح في تجاوز الحواجز الأمنية لا تختفي، بل تجد طريقها إلى شبكات توزيع محلية، ما يخلق بؤر استهلاك جديدة ويغير خريطة التعاطي داخل المجتمعات.

هذا التحول يضع الفئات الشابة في واجهة الخطر، خاصة في البيئات التي تعاني هشاشة اقتصادية أو بطالة مرتفعة. فالمخدرات، في مثل هذه السياقات، لا تمثل فقط مادة استهلاكية، بل تتحول إلى مدخل لانخراط بعض الأفراد في أنشطة غير مشروعة، سواء عبر الترويج أو الوساطة، ما يعمق دائرة الانحراف ويهدد التماسك الاجتماعي على المدى المتوسط والبعيد. كما أن تمدد الاستهلاك الداخلي يفرض تحديات إضافية على المنظومة الصحية، من حيث الحاجة إلى برامج علاج الإدمان، والدعم النفسي، وإعادة الإدماج. فكل حالة تعاطٍ تتحول إلى ملف اجتماعي وصحي يتطلب مرافقة متعددة الأبعاد، ما يضاعف الضغط على الخدمات العمومية ويجعل الظاهرة أكثر تعقيدا من مجرد قضية ضبط حدود. وبذلك، يتأكد أن المخدرات لا تكتفي بالمرور عبر الجغرافيا، بل تترك بصمتها داخل المجتمعات التي تعبرها. فحين تتحول بعض الممرات إلى أسواق، يصبح الخطر مزدوجا: حدود مستنزفة من الخارج، ونسيج اجتماعي مهدد من الداخل. وهو ما يرفع منسوب القلق الإقليمي، ويفرض التعامل مع الظاهرة كتهديد استراتيجي يمس استقرار الأجيال المقبلة.

 

اقتصاد موازٍ عابر للدول… حين تتحول السموم إلى نفوذ

وإذا كان التمدد الداخلي يعكس أحد أوجه الخطر، فإن الوجه الآخر يتمثل في البنية الاقتصادية التي تقف خلف هذه الشبكات، حيث تتحول المخدرات إلى مورد مالي يغذي اقتصادا موازيا واسع الامتداد.

فالأرباح الضخمة الناتجة عن التهريب لا تبقى في إطارها الضيق، بل يعاد توظيفها في أنشطة أخرى، ما يمنح هذه الشبكات قدرة على التوسع والتأثير تتجاوز حدود الجريمة التقليدية. هذا الاقتصاد الموازي يعتمد على بنية لوجستية معقدة تشمل وسطاء، ومسارات تمويل، وآليات غسل أموال، ما يجعله أكثر تماسكًا وصعوبة في التفكيك. ومع مرور الوقت، قد تسعى بعض هذه الشبكات إلى خلق مناطق نفوذ غير رسمية، مستفيدة من الثغرات القانونية أو من هشاشة بعض البيئات الحدودية، وهو ما يهدد بتقويض سلطة الدولة في بعض الفضاءات الحساسة. كما أن تشابك المصالح غير المشروعة يفتح الباب أمام تحالفات بين شبكات مختلفة، تتقاسم الأدوار وتتكامل في ما بينها. فالمخدرات قد تمول أنشطة تهريب أخرى، وتلك الأنشطة توفر بدورها حماية لوجستية أو معلوماتية، ما يخلق دائرة مغلقة يصعب اختراقها دون تعاون دولي فعّال وتبادل مستمر للمعطيات. ومن ثم، فإن الخطر لا يكمن فقط في المادة المهربة، بل في البنية التي تستفيد منها وتعيد إنتاجها. فكلما تعززت موارد هذه الشبكات، زادت قدرتها على التكيف مع الضغط الأمني، ما يفرض على دول الجوار تطوير أدوات أكثر تطورا في المواجهة، تقوم على تفكيك المنظومة المالية والتنظيمية، لا الاكتفاء بملاحقة الشحنات في مساراتها الظاهرة.

 

مسؤولية إقليمية مؤجلة… الحاجة إلى تنسيق حازم

وأمام هذا التشابك المعقد، يبرز سؤال المسؤولية الإقليمية بوصفه مدخلا لا يمكن تجاهله.

فالمخدرات العابرة للحدود لا تعترف بالسيادة الوطنية، ما يجعل التعامل معها بمنطق الانفراد أو المقاربة الضيقة محدود الجدوى. وفي فضاء مغاربي يتقاسم التاريخ والجغرافيا والمصالح، يصبح أي خلل في الضبط داخل دولة ما عاملا مؤثرا في استقرار جيرانها، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. ومن ثم، فإن تجاوز هذه المرحلة يتطلب إرادة سياسية صريحة لإعادة بناء مقاربة إقليمية قائمة على المسؤولية المشتركة والرقابة المتبادلة. فحماية الأجيال واستقرار المجتمعات ليست قضية داخلية تخص دولة بعينها، بل تحدٍ جماعي يفرض تنسيقا حقيقيا، يضع حدًا لتحويل بعض الفضاءات إلى منصات إنتاج أو عبور، ويعيد الاعتبار لفكرة الأمن المغاربي المشترك.

مصطفى. ع