-
تصعيد الشرق الأوسط يدفع النفط إلى مستويات قياسية
-
الجزائر تستفيد من صدمة الأسواق وتحقق مداخيل إضافية
تشهد أسواق الطاقة العالمية اضطرابا غير مسبوق مع القفزة القياسية في أسعار النفط، في ظل تصاعد التوترات في الشرق الأوسط وتعطل أحد أهم شرايين الإمدادات العالمية، وهو مضيق هرمز.
فقد دفعت المخاوف من نقص الإمدادات وتقليص الإنتاج في بعض الدول المنتجة الأسعار إلى أعلى مستوياتها منذ سنوات، ما أعاد خلط الأوراق في سوق الطاقة الدولية. وفي خضم هذه التطورات، تبرز الجزائر ضمن الدول المرشحة للاستفادة من التحولات الجارية في موازين العرض والطلب.
في سياق الاضطرابات المتزايدة التي تشهدها أسواق الطاقة العالمية، سجلت أسعار النفط – حتى الاثنين، قفزة غير مسبوقة أعادت إلى الواجهة المخاوف من أزمة إمدادات عالمية. فقد ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت بنحو 24.96 دولارا، أي ما يعادل 27 بالمائة، لتصل إلى 117.65 دولارا للبرميل، في حين صعد خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي بنحو 25.72 دولارا، أو 28.3 بالمائة، ليبلغ 116.62 دولارا للبرميل، مسجلا بذلك أكبر زيادة يومية في الأسعار منذ سنوات ولم تتوقف مكاسب السوق عند هذا الحد، إذ أظهرت بيانات التداول أن خام غرب تكساس الوسيط ارتفع خلال الجلسة بنسبة 31.4 بالمائة ليصل إلى 119.48 دولارا للبرميل، بينما بلغ خام برنت مستوى 119.50 دولارًا بزيادة قدرها 29 بالمائة. وتعكس هذه الأرقام حجم التوتر الذي يهيمن على الأسواق العالمية في ظل مخاوف متزايدة بشأن استقرار الإمدادات النفطية. ويأتي هذا الارتفاع الحاد بعد موجة مكاسب قوية سجلتها الأسعار خلال الأسبوع الماضي، حيث صعد خام برنت بنحو 27 بالمائة، في حين قفز خام غرب تكساس الوسيط بنسبة 35.6 بالمائة. ويشير هذا المسار التصاعدي إلى أن الأسواق النفطية دخلت مرحلة من التقلبات الحادة التي تعكس حجم الضغوط الجيوسياسية والاقتصادية التي تؤثر على توازن العرض والطلب. وفي ظل هذه التطورات، يرى متابعون أن القفزة الحالية في الأسعار لا تعكس فقط عوامل السوق التقليدية، بل ترتبط بدرجة كبيرة بالتصعيد الجيوسياسي في الشرق الأوسط، الذي يعد أحد أهم مراكز إنتاج وتصدير الطاقة في العالم. ومع استمرار التوترات في المنطقة، تبقى أسواق النفط في حالة ترقب حذر لأي تطورات قد تدفع الأسعار إلى مستويات أعلى خلال الفترة المقبلة.
مضيق هرمز.. شريان الطاقة العالمي في قلب الأزمة
وفي خلفية الارتفاع القياسي الذي سجلته أسعار النفط، يبرز مضيق هرمز باعتباره أحد أهم العوامل التي تقف وراء التوتر الذي يهيمن على أسواق الطاقة العالمية. فهذا الممر البحري الضيق يعد من أكثر نقاط العبور حساسية في تجارة الطاقة الدولية، إذ يمر عبره نحو 20 بالمائة من إمدادات النفط العالمية، أي ما يقارب 17 مليون برميل يوميا، إضافة إلى نحو ثلث تجارة الغاز الطبيعي المسال في العالم. وقد أدت التطورات الأمنية الأخيرة في المنطقة إلى اضطراب حركة ناقلات النفط عبر المضيق، ما تسبب في تباطؤ الشحنات وارتفاع تكاليف النقل والتأمين البحري. ومع تزايد المخاطر الأمنية، أصبحت شركات الشحن أكثر حذرا في عبور هذه المنطقة الحيوية، الأمر الذي انعكس مباشرة على وتيرة تدفق الإمدادات إلى الأسواق الدولية. ويكتسي هذا الوضع أهمية خاصة بالنسبة للدول الآسيوية التي تعتمد بشكل كبير على واردات النفط القادمة من الشرق الأوسط. فاقتصادات كبرى مثل الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية تستورد جزءًا كبيرا من احتياجاتها الطاقوية عبر هذا المسار البحري، ما يجعل أي اضطراب في حركة العبور عبر المضيق عاملا مباشرا في زيادة الضغط على الأسواق ورفع الأسعار. وفي ظل هذه المعطيات، تحول مضيق هرمز إلى محور أساسي في معادلة الطاقة العالمية، حيث تتابع الأسواق عن كثب تطورات الوضع في المنطقة. فاستمرار التوترات أو تعطل الملاحة في هذا الشريان الحيوي قد يؤدي إلى مزيد من التقلبات في الأسعار ويعمق حالة القلق التي تسود سوق النفط الدولية.
اضطرابات الإمدادات وخفض الإنتاج يرفعان منسوب القلق في الأسواق
وفي موازاة التوترات التي يشهدها مضيق هرمز، ازدادت المخاوف في الأسواق العالمية مع ظهور مؤشرات على اضطراب فعلي في الإمدادات النفطية، نتيجة تراجع الإنتاج في بعض الدول المنتجة في الشرق الأوسط. فقد بدأت عدة دول في تقليص إنتاجها بشكل تدريجي بسبب تعطل مسارات التصدير وارتفاع المخاطر المرتبطة بالشحن والنقل البحري.
وفي هذا السياق، أفادت مصادر في قطاع النفط بأن إنتاج الحقول الرئيسية في العراق انخفض بنحو 70 بالمائة ليصل إلى حوالي 1.3 مليون برميل يوميا فقط، بعد أن واجهت البلاد صعوبات في تصدير النفط عبر مضيق هرمز. ويعد هذا التراجع من بين أكبر الانخفاضات التي يشهدها إنتاج النفط في المنطقة خلال فترة قصيرة، ما زاد من حدة القلق لدى المتعاملين في الأسواق.
كما أعلنت شركة نفط الكويت حالة القوة القاهرة على بعض الشحنات النفطية، وبدأت خفض الإنتاج منذ الأيام الأولى للأزمة، في خطوة تعكس حجم الضغوط التي تواجهها عمليات التصدير في المنطقة. ويشير محللون إلى أن استمرار هذه الظروف قد يدفع دولا أخرى في الخليج إلى اتخاذ إجراءات مماثلة، خاصة مع تزايد المخاطر المرتبطة بسلامة الشحنات البحرية.
ومع تراجع الإنتاج في بعض الدول المنتجة وتزايد حالة عدم اليقين بشأن استقرار الإمدادات، أصبحت الأسواق النفطية أكثر حساسية لأي تطورات جديدة في المنطقة. فكل انخفاض في الإنتاج أو تعطّل في الشحنات يترجم سريعا إلى ارتفاع في الأسعار، وهو ما يفسر استمرار حالة التوتر التي تهيمن على سوق الطاقة العالمية في المرحلة الحالية.
الأزمة تعيد رسم خريطة الطاقة العالمية
ومع تزايد اضطرابات الإمدادات وتفاقم المخاطر الجيوسياسية في الشرق الأوسط، بدأت ملامح تحولات أعمق تظهر في سوق الطاقة الدولية، حيث لم تعد الأزمة الحالية مجرد ارتفاع مؤقت في الأسعار، بل باتت مؤشرا على إعادة تشكيل موازين العرض والطلب عالميا. فإغلاق مضيق هرمز منذ 28 فيفري الماضي، وهو الممر الذي يعبر عبره نحو 20 بالمائة من النفط العالمي أي ما يقارب 17 مليون برميل يوميا، إضافة إلى ثلث تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميا، أحدث صدمة كبيرة في منظومة الإمدادات الدولية.
وأمام هذا الوضع، بدأت الدول المستهلكة الكبرى في البحث عن بدائل لتأمين احتياجاتها الطاقوية. فقد لجأت الصين إلى زيادة وارداتها العاجلة من النفط بنسبة 20 بالمائة لتفادي أي نقص محتمل في الإمدادات، في حين سارعت الولايات المتحدة إلى تعبئة جزء من احتياطاتها الاستراتيجية التي تقدر بنحو 600 مليون برميل بهدف تهدئة الأسواق وتعزيز الاستقرار في الإمدادات.
كما تواجه أوروبا بدورها ضغوطا متزايدة بسبب هذه التطورات، خاصة في ظل تراجع مستوى المخزونات النفطية إلى نحو 75 بالمائة من طاقتها الاستيعابية. ويجعل هذا الوضع القارة الأوروبية أكثر حساسية لأي اضطرابات جديدة في الإمدادات، ما يدفعها إلى تكثيف جهود تنويع مصادر الطاقة والبحث عن شركاء جدد لتأمين احتياجاتها المستقبلية.
وفي ظل هذه التحولات، يرى متابعون أن الأزمة الحالية قد تسرّع من إعادة رسم خريطة الطاقة العالمية خلال السنوات المقبلة. فمع تراجع الاعتماد على بعض المسارات التقليدية للإمدادات، قد تبرز مناطق جديدة كمصادر بديلة للطاقة، خاصة في إفريقيا التي تمتلك احتياطات معتبرة من النفط والغاز، ما يمنحها دورا متزايد الأهمية في توازنات السوق العالمية.
الجزائر بين أبرز المستفيدين من صدمة الأسواق النفطية
وفي خضم التحولات المتسارعة التي يشهدها سوق الطاقة العالمي، تبرز الجزائر ضمن الدول المرشحة للاستفادة من الارتفاع الكبير في أسعار النفط والاضطرابات التي مست الإمدادات القادمة من الشرق الأوسط. فبحسب تقديرات منظمة منتجي النفط الأفارقة (APPO)، يتوقع أن ترتفع مداخيل الجزائر من صادرات النفط الخام بنحو 18 بالمائة في ظل الظروف الحالية، وهو ما قد يمنح الاقتصاد الوطني هامشا إضافيا من الموارد المالية خلال الفترة المقبلة. ولا يقتصر تأثير هذه التطورات على عائدات الطاقة فقط، إذ تشير تقديرات المنظمة إلى أن هذه الطفرة في الإيرادات قد تنعكس مباشرة على أداء الاقتصاد الجزائري، مع توقعات بارتفاع الناتج الداخلي الخام بنحو ثلاث نقاط مئوية (+3 بالمائة) نتيجة تحسن مداخيل التصدير وارتفاع الطلب الدولي على النفط والغاز خارج مناطق التوتر. ويأتي هذا الوضع في سياق أوسع يشهد فيه النفط الإفريقي اهتماما متزايدا في الأسواق العالمية، خاصة أن الإمدادات القادمة من القارة لا تتأثر بشكل مباشر بالأزمة الجارية في مضيق هرمز. فإفريقيا تنتج كميات معتبرة من النفط، حيث يبلغ إنتاج نيجيريا نحو 1.8 مليون برميل يوميا، وأنغولا نحو 1.2 مليون برميل يوميا، فيما تنتج الجزائر قرابة مليون برميل يوميا، إضافة إلى دول أخرى مثل الغابون والكونغو، ما يعزز موقع القارة في معادلة الطاقة العالمية.
وفي ظل هذه المعطيات، يرى متابعون أن الأزمة الحالية قد تمنح الجزائر فرصة لتعزيز موقعها كمورد موثوق للطاقة في الأسواق الدولية، خاصة بالنسبة لأوروبا التي تسعى بشكل متزايد إلى تنويع مصادر إمداداتها. فمع ارتفاع الطلب على الطاقة خارج مناطق التوتر، تصبح الدول المنتجة المستقرة، وفي مقدمتها الجزائر، لاعبا أكثر أهمية في ضمان توازن السوق العالمية.
أنبوب الغاز العابر للصحراء.. مشروع استراتيجي يتسارع بفعل الأزمة
وفي سياق التحولات التي يشهدها سوق الطاقة العالمي، تبرز مشاريع البنية التحتية الطاقوية الكبرى كأحد أهم الأدوات التي قد تستفيد من الأزمة الحالية، وعلى رأسها مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء الذي يربط الجزائر ونيجيريا مرورا بالنيجر. فمع تزايد الحاجة الدولية إلى مصادر طاقة بديلة وأكثر استقرارا، عاد هذا المشروع الاستراتيجي إلى الواجهة باعتباره أحد الحلول الواعدة لتعزيز إمدادات الغاز نحو الأسواق الدولية. وبحسب تقديرات منظمة منتجي النفط الأفارقة (APPO)، قد تسهم الأزمة الحالية في تسريع تنفيذ هذا المشروع الطاقوي الضخم، الذي من المتوقع أن يصبح عمليا بحلول عام 2029. ويُنظر إلى هذا الأنبوب باعتباره أحد أكبر مشاريع الغاز في القارة الإفريقية، حيث سيسمح بنقل كميات كبيرة من الغاز الطبيعي من نيجيريا، أحد أكبر المنتجين في إفريقيا، نحو الجزائر ومنها إلى الأسواق الأوروبية. ويأتي الاهتمام المتزايد بهذا المشروع، في وقت تبحث فيه أوروبا عن تنويع مصادر إمداداتها الطاقوية وتقليص اعتمادها على بعض المسارات التقليدية. فالجزائر تمتلك بالفعل بنية تحتية مهمة لنقل الغاز نحو القارة الأوروبية، من خلال أنبوبين رئيسيين يربطانها بكل من إيطاليا وإسبانيا، ما يمنحها موقعا استراتيجيا يمكن أن يعزز دورها كمحور أساسي لنقل الطاقة الإفريقية نحو الضفة الشمالية للمتوسط. وفي ضوء هذه المعطيات، يرى متابعون أن مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء قد يتحول إلى أحد أبرز المشاريع الطاقوية في إفريقيا خلال السنوات المقبلة، خاصة إذا استمرت التحولات الحالية في سوق الطاقة العالمية. فمع تزايد الطلب على مصادر إمداد مستقرة، قد تلعب الجزائر دورا محوريا في ربط احتياطات الغاز الإفريقية بالأسواق الدولية، وهو ما يعزز مكانتها الجيوطاقوية في خريطة الطاقة العالمية.
مصطفى. ع