أظهر نبوغا مُبكرا

الشهيد قاسم رزيق.. جاهد بعلمه وقوته في سبيل الوطن

الشهيد قاسم رزيق.. جاهد بعلمه وقوته في سبيل الوطن

ولد الشهيد قاسم رزيق سنة 1924 بواحة أمخادمة بسكرة، وهو ابن الفلاح البسيط سليمان رزيق ووالدته هنية. نشأ في بيئة ريفية قاسية مثلها مثل كثير من قرى الزيبان في تلك الفترة.

ومنذ طفولته أظهر قاسم رزيق نبوغا مبكرا، فأدخله والده الكتّاب وهو في سن الرابعة لحفظ القرآن الكريم، فحفظه بسرعة مدهشة حتى أصبح يؤم الناس في الصلاة وهو في العاشرة من عمره. ثم واصل تعليمه على يد العلامة الشيخ نعيم نعيمي، حيث تعلم مبادئ اللغة العربية وعلومها، وازداد شغفه بطلب العلم، الأمر الذي دفعه للتفكير في مواصلة دراسته خارج الجزائر.

وقرر قاسم رزيق السفر إلى جامع الزيتونة رغم صعوبة الرحلة وتكاليفها. ولم يتردد والده في بيع أحد أجمل بساتينه لتوفير المال اللازم لابنه، فانطلق الفتى الذي لم يتجاوز الخامسة عشرة من عمره في رحلة شاقة على الأقدام عبر تبسة، وفي أروقة جامع الزيتونة اجتاز امتحان القبول بتفوق وأصبح من الطلبة المتميزين علما وأخلاقا، لكنه لم ينشغل بالعلم وحده، بل انخرط أيضا في النشاط الوطني إلى جانب الطلبة الجزائريين المناضلين، فكان من أبرز عناصر جمعية الطلبة الجزائريين الزيتونيين التي ضمت نخبة من المناضلين من بينهم عبد الحميد مهري ومولود قاسم وساهم قاسم رزيق في تأطير الطلبة الجزائريين الوافدين إلى الزيتونة وتوفير الظروف الملائمة لهم للدراسة، إلى جانب نشر الوعي الوطني بينهم والدعوة إلى توحيد صفوفهم في خدمة القضية الجزائرية، كما شارك الشهيد في العمل الفكري والصحفي فكتب في بعض المجلات مثل جريدة “المنار”، وانخرط في دعم الحركة الوطنية التونسية في نضالها ضد الاستعمار، وهو ما عرّضه للاعتقال عدة مرات بسبب مواقفه السياسية الجريئة، وكان يحظى باحترام كبير لدى المناضلين التونسيين، حتى أن السيدة وسيلة زوجة الزعيم الحبيب بورقيبة كانت تزوره في السجن حاملة له الكتب والجرائد والطعام تقديرا لدوره في دعم نضال الشعب التونسي.

انتخب الشهيد عضوا في اللجنة المركزية لحزب انتصار الحريات الديمقراطية ممثلا لمنطقة الجنوب، كما تولى رئاسة جمعية الطلبة الجزائريين الزيتونيين، وظل يتحرك بين تونس والجزائر إلى أن عاد نهائيا إلى أرض الوطن لمواصلة نضاله، ومع تصاعد الكفاح المسلح ضد الاستعمار، انخرط الشهيد في العمل الثوري السري ابتداء من سنة 1955، إلى غاية سبتمبر 1957 حين قرر الالتحاق بصفوف جيش التحرير الوطني. وفي إحدى أمسيات الخريف أخبر زوجته بقراره، وطلب منها تحضير بعض أغراضه، موصيا إياها بوالديه وبابنه الذي لم يولد بعد، وكانت لحظات الوداع مؤثرة حين ودع والديه قائلا إن الجزائر أغلى من كل شيء.

التحق قاسم رزيق بصفوف المجاهدين رفقة الشهيد بلقاسم بن زاغز، وأذيع خبر التحاقه بالكفاح المسلح عبر إذاعة صوت الجزائر، ليبدأ مرحلة جديدة في حياته. وبين صفوف المجاهدين استغل ثقافته الواسعة في تعليم رفاقه مبادئ القراءة والكتابة، إلى جانب قيامه بمهام سياسية وتنظيمية في الولاية الأولى ثم في الولاية السادسة، حيث اتخذه القائد محمد شعباني كاتبا له برتبة ملازم. وشارك في عدة معارك بالمنطقة الرابعة من الولاية السادسة، وظل يجاهد ببندقيته وقلمه إلى أن ارتقى شهيدا سنة 1959 بجبل قعقع، بعد مسيرة حافلة بالعطاء والتضحية في سبيل تحرير الجزائر.