في يومها العالمي

الصحة في الجزائر.. رهان اليوم وتحديات الغد

الصحة في الجزائر.. رهان اليوم وتحديات الغد

يحيي العالم، اليوم، اليوم العالمي للصحة، وتتجدد الدعوات في الجزائر بهذه المناسبة إلى ضرورة الاهتمام بالصحة العمومية، وتعزيز الوعي المجتمعي بأهمية الوقاية، خاصة في ظل التحديات الصحية التي يعرفها العالم اليوم.

 

خطوات إلى الأمام

شهدت المنظومة الصحية في الجزائر خلال السنوات الأخيرة تحسنا ملحوظا من حيث توفر الهياكل الصحية وانتشار المراكز الاستشفائية عبر مختلف الولايات، إضافة إلى جهود الدولة في توفير العلاج المجاني في العديد من التخصصات، كما تم تسجيل تقدم في برامج التلقيح ومكافحة بعض الأمراض المزمنة.

ورغم كل هذه المكتسبات، ما تزال بعض النقائص مطروحة مثل الضغط الكبير على المستشفيات، ونقص بعض التجهيزات أو الكوادر الطبية في مناطق معينة، ما يستدعي مزيدا من الإصلاحات لضمان خدمة صحية متوازنة وعادلة.

 

الوقاية ثقافة يجب أن تتجذر

لا تقتصر الصحة على العلاج فقط، بل تبدأ أساسا من الوقاية، وهنا يبرز دور المواطن في تبني نمط حياة صحي، يشمل التغذية المتوازنة، ممارسة الرياضة وتفادي العادات الضارة كالتدخين.

كما أن التوعية الصحية تلعب دورا محوريا، خاصة في المدارس ووسائل الإعلام، لترسيخ سلوكيات صحية لدى مختلف فئات المجتمع، وهو ما يتماشى مع أهداف منظمة الصحة العالمية التي تدعو إلى “صحة الجميع”.

 

تحديات صحية معاصرة

تواجه الجزائر كغيرها من الدول تحديات صحية جديدة، أبرزها انتشار الأمراض المزمنة مثل السكري وارتفاع ضغط الدم، إضافة إلى التأثيرات النفسية والاجتماعية للحياة العصرية.

كما أظهرت جائحة كوفيد-19 أهمية الجاهزية الصحية وضرورة الاستثمار في البحث العلمي والطب الوقائي، إلى جانب تعزيز الثقة بين المواطن والمؤسسات الصحية.

 

دور المجتمع مسؤولية مشتركة

لا يقتصر تحسين الواقع الصحي على الدولة فقط، بل هو مسؤولية جماعية، يساهم فيها كل الأفراد، الجمعيات ووسائل الإعلام، فالمبادرات التطوعية، حملات التبرع بالدم، والأنشطة التحسيسية، كلها عناصر تعزز ثقافة التضامن الصحي داخل المجتمع الجزائري.

 

ضغط المستشفيات.. يوميات مرهقة بين الانتظار ونقص الإمكانيات

في جولة ميدانية داخل عدد من المؤسسات الاستشفائية، يظهر جليا حجم الضغط الذي تعيشه المستشفيات الجزائرية، خاصة في المصالح الحيوية مثل الاستعجالات الطبية وطب الأطفال، طوابير طويلة من المرضى ووجوه متعبة تنتظر دورها لساعات في مشهد يتكرر يوميا ويزداد حدة في بعض الفترات، ففي إحدى قاعات الانتظار، تقول سيدة كانت ترافق والدتها إنها اضطرت للانتظار لمدة تجاوزت الثلاث ساعات وهي مضطرة للانتظار أكثر حتى تتمكن من الدخول إلى الطبيب، ويقول شاب آخر إن العمل كثير على الأطباء، لكن يجب إيجاد حل حتى لا يتعب المرضى كثيرا.

من جهتهم، يؤكد بعض العاملين في القطاع أن الضغط لا يعود فقط لكثرة المرضى، بل أيضا لنقص بعض الوسائل والكوادر خاصة في المناطق ذات الكثافة السكانية العالية، ورغم ذلك يواصل الطاقم الطبي عمله في ظروف صعبة محاولا تقديم أفضل ما يمكن بالإمكانيات المتاحة.

هذا الواقع يعكس تحديا حقيقيا أمام المنظومة الصحية، ويعيد طرح ضرورة تحسين ظروف الاستقبال، وتخفيف الضغط على المستشفيات عبر دعم الهياكل الصحية الجوارية وتعزيز ثقافة التوجه إلى العيادات في الحالات غير المستعجلة.

 

الصحة النفسية.. جانب مهم ما يزال مهمشا

إلى جانب الصحة الجسدية، تبقى الصحة النفسية من الجوانب التي لم تنل بعد الاهتمام الكافي في المجتمع الجزائري، رغم تأثيرها المباشر على حياة الأفراد، فالضغوط اليومية، سواء المرتبطة بالعمل أو الدراسة أو الظروف الاجتماعية، جعلت الكثير يعيشون حالات من القلق والتوتر دون اللجوء إلى مختصين.

وما يزال الحديث عن الأمراض النفسية في بعض الأوساط يُقابل بنوع من التحفظ، ما يدفع البعض إلى تجاهل معاناتهم أو إخفائها، بدل البحث عن الدعم والعلاج، في المقابل يؤكد مختصون أن التوازن النفسي لا يقل أهمية عن الصحة الجسدية بل هو أساسها.

وتدعو منظمة الصحة العالمية إلى ضرورة إدماج الصحة النفسية ضمن أولويات السياسات الصحية، وتعزيز التوعية المجتمعية لكسر الصور النمطية المرتبطة بها.

وفي هذا السياق، تبقى الحاجة ملحة إلى توفير خدمات نفسية أكثر قربا من المواطن، سواء عبر المؤسسات الصحية أو من خلال حملات تحسيسية خاصة في أوساط الشباب.

 

دراسات ودلالات

تكشف تقارير منظمة الصحة العالمية أن الأمراض المزمنة مثل السكري وارتفاع ضغط الدم، تشهد انتشارا متزايدا في العديد من الدول، من بينها الجزائر، حيث أصبحت تمثل عبئا حقيقيا على المنظومة الصحية، وتشير تقديرات إلى أن نسبة معتبرة من البالغين تعاني من أحد هذه الأمراض، في ظل تغير نمط الحياة وقلة النشاط البدني.

كما تُظهر بعض الدراسات الوطنية أن أمراض القلب والشرايين تعد من بين الأسباب الرئيسية للوفيات، وهو ما يعكس الحاجة الملحة لتعزيز ثقافة الوقاية والكشف المبكر، وفي جانب آخر سجلت المصالح الصحية إقبالا متزايدا على الاستشارات المرتبطة بالقلق والتوتر، خاصة بعد جائحة كوفيد-19، ما يُؤكد أهمية إدماج الصحة النفسية ضمن أولويات الصحة العمومية.

هذا، وفي ظل كل هذه المعطيات يبقى الرهان الحقيقي في الجزائر ليس فقط في تطوير الهياكل الصحية، بل في بناء وعي مجتمعي يجعل الصحة أولوية يومية وليس مجرد رد فعل عند المرض، فالتحديات المطروحة اليوم، من ضغط المستشفيات إلى انتشار الأمراض المزمنة تفرض تضافر الجهود بين الدولة والمواطن.

وبمناسبة اليوم العالمي للصحة تتجدد الدعوة إلى تبني سلوكيات صحية بسيطة لكنها فعالة، تبدأ من التغذية المتوازنة ولا تنتهي عند الفحص الدوري، فالصحة في النهاية ليست مسؤولية جهة واحدة بل هي ثقافة مجتمع بأكمله، وقد لا تتغير الأوضاع بين ليلة وضحاها، لكن الخطوة الأولى تبدأ بالوعي والوعي هو أساس كل إصلاح حقيقي نحو مستقبل صحي أفضل.

 

معاً من أجل الصحة.. ادعموا العلم

للإشارة، فقد دعا الاحتفال باليوم العالمي للصحة لسنة 2026، الذي يُحتفل به في 7 أفريل، الأفراد في كل مكان إلى دعم العلم، وهذا تحت شعار “معاً من أجل الصحة. ادعموا العلم”، وبالمناسبة تم إطلاق أنشطة احتفالية وحملات تدوم عاما كاملا للاحتفاء بقدرة التعاون العلمي على حماية صحة البشر والحيوانات والنباتات والكوكب، كما تسلط الحملة الضوء على الإنجازات العلمية والتعاون المتعدد الأطراف اللازم لتحويل الأدلة إلى أفعال – من خلال تركيز قوي على نهج “الصحة الواحدة”.

وتستند حملة عام 2026 إلى حدثين عالميين رئيسيين، هما: مؤتمر القمة الدولي بشأن “الصحة الواحدة” (7أفريل الذي تستضيفه حكومة فرنسا في إطار الرئاسة الفرنسية لمجموعة السبع، والمنتدى العالمي الافتتاحي للمراكز المتعاونة مع منظمة الصحة العالمية (7-9 أفريل)، اللذان سيشهدان مشاركة نحو 800 مؤسسة علمية من أكثر من 80 بلداً، ويشكل هذان الحدثان مجتمعين أكبر شبكة علمية تجتمع حول وكالة تابعة للأمم المتحدة، مما يؤكد أن الشراكات المسندة بالعلم يمكن أن تبني مستقبلاً أوفر صحة وأكثر أماناً للجميع.

وتدعو الحملة الأفراد في كل مكان إلى المشاركة – من خلال الاحتفاء بالإنجازات العلمية، والاهتمام بالأدلة، ومشاركة قصص شخصية عن السبل التي يمكن بها للعلم تحسين نوعية الحياة، والانضمام إلى الحوار العالمي.

لمياء بن دعاس