إشارات الدولة تتجسد ميدانيًا من وهران..

الصناعة الميكانيكية في صلب الرهان الاقتصادي

الصناعة الميكانيكية في صلب الرهان الاقتصادي
  • صالون “ميكانيكا الجزائر” يترجم التوجه الصناعي للدولة ميدانيا

 

  • الإدماج المحلي وتقليص الواردات في قلب الرهان الميكانيكي

 

  • من التركيب إلى الاستثمار المنتج… شراكات تبني القيمة داخل الوطن

تندرج الصناعات الميكانيكية اليوم في صلب الخيارات الاستراتيجية التي تراهن عليها الدولة لإعادة بعث القطاع الصناعي على أسس أكثر نجاعة واستدامة.

وفي هذا السياق، جاء تنظيم الطبعة الأولى للصالون الدولي “ميكانيكا الجزائر” بوهران ليعكس ترجمة ميدانية لتوجهات السياسة الصناعية الوطنية، من خلال إبراز دور المناولة والإدماج المحلي والاستثمار المنتج كرافعات أساسية لبناء صناعة وطنية قوية وقادرة على تقليص التبعية للواردات.

 

يجسّد تنظيم الطبعة الأولى للصالون الدولي “ميكانيكا الجزائر” بوهران، انتقال توجهات الدولة الصناعية من مستوى التصريحات والتصورات إلى فضاء التنفيذ الميداني، في لحظة تسعى فيها السلطات العمومية إلى إعادة هيكلة القطاع الصناعي وفق منطق أكثر واقعية وارتباطا بالاقتصاد الحقيقي. فاختيار الصناعة الميكانيكية موضوعا لهذا الموعد يعكس إدراكا رسميا لدورها المحوري في تحريك سلاسل الإنتاج وبناء قاعدة صناعية متكاملة. ويبرز الطابع المؤسساتي للتظاهرة، من خلال إشراف وزارة الصناعة ومرافقة هيئات وطنية مختصة، كدليل على أن الصالون يأتي ضمن رؤية استراتيجية تهدف إلى خلق فضاءات دائمة للقاء بين المتعاملين الصناعيين، وتشجيع التشبيك بين المصنعين والمناولين، بما يخدم منطق الإدماج المحلي الذي تراهن عليه الدولة في هذه المرحلة. كما تعكس المشاركة الواسعة لفاعلين وطنيين في تصنيع المركبات وقطع الغيار والمناولة الصناعية توجّها واضحا نحو تثمين القدرات المحلية وإبراز ما تحقق في مجال هيكلة سلاسل التموين الوطنية. وهو ما ينسجم مع خطاب السلطات العمومية الداعي إلى تقليص الفجوة بين الإمكانات المتاحة على المستوى المحلي ومتطلبات السوق، من خلال دعم الإنتاج الوطني بدل الاعتماد المفرط على الاستيراد. وفي هذا الإطار، يكتسي الصالون بعدا عمليا في تجسيد سياسة الدولة الرامية إلى رفع نسب الإدماج الصناعي، من خلال عرض المنتجات، وفتح نقاشات مهنية حول سبل تطوير المناولة، وتحفيز الاستثمار المنتج، وإقامة شراكات قائمة على التكامل الصناعي لا على منطق التركيب السريع أو النشاطات الهشة. وعليه، يمكن قراءة “ميكانيكا الجزائر” كأداة تنفيذ ضمن منظومة أوسع لإعادة بعث الصناعة الوطنية، حيث يلتقي التوجه السياسي بالإرادة الاقتصادية على أرض الواقع. فالتظاهرة، في بعدها الرمزي والعملي، تعكس مسعى الدولة إلى بناء صناعة ميكانيكية قادرة على لعب دورها كحلقة مفصلية في مسار تنويع الاقتصاد الوطني وتعزيز سيادته الصناعية.

 

إدماج صناعي وتقليص للواردات

ويشكّل محور الإدماج الصناعي أحد أبرز الرهانات التي تسعى الدولة إلى تكريسها من خلال تنظيم صالون “ميكانيكا الجزائر”، باعتباره مدخلا عمليا لتقليص التبعية للواردات وبناء منظومة إنتاجية أكثر توازنا. فالصناعة الميكانيكية، بما تتطلبه من شبكات تموين محلية وقطع غيار ومكونات، تمثل قاعدة أساسية لأي مسعى يرمي إلى إحلال المنتج الوطني محل المستورد. ويعكس الحضور القوي لمنتجي قطع الغيار ومتعاملين في المناولة الصناعية داخل الصالون توجّها واضحا نحو إعادة تشكيل سلاسل القيمة داخل الوطن، من خلال تشجيع المؤسسات المحلية على الاندماج في دورة الإنتاج بدل الاكتفاء بأدوار هامشية. هذا التوجه ينسجم مع السياسة الصناعية التي تسعى إلى رفع نسب الإدماج تدريجيا، بما يسمح بتقليص فاتورة الاستيراد وتوجيه الموارد نحو الاستثمار المنتج. كما تبرز أهمية هذا المسعى في كونه لا يقتصر على البعد الاقتصادي فحسب، بل يمتد إلى تعزيز الأمن الصناعي للبلاد، عبر تقليل الارتهان للأسواق الخارجية وتقلباتها. فكل نسبة إدماج إضافية تعني قدرة أكبر على التحكم في كلفة الإنتاج وضمان استمرارية النشاط الصناعي، خاصة في القطاعات المرتبطة بصناعة المركبات والتجهيزات الميكانيكية. وفي هذا السياق، يوفر الصالون فضاء عمليا لتقريب وجهات النظر بين المصنعين والمناولين، وفتح آفاق شراكات تسمح بتطوير منتجات محلية مطابقة للمعايير المطلوبة. وهو ما من شأنه خلق ديناميكية جديدة داخل النسيج الصناعي، تقوم على التكامل بدل التشتت، وعلى توطين القيمة المضافة داخل الوطن بدل تصديرها في شكل واردات. وبذلك، يظهر الإدماج الصناعي كخيار استراتيجي يتجاوز الطابع الظرفي، ويشكل أحد مفاتيح الانتقال نحو اقتصاد أكثر قدرة على الصمود. ويأتي صالون “ميكانيكا الجزائر” ليترجم هذا التوجه إلى ممارسة ميدانية، تضع الأسس العملية لمرحلة جديدة يكون فيها تقليص الواردات نتيجة طبيعية لتطور الإنتاج الوطني، لا مجرد إجراء ظرفي مرتبط بالضبط التجاري.

 

المناولة كرافعة محلية

كما تتقدّم المناولة الصناعية اليوم كأحد المفاتيح العملية لإعادة بعث الصناعة الوطنية، وهو ما عكسته بوضوح مشاركة واسعة لمتعاملين في هذا المجال ضمن صالون “ميكانيكا الجزائر”. فالمناولة تحوّلت إلى ركيزة محورية تسمح بترسيخ الإنتاج المحلي وبناء قاعدة صناعية قادرة على الاستجابة لمتطلبات المصنّعين الكبار. ويُبرز حضور مؤسسات المناولة في هذا الحدث الصناعي حجم التحوّل الجاري في نظرة الفاعلين العموميين والخواص لهذا النشاط، باعتباره أداة لخلق القيمة المضافة محليا وتقليص الاعتماد على المورّد الخارجي. فتمكين المناولين من الاندماج في سلاسل الإنتاج يفتح المجال أمام توطين الخبرة الصناعية، ويمنح المؤسسات الصغيرة والمتوسطة دورا فعليا في الدورة الاقتصادية. كما تكتسي المناولة أهمية خاصة في قطاع الصناعات الميكانيكية، بالنظر إلى طبيعة هذا المجال القائم على التخصص الدقيق وتعدد المكونات. إذ يسمح الاعتماد على شبكة محلية من المناولين بتقليص آجال التوريد، والتحكم في التكاليف، ورفع مرونة الإنتاج، وهي عوامل حاسمة في بناء صناعة تنافسية ومستدامة. ومن زاوية أخرى، يشكل الصالون فضاء لتقريب المصنعين من المناولين، عبر تبادل الخبرات وبحث فرص الشراكة والتكامل. هذا التقارب الميداني يساهم في تجاوز الإشكالات التقليدية المرتبطة بضعف التنسيق، ويفتح المجال أمام تعاقدات طويلة المدى، تُخرج المناولة من منطق الطلب الظرفي إلى منطق الشراكة المستقرة. وعليه، تبدو المناولة الصناعية مرشحة لتكون إحدى الروافع المحلية الأساسية لإنجاح الرؤية الصناعية الجديدة، شريطة مرافقتها بسياسات دعم وتأهيل وتكوين مستمر. فبناء صناعة قوية يمر عبر الاستثمارات الكبرى، وشبكة متماسكة من المناولين المحليين القادرين على تحويل التوجهات الاستراتيجية للدولة إلى واقع إنتاجي ملموس.

 

الاستثمار المنتج بدل التركيب

كما يعكس صالون “ميكانيكا الجزائر” توجّها واضحا نحو ترسيخ منطق الاستثمار المنتج، القائم على التصنيع الفعلي وبناء القدرات الصناعية، بدل الاكتفاء بنماذج التركيب التي طبعت مراحل سابقة من النشاط الصناعي. فحضور مؤسسات متخصصة في تصنيع المكونات وقطع الغيار يؤشر على انتقال تدريجي من منطق التجميع إلى منطق الإنتاج المتكامل. ويأتي هذا التحول منسجما مع الخطاب الرسمي الذي يضع قيمة الاستثمار في قدرته على خلق الثروة ونقل المعرفة، لا في حجمه المالي فقط. فالصناعة الميكانيكية، بطبيعتها التقنية، تفرض استثمارات طويلة الأمد في التجهيز والتكوين والبحث، وهو ما يجعلها معيارا حقيقيا لجدية المشاريع الصناعية وجدواها الاقتصادية. كما يبرز هذا التوجه في الاهتمام المتزايد بسلاسل القيمة، حيث لم يعد الهدف هو إنتاج منتج نهائي فحسب، بل التحكم في مختلف مراحله، من التصنيع إلى المناولة والدعم اللوجستي. وهو مسار يسمح بتثبيت النشاط الصناعي محليا ويقلّص هشاشته أمام تقلبات الأسواق الخارجية. وفي هذا السياق، يتيح الصالون فرصة لعرض نماذج استثمارية قائمة على الإدماج التدريجي، حيث تُبنى المشاريع الصناعية على مراحل، وفق قدرات حقيقية والتزامات واضحة. هذا النمط من الاستثمار يعزز الثقة بين الشركاء، ويشجع على تطوير نسيج صناعي متماسك وقابل للتوسع. وبذلك، يتكرّس الاستثمار المنتج كخيار استراتيجي يتجاوز البعد الاقتصادي إلى بعد هيكلي، يهدف إلى إرساء صناعة وطنية قادرة على المنافسة والاستدامة. وهو خيار يضع التركيب في موقعه الطبيعي كمرحلة انتقالية، لا كغاية، ضمن مسار أوسع لإعادة بعث الصناعة على أسس أكثر صلابة.

 

الشراكة ونقل التكنولوجيا

وتؤكد مخرجات صالون “ميكانيكا الجزائر” أن الشراكة الصناعية باتت تُقاس بنوعية المحتوى الذي تحمله، وعلى رأسه نقل التكنولوجيا وبناء المعرفة المحلية. فالتظاهرة شكّلت فضاء للقاء بين فاعلين وطنيين ومتعاملين يمتلكون خبرات تقنية، في سياق يبحث عن شراكات تتجاوز منطق التزويد إلى منطق الإنتاج المشترك. ويبرز هذا التوجه في التركيز على إدماج التقنيات الحديثة في سلاسل التصنيع، بما يسمح برفع مستوى التحكم في العمليات الصناعية وتطوير الكفاءات الوطنية. فالصناعة الميكانيكية، بما تتطلبه من دقة ومعايير عالية، تفرض نماذج شراكة قائمة على التكوين، المرافقة التقنية، والتدرج في نقل الخبرة، بدل الاكتفاء باستيراد الحلول الجاهزة. كما تعكس هذه المقاربة حرص السلطات العمومية على توجيه التعاون نحو مشاريع ذات قيمة مضافة حقيقية، تساهم في ترقية النسيج الصناعي المحلي. فالشراكة، في هذا الإطار، تصبح أداة لتمكين المؤسسات الوطنية من ولوج تقنيات جديدة وتحسين تنافسيتها، وليس مجرد واجهة لعلاقات تجارية ظرفية. ويمنح الصالون للمؤسسات الجزائرية فرصة الاطلاع المباشر على نماذج ناجحة في نقل التكنولوجيا، سواء عبر المناولة المتقدمة أو عبر مشاريع مشتركة مبنية على تقاسم الأدوار. وهو ما يفتح آفاقا لتطوير صناعات مساندة، قادرة على استيعاب المعرفة وتوطينها تدريجيًا داخل السوق الوطنية. ويندرج الرهان على الشراكة ونقل التكنولوجيا ضمن رؤية أشمل لإعادة بعث الصناعة الوطنية على أسس مستدامة، حيث تصبح المعرفة عنصرا محوريا في معادلة الإنتاج. ومن خلال هذا المسار، يتحول التعاون الصناعي إلى رافعة لبناء قدرات محلية طويلة الأمد، تعزز السيادة الصناعية وتدعم تنافسية الاقتصاد الوطني. في ضوء ما أفرزته الطبعة الأولى لصالون “ميكانيكا الجزائر”، يتضح أن الصناعة الميكانيكية باتت تشكل إحدى الحلقات المفصلية في مسار إعادة بعث الصناعة الوطنية، ليس فقط باعتبارها نشاطا إنتاجيا، بل كمنظومة متكاملة تمس الإدماج الصناعي، المناولة، الاستثمار المنتج ونقل التكنولوجيا. فالصالون قدّم صورة عملية عن التحول الجاري من مقاربة ظرفية إلى رؤية استراتيجية تسعى لبناء قاعدة صناعية حقيقية قادرة على خلق القيمة داخل الوطن. ويبرز هذا التحول من خلال التقاطع الواضح بين التوجهات العمومية واهتمامات المتعاملين الاقتصاديين، حيث لم تعد التظاهرات الصناعية فضاءات عرض تقليدية، بل منصات لتكريس خيارات اقتصادية واضحة، تقوم على تقليص التبعية للواردات وتعزيز النسيج الصناعي المحلي. وفي هذا السياق، تظهر الصناعات الميكانيكية كرافعة أساسية لربط مختلف القطاعات الإنتاجية، بما يساهم في استقرار سلاسل التموين ورفع تنافسية المنتوج الوطني. وبين رهان السياسة الصناعية وتحديات التطبيق الميداني، يفتح هذا الصالون أفقا جديدا للتعامل مع ملف الصناعة بمنطق الاستمرارية والتراكم، حيث يُقاس النجاح بقدرة المشاريع على الصمود والتطور، لا بعدد المبادرات المعلنة. وهو مسار يتطلب مرافقة دائمة، وضوحًا في الرؤية، وتكاملا بين الفاعلين، بما يجعل من الصناعة الميكانيكية ليس خيارًا ظرفيًا، بل قاعدة استراتيجية لإقلاع صناعي مستدام.