أيها الصائمون المُحتسبون: ها هو شهر رمضان قد أقبل، شهرُ الرحمةِ والرضوان، شهرُ القرآن، شهرُ الصبرِ والإحسان، وإنَّ شأنَ العبادةِ كشأنِ البناء؛ مَن أحكَمَ قَوَاعِدَه في البدء، اسْتَقامَ لهُ البنيانُ في المُنْتَهَى. ومَنْ أَسَّسَ صِيامَه على التَّقْوَى في أَوَّلِهِ، ذَاقَ حَلاوَةَ العِتْقِ في آخِرِهِ. إنَّ رَبَّكم عز وجل نَدَبَكم إلى المُسارعةِ والمُسابَقَة، فَقَال: ﴿سَارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾، وَقَال: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾. فالسِّبَاقُ الحقُّ يَبْدَأُ بقوةِ الانطلاقة، والمسارعةُ الصادقةُ تَقْتَضي ألا نَنتظِرَ انْتِصَافَ الشهرِ لِنُفِيق، بَلْ نُحْيِي قلوبَنا مع أولِ إشراقةٍ لِفَجْرِه. لقد كانَ نبيُّكم ﷺ يُبشِّرُ أصْحَابَه بِمَقدِمِ هذا الشهرِ المباركِ تَحفيزاً لِلهِمم، ففي الصَّحيحَينِ من حديثِ أبي هريرةَ رضي الله عنه أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ». تأمَّلوا -رحمكم الله-هذا الاحتفاءَ العُلْوِيَّ بمقدم هذا الضيف الغالي المُكرَّم، فكيفَ يَلِيقُ بِمُؤمنٍ يرى أبوابَ الجِنانِ مُشرَّعةً أنْ يَتَثَاقَلَ في خُطواتِه الأُولى؟ وكيفَ يَرضى لِنَفْسِهِ بـ”خِدَاعِ التَّسْوِيف”، وهو يَسْمَعُ نِدَاءَ السَّماء: «يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ»؟، إنها دعوةٌ للالتحاقِ بركبِ المفلحين، وتنبيهٌ إلى أنَّ أبوابَ السماءِ مُشرعةٌ تنتظرُ الخُطوةَ الأولى من قلبِك.
معاشرَ المسلمين: إنَّ العَشْرَ الأُوَل هي مِضْمَارُ الاخْتِبَار، فيها يَظْهَرُ صِدْقُ العزيمةِ من كَذِبِ الأماني. فَإيَّاكُم والفتورَ الذي يَعْرِضُ للكثيرين بَعْدَ حَمَاسَةِ الليلةِ الأولى، فَيَنْزَوُونَ عن المَسَاجِد، ويَغفلُونَ عن المَصَاحِف. اعْلَمُوا أنَّ مَنْ لَمْ يَتَعَهَّدْ نَفْسَه بالثباتِ في بدايةِ الشهر، أوشَكَ أنْ تَنْصَرِمَ عَنْهُ الأيامُ فيعود خالي الوطاب وخاوي الوفاض؛ صِفْرَ اليدين. إنَّ الفلاحَ والنجاحَ مَنُوطٌ بالانطلاقة القويّةِ، مرتبطٌ بالبدايةِ المُحْرِقةِ التي تُوَلِّدُ نهايةً مُشرقة. فاجعلوا هَدفَكُم في هذه العشْرِ “التأسيسَ للمداومة”، فاللهُ يحبُّ من العملِ أَدْوَمَهُ وإنْ قَلّ. تدرَّجُوا في الطاعة، ولكنْ بِثَبَاتِ الموقن، لِيَكُونَ رمضانُ كُلُّه صُعُوداً في مَعَارِجِ القُرْب، لا هُبُوطاً في مَهَاوِي التَّرَاخي. أيها المؤمنون: اتّخذوا في هذه العَشْرِ بَرنامجاً عَمَلِيّاً لإصلاح مَا تأثر من الأحوال:
– حافظوا على الصلوات في أوقاتها، واجعلوا للفجر نصيبًا من العناية؛ ففيه تُقسَّم الأنوارُ كما تُقسّم الأرزاقُ، ومن حافظ عليه أمضى يومه في ذمة الله.
– أَقبِلوا على القرآن تلاوةً وتدبرًا؛ فهو روح رمضان وسرُّ إشراقه.
– عوّدوا أيديكم البذل؛ فالصدقة برهان، كما أخبر بذلك الصادق المصدوق ‘، وهي في هذا الشهر أعظم أجرًا وأبقى أثرًا.
– نقُّوا القلوب من الضغائن، وصِلوا الأرحام، وأصلحوا ذات بينكم؛ فالقلب السليم وعاءُ التوفيق.
– أكثروا من الذكر والدعاء؛ فإنهما زاد الطريق وراحة السائر.
خطواتٌ يسيرة في ظاهرها أيها المؤمنون، لكنها عظيمةٌ في ميزانها، تفتح أبواب الثبات، وتُربّي في النفس معنى الاستمرار. نَفَعَنِي اللهُ وإيَّاكم بالقرآنِ العظيم، وبِسُنَّةِ سَيِّدِ المُرْسَلين، أَقُول قوْلي هذَا وأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي ولكم، فَاستغفروه إنَّهُ هو الغفورُ الرحيم.
الجزء الأول من خطبة الجمعة من جامع الجزائر









