أنوار من جامع الجزائر

العفو والتسامح.. دعائم الوحدة وأسباب الألفة – الجزء الأول –

العفو والتسامح.. دعائم الوحدة وأسباب الألفة – الجزء الأول –

أيها المؤمنون الصادقون: لقد أمركم الله تعالى في هذه الآية الكريمة بطاعته أولا، وطاعة رسوله عليه الصلاة والسلام ثانيا، ثم طاعة أولي الأمر منكم على سبيل التبعية لطاعة الرسول عليه الصلاة والسلام، ومن طاعة الله ورسوله عليه الصلاة والسلام عدمُ التنازع، فهو منهي عنه نهيا موكدا، ومزجور عنه زجرا مشددا، لأنه مفض إلى البغضاء والكراهية والتدابر، ومؤذنٌ بالفشل وذهاب القوة؛ وتأخر النصر والتمكين، والنهيُ عن التنازع في حقيقته أمرٌ بطهارة النفوس من حظوظها، ثم دعوةٌ صريحةٌ إلى وحدة الصف؛ وإصلاح ذات البين، روى مسلم عن سيدنا جابر رضي الله عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: ” إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم”، وقال أيضا كما عند الشيخين من حديث أنس رضي الله عنه: ” لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث”، وتوكيدا لأمر الأخوة والمحبة والاجتماع، فقد جاء النهي أيضا عن التنازع في الآية الأخرى من سورة الأنفال: “وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم، واصبروا إن الله مع الصابرين” الأنفال: 46، وإن قُدِّرَ ووقعَ التنازع، وهو أمر لا مفرَّ منه في دنيا الناس، وجَبَ ردُّه إلى شرع الله تعالى كتابا وسنة، فهو الملاذ لنا من الفتن والخصومات، وهو المخرج لنا من جميع القلاقل والعداوات. أمة الإصلاح: إن من أعظم الروابط الإنسانية التي وكد عليها الشرع الحنيف، علاقة المسلم بأخيه المسلم،  ولأهميتها البالغة وخطورتها الشديدة فقد أمرت تعاليم الإسلام السمحةُ بالمحافظة عليها من الشقاق والفرقة من باب الوقاية، ثم حثَّتْ توجيهاتُ الدين على إصلاحها إن حدث النفور، وتمكنت الجفوة، ووقع التنازع، ومن عظيم ما دل على خطورة شأن هذه الرابطة الإيمانية ما خطب به النبي عليه الصلاة والسلام في خطبته الجامعة في حجة الوداع، ومما جاء فيها من عظيم قواعد الإسلام ما رواه أصحاب الصحاح والسنن عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله عليه الصلاة والسلام قال في خطبة حجة الوداع: ” فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم، عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا”، ومن الحقوق الآكدة في علاقة الإنسان بأخيه الإنسان ما تعلق بالمجتمع الذي يعيش فيه الفرد المسلم: فتجب المحافظة على أمن البلاد والعباد، والتصدي لكل محاولات زرع الفتنة والشقاق والفرقة بين أفراده، تحت أي مسمى أو راية؛ من نزعة عرقية أو جهوية أو طائفية أو مذهبية أو حزبية، أيها الصادقون: ، أقبلوا على الله بقلوب طاهرة، ونفوس زكية نقية، ثم اعملوا على إصلاح ذات بينكم: طلقوا أنانيتكم وأحقادكم، وانسوا ضغائنكم، وصلوا جسور المودة فيما بينكم، فإن الله يُقْبِلُ بعفوه ومغفرته على القلوب المتصالحة، والنفوس المتحابة. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله الحليم العظيم لي ولكم، ويا فوز المستغفرين أستغفر الله.

 

الجزء الأول من خطبة الجمعة من جامع الجزائر