-
من ترانسميد إلى الغاز المسال.. الجزائر تفرض موقعها في معادلة الطاقة الإيطالية
في ظل اضطرابات متزايدة تضرب سوق الطاقة العالمية، برز الغاز الجزائري كأحد الأعمدة الأساسية التي تعتمد عليها إيطاليا لضمان أمنها الطاقوي.
فمع تراجع الإمدادات التقليدية وتصاعد المخاطر الجيوسياسية، تحولت الجزائر من مورد مهم إلى شريك استراتيجي لا غنى عنه، يوفّر لإيطاليا مزيجا من الاستقرار والقرب الجغرافي، ويمنحها هامشا أوسع لمواجهة تقلبات الأسعار وتذبذب الإمدادات. وفي امتداد لهذا التحول الذي فرضته اضطرابات السوق العالمية، شهدت العلاقة الطاقوية بين الجزائر وإيطاليا انتقالا نوعيا من تعاون تقليدي إلى شراكة استراتيجية متقدمة. فبعد أن كانت الجزائر أحد موردي الغاز ضمن مزيج متنوع، أصبحت اليوم المورد الأول، بحجم إمدادات يفوق 20 مليار متر مكعب سنويا منذ 2022، ما يمثل أكثر من ثلث واردات إيطاليا من الغاز الطبيعي. وقد تعزز هذا التحول في سياق التغيرات التي عرفها سوق الطاقة الأوروبي، خاصة مع تراجع الإمدادات الروسية، ما دفع روما إلى إعادة ترتيب أولوياتها والبحث عن شركاء أكثر استقرارا. وفي هذا الإطار، وجدت إيطاليا في الجزائر خيارا عمليا يجمع بين القرب الجغرافي وتوفر البنية التحتية، إلى جانب استمرارية الإمدادات عبر عقود طويلة الأجل تمتد إلى غاية 2027. كما يعكس هذا التقارب مستوى غير مسبوق من الاعتماد المتبادل، حيث لم تعد العلاقة قائمة فقط على التوريد، بل أصبحت تشمل استثمارات مباشرة وتوسيعا لنشاط الشركات الإيطالية، وعلى رأسها “إيني”، في قطاع المنبع. وهو ما منح الشراكة بعدا اقتصاديا أعمق، يتجاوز البيع والشراء نحو بناء مصالح مشتركة طويلة المدى. وبهذا، لم تعد الجزائر مجرد مورد ضمن قائمة خيارات إيطاليا، بل تحولت إلى ركيزة أساسية في استراتيجيتها الطاقوية، في ظل بيئة دولية تتسم بعدم الاستقرار. ومع استمرار هذا المسار، تتكرس ملامح علاقة استراتيجية قوامها الاستقرار والثقة، مدعومة بأرقام تعكس وزن الجزائر المتزايد في معادلة الطاقة الإيطالية.
ترانسميد في الواجهة.. أنبوب يغذي قلب الاقتصاد الإيطالي
وفي سياق هذا التحول نحو شراكة استراتيجية، يبرز خط أنابيب “ترانسميد” كأحد الأعمدة الرئيسية التي يقوم عليها أمن الطاقة الإيطالي، حيث يشكل الرابط الحيوي بين حقول الغاز الجزائرية والسوق الإيطالية عبر البحر الأبيض المتوسط.
هذا الخط، الذي ظل لسنوات ركيزة تقليدية للإمدادات، عاد اليوم إلى الواجهة بقوة، في ظل الاعتماد المتزايد على الغاز الجزائري. وتشير المعطيات إلى أن الإمدادات عبر “ترانسميد” بلغت نحو 20.1 مليار متر مكعب خلال سنة 2025، وهو ما يمثل حوالي 31% من إجمالي واردات إيطاليا من الغاز الطبيعي. هذه الأرقام تعكس الوزن الكبير لهذا الأنبوب في توازن السوق الإيطالية، خاصة في ظل تراجع مصادر أخرى، ما جعله بمثابة “الشريان الطاقوي” الذي يغذي قطاعات واسعة من الاقتصاد. كما تستند هذه الإمدادات إلى عقود طويلة الأجل تجمع بين “سوناطراك” الجزائرية و”إيني” الإيطالية، تمتد إلى غاية سنة 2027، ما يوفر لإيطاليا مستوى عالٍ من الاستقرار في التزود بالغاز. غير أن هذه العقود، رغم أهميتها، تواجه حدودا تقنية تتعلق بطاقة النقل القصوى، ما يجعل إمكانية رفع الكميات عبر الأنبوب محدودة على المدى القصير. وبذلك، يمثل “ترانسميد” عنصرا استراتيجيا في معادلة الطاقة الإيطالية، حيث يضمن تدفقات مستقرة ومنتظمة في بيئة دولية مضطربة. ومع استمرار الاعتماد عليه، يظل هذا الأنبوب أحد أبرز مظاهر التحول في علاقة الطاقة بين الجزائر وإيطاليا، ودليلا على عمق الترابط بين البلدين في هذا المجال الحيوي.
الغاز المسال يعزز المرونة.. شحنات جزائرية تسد الفجوة
وفي ظل محدودية القدرة على رفع الإمدادات عبر خط “ترانسميد”، برز الغاز الطبيعي المسال كخيار مكمل يمنح إيطاليا هامشا أكبر من المرونة في إدارة وارداتها الطاقوية.
فبعكس الأنابيب التي تخضع لقدرات نقل محددة، يتيح الغاز المسال إمكانية تنويع مصادر الإمداد والتكيف السريع مع التغيرات في السوق، وهو ما جعل الجزائر تعزز حضورها في هذا المجال خلال الفترة الأخيرة. وتعكس الأرقام هذا التوجه بوضوح، حيث استقبلت إيطاليا 47 شحنة من الغاز الطبيعي المسال الجزائري خلال سنة 2025، من أصل 221 شحنة إجمالية، مقارنة بـ31 شحنة من أصل 150 في سنة 2024. هذا الارتفاع يعكس ديناميكية متصاعدة في الاعتماد على هذا النمط من الإمدادات، خاصة في ظل الحاجة إلى سد الفجوات التي قد تنشأ نتيجة اضطرابات في مصادر أخرى. كما يمنح الغاز المسال الجزائر ميزة إضافية تتمثل في القدرة على إعادة توجيه الشحنات وفق الطلب، ما يعزز من جاذبيته كشريك موثوق لإيطاليا في فترات الأزمات. فهذه المرونة تتيح لروما التكيف مع تقلبات السوق، سواء من حيث الكميات أو التوقيت، دون الارتباط الكامل بالقيود التقنية المرتبطة بالأنابيب. وبذلك، لا يمثل الغاز الطبيعي المسال بديلا عن الإمدادات عبر “ترانسميد”، بل عنصرا مكملا يعزز استقرار المنظومة الطاقوية الإيطالية. ومع تزايد الاعتماد عليه، تتشكل معادلة جديدة تجمع بين الاستقرار الذي توفره الأنابيب والمرونة التي يتيحها الغاز المسال، ما يعزز من موقع الجزائر كمورد متعدد الخيارات وقادر على تلبية احتياجات إيطاليا في مختلف الظروف.
من روسيا إلى الجزائر.. إعادة رسم خريطة الإمدادات
وفي امتداد لهذا التوازن بين الإمدادات عبر الأنابيب والغاز المسال، يتضح أن التحول الأعمق في استراتيجية الطاقة الإيطالية يرتبط بإعادة رسم خريطة مصادرها، خاصة بعد تراجع الإمدادات الروسية بشكل حاد منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا. فقبل هذه الأزمة، كانت روسيا تمثل أحد المزودين الرئيسيين لإيطاليا، غير أن التحولات الجيوسياسية دفعت روما إلى تسريع البحث عن بدائل أكثر استقرارا. وفي هذا السياق، برزت الجزائر كخيار طبيعي لتعويض جزء معتبر من هذا النقص، مستفيدة من موقعها الجغرافي وقربها من السوق الإيطالية، إضافة إلى توفر البنية التحتية القائمة، وعلى رأسها خط “ترانسميد”. ومع ارتفاع الإمدادات الجزائرية إلى أكثر من 20 مليار متر مكعب سنويا منذ 2022، أصبحت تمثل ما يفوق ثلث واردات إيطاليا، ما يعكس تحولا فعليا في موازين التزود بالغاز. كما لم يقتصر هذا التحول على الكميات فقط، بل شمل أيضًا طبيعة العلاقة، حيث انتقلت إيطاليا من تنويع مصادرها إلى إعادة ترتيب أولوياتها، مع منح الجزائر موقعا متقدما ضمن استراتيجيتها الطاقوية. هذا التوجه يعكس إدراكا متزايدا لأهمية الاستقرار في الإمدادات، خاصة في ظل بيئة دولية تتسم بالتقلب وعدم اليقين. وبذلك، يمكن القول إن انتقال إيطاليا من الاعتماد على روسيا إلى تعزيز شراكتها مع الجزائر لا يمثل مجرد تغيير ظرفي، بل إعادة تشكيل هيكلية لمنظومة الطاقة لديها. ومع استمرار هذا المسار، تتكرس الجزائر كأحد الأعمدة الرئيسية في خريطة الإمدادات الإيطالية، في إطار تحول أوسع يعيد رسم معادلات الطاقة في حوض المتوسط.
اضطرابات الشرق الأوسط.. اختبار جديد لأمن الطاقة الإيطالي
وفي ظل هذا التحول في خريطة الإمدادات، تأتي اضطرابات الشرق الأوسط لتضع منظومة الطاقة الإيطالية أمام اختبار جديد، خاصة مع تأثر إمدادات الغاز الطبيعي المسال من بعض الموردين الرئيسيين.
فقد أعلنت قطر حالة “القوة القاهرة” على عقود طويلة الأجل عقب الهجمات التي استهدفت مجمع “رأس لفان”، الذي كان يساهم بنحو 33 بالمائة من واردات إيطاليا من الغاز الطبيعي المسال خلال سنة 2025، ما أحدث فجوة مفاجئة في السوق. وتتزامن هذه التطورات مع ضغوط متزايدة على الاقتصاد الإيطالي، حيث تعتمد البلاد بشكل كبير على الغاز في إنتاج الكهرباء، بنسبة تصل إلى نحو 44 بالمائة، وهي نسبة تفوق متوسط الاتحاد الأوروبي. هذا الاعتماد المرتفع يجعل إيطاليا أكثر حساسية لأي اضطراب في الإمدادات أو ارتفاع في الأسعار، خاصة في ظل توقعات بتجاوز الأسعار الأوروبية عتبة 70 دولارا لكل ميغاواط/ساعة. كما أن طبيعة هذه الصدمات تختلف عن الأزمات التقليدية، إذ لا تقتصر على تقلبات الأسعار، بل تمتد إلى تهديد فعلي لتوافر الكميات، ما يدفع إيطاليا إلى تعزيز اعتمادها على مصادر أكثر استقرارا. وفي هذا السياق، يبرز الغاز الجزائري كأحد الخيارات الأكثر موثوقية، سواء عبر الأنابيب أو من خلال الشحنات المسالة. وبذلك، تشكل اضطرابات الشرق الأوسط عامل ضغط إضافي يعيد التأكيد على أهمية تنويع مصادر الطاقة، مع إعطاء أولوية للشركاء القريبين جغرافيا والأكثر استقرارا. وفي قلب هذه المعادلة، تتعزز مكانة الجزائر كمزود قادر على امتصاص جزء من الصدمات، والمساهمة في استقرار السوق الإيطالية في أوقات الأزمات.
معادلة الطاقة الجديدة.. الجزائر في موقع الحسم
وفي ضوء هذه التحولات المتسارعة في مصادر الإمداد والضغوط المتزايدة على السوق، تتبلور معادلة طاقوية جديدة بالنسبة لإيطاليا، تقوم على مزيج من الاستقرار والمرونة، تتصدره الجزائر كمزود رئيسي.
فمع تجاوز الإمدادات الجزائرية عتبة 20 مليار متر مكعب سنويا، واستحواذها على ما يزيد عن 30 بالمائة من واردات الغاز، باتت الجزائر عنصرا حاسما في ضمان توازن المنظومة الطاقوية الإيطالية. وتستند هذه المعادلة إلى تكامل بين قنوات التوريد المختلفة، حيث يوفر خط “ترانسميد” تدفقات مستقرة وطويلة الأجل، في حين يتيح الغاز الطبيعي المسال هامشا إضافيا للتكيف مع الصدمات، كما ظهر من خلال استقبال 47 شحنة جزائرية خلال سنة 2025. هذا التنوع يمنح إيطاليا قدرة أكبر على إدارة المخاطر المرتبطة بتقلبات السوق. وفي المقابل، تفتح هذه المكانة المجال أمام إعادة تقييم الشروط التجارية، حيث تدرس الجزائر ربط أي زيادات مستقبلية في الإمدادات بمراجعة الأسعار، بما يتماشى مع المستويات الدولية، مع توقعات بزيادات تتراوح بين 15 و20 بالمائة. وهو ما يعكس انتقال العلاقة من مجرد تزويد إلى شراكة قائمة على التوازن في المصالح. وبذلك، لم تعد الجزائر مجرد خيار ضمن قائمة الموردين، بل أصبحت في موقع الحسم داخل معادلة الطاقة الإيطالية، خاصة في ظل بيئة دولية غير مستقرة. ومع استمرار هذا الاتجاه، تتكرس معالم مرحلة جديدة عنوانها الاعتماد على شركاء موثوقين، في مقدمتهم الجزائر، لضمان أمن الطاقة واستقرار الاقتصاد الإيطالي على المدى المتوسط.
مصطفى. ع