توسع رقعة الاحتجاجات تكشف هشاشة نظام المخزن

الغضب المهني يتسع.. الحكومة المغربية تحت ضغط الإضرابات المتتالية

الغضب المهني يتسع.. الحكومة المغربية تحت ضغط الإضرابات المتتالية

يشهد المغرب في الأسابيع الأخيرة، موجة غير مسبوقة من الاحتجاجات والإضرابات في مختلف القطاعات، تعكس مدى الغليان الذي يعيشه المجتمع نتيجة السياسات المركزية والممارسات الإدارية للنظام المغربي.

بينما يزعم المخزن العمل من أجل التنمية والاستقرار، تبدو السياسات الحكومية في الواقع معيقة للفاعلين المهنيين والاجتماعيين، وتفتح المجال لتصاعد الاحتجاجات التي تتسع يومًا بعد يوم. آخر تجليات هذا الغليان تجلى في قطاع الصيدلة، حيث أعلنت التمثيليات النقابية لصيادلة المغرب عن سلسلة إضرابات وطنية مرفقة بأشكال احتجاجية تصعيدية، رفضًا لتوصية مجلس المنافسة المتعلقة بفتح رأسمال الصيدليات أمام المستثمرين والشركات الكبرى، وترى النقابات أن هذه التوصية تمثل تهديدًا لاستقرار منظومة الدواء بالمملكة، إذ تقوم على مقارنة لا تراعي خصوصية السياق الصحي المغربي، كما أنها قد تحوّل الصيدلية، التي تُعد مرفقًا صحيًا يقدم خدمة عمومية، إلى مشروع تجاري يهيمن عليه الربح على حساب السلامة الصحية. إن استقلالية الصيدلي وحياد الاستشارة المهنية يشكلان خط الدفاع الأول ضد أي ضغوط تجارية محتملة، وفتح القطاع أمام المستثمرين من شأنه تقليص هذه الحصانة الحيوية. وليس قطاع الصيدلة وحده الذي يعاني من وصاية المخزن، بل يمتد الأمر إلى التعليم العالي، حيث يعيش الأساتذة الباحثون أزمة غير مسبوقة بسبب مشروع القانون 16.22، الذي يعتبرونه تهديدًا للاستقلالية الأكاديمية للجامعة العمومية، فقد أعلنت النقابة المغربية للتعليم العالي عن إضراب وطني شامل في جميع مؤسسات التعليم العالي، مع مقاطعة كاملة للدروس والأنشطة البيداغوجية والإدارية، في مؤشر واضح على عمق الأزمة بين السلطة المركزية والأساتذة الباحثين.

المشروع التشريعي القائم لا يراعي التجربة الأكاديمية المغربية ولا المعايير الدولية المرتبطة بحرية واستقلالية الجامعات، وهو ما دفع النقابة إلى رفع سقف الاحتجاج كوسيلة للضغط لإعادة النظر في السياسات التعليمية. الأنماط المركزية والسياسات المتعسفة للمخزن، تظهر بوضوح في تركيز السلطة في العاصمة وصعوبة مشاركة المهنيين في صنع القرار، ما يؤدي إلى شعور واسع بعدم الإنصاف والحيف، ويزيد من الاحتقان الاجتماعي، و تتكرر هذه الأزمة في قطاعات متعددة، بما في ذلك الصيدلة، التعليم، وحتى العدول، الذين أعلنوا إضرابًا لمدة أسبوع احتجاجًا على مقتضيات مشروع القانون المنظم لمهنتهم، خشية تأثيره على استقرار المنظومة التوثيقية والأمن الاجتماعي والتعاقدي بالمملكة. في واقع الأمر، هذه التحركات الاحتجاجية المتتالية تضع الحكومة المغربية ونظام المخزن أمام تحدي حقيقي: إما الانصات لمطالب القطاعات المهنية والاجتماعية وإعادة النظر في سياسات المركزية والتحكم، أو الاستمرار في فرض الوصاية، وهو ما يزيد من عمق الأزمة ويهدد الاستقرار على المدى المتوسط. ويبدو أن نموذج التدخل المباشر للنظام في مختلف المجالات لم يعد قادرًا على الصمود أمام دينامية المجتمع واحتياجاته، ويطرح تساؤلات حول جدوى السياسات القائمة في تعزيز التنمية والاستقرار الفعليين. ويشير خبراء إلى أن الغليان الحالي ليس مجرد احتجاجات قطاعية، بل مؤشر على أزمة أعمق تتعلق بالعلاقة بين الدولة ومواطنيها، بين المركزية وحق القطاعات في المشاركة الفعلية في صنع القرار، وبين الربح والسياسة من جهة، والخدمة العمومية والحقوق المهنية والاجتماعية من جهة أخرى كما أن استمرار تجاهل هذه الدينامية الاجتماعية من قبل المخزن قد يؤدي إلى تفاقم الاحتقان وامتداد الإضرابات إلى قطاعات أوسع، ما يجعل التغيير والإصلاح ليس خيارًا بل ضرورة حتمية للحفاظ على استقرار المغرب وتماسك مجتمعه.

خديجة. ب