القديس أوغسطين: رمز السلم والحوار والمحبة

القديس أوغسطين: رمز السلم والحوار والمحبة

يعدّ القديس أوغسطين (354 – 430 م) رمزاً للارتباط بالوطن والسلم والحوار، وينتمي هذا القديس إلى العصر الذهبي لآباء الكنيسة.

ويعتبر القديس أوغسطين وكنيته “ابن الدموع”، واحداً من الشخصيات الجزائرية التي دخلت التاريخ واستقطبت أنظار العالم.

وواظب أوغسطين على الدعوة إلى نكران الذات وحبّ الإله والدفاع عن الوطن والاستقرار والوحدة، ونشر تعاليم الحب والمحبة بين البشرية.

وعُرف القديس أوغسطين بفلسفته التي كانت تعتبر “الجنس البشري كتلةً واحدة”.

وأبدع أوغسطين على مدار سنواته الـ 75، مرافعاً لقيم التعايش السلمي والتسامح والدفاع عن الحرية والعدالة والكرامة.

ويرى دارسون أنّ كلامه عن المحبة، يمثّل عنصر تلاقٍ بين تعاليم النبيين المسيح عيسى عليه السلام ومحمد عليه الصلاة والسلام.

وكان أوغسطين الممثّل للكنيسة الكاثوليكية في بونة القديمة (عنابة)، معتزاً بإفريقيته ووطنه الجزائر ومحاربته الغزاة.

وفي كتابه الشهير “الاعترافات”، أحال أوغسطين على أهمية تفعيل عرى الحوار والتسامح، وأبرز تقاطع ضروب من المعرفة كالفلسفة وعلم الأديان.

وتُرجمت أعمال القديس أوغسطين، وتراثه الفكري والأدبي والفلسفي، إلى عشرات اللغات.

المسار العميق

وُلد القديس أوغسطين (يسمى أيضًا أوغستينوس وأوغستان) في الثالث عشر نوفمبر 354 م بسوق أهراس (كانت تسمى طاغست آنذاك).

واستناداً إلى الدكتورة ويزة قلاز الأستاذة الباحثة بالمركز الوطني للبحوث، فإنّ “عائلة أوغسطين كانت من البرجوازية المحلية لمنطقة طاغست”.

وكان والده “باتريسبوس” ضابطاً في الجيش، وتمنّى أن يرى ابنه في مقام مهم في الإدارة الإمبراطورية.

من جانبها، كانت والدته “مونيك” امرأة تقية وحازمة متمسكة بتقاليد التربية الأمازيغية، وكانت تتمنى أن يسير ابنها على خطاها الدينية.

وعُرف أوغسطين بولعه الشديد بالفن فرجةً وتنظيراً ونقداً، وتوّج ذلك بنظرية الإشباع المسرحي ثاني نظرية عالمية بعد نظرية التطهير الأرسطية.

ونهل أوغسطين من الفلسفة اليونانية، وتشبّع بفكر المدرسة الإسكندرية، خاصة بعد سفره إلى روما عاصمة الإمبراطورية الرومانية القيصرية.

وهناك أيضّا استلهم الفلسفة الأفلاطونية الجديدة التي تجمع مثالية أفلاطون بروحانيات المشرق، والفكر الغنوصي لدى أفلوطين.

وعُرف عن أوغسطين أنه كان أستاذا نبيهاً، درس البلاغة في القرية التي ولد فيها، ومساراته في قرطاجة، روما وميلانو.

وبعد اعتناقه للمسيحية، رُقي أوغستين الدرجات الكنسية في ظرف تسع سنوات فقط.

وبعد عودته سنة 388 م إلى سوق أهراس، أنشأ ديراً للتعبد، ودعا إلى الديانة المسيحية.

وعُيّن القديس أوغسطين أسقفاً لكنيسة “هيبون” في مدينة عنابة سنة 395 م.

ولم ينس هويته الأمازيغية التي دافع عنها كثيراً بالفكر والممارسة، كما روّج أفكاره الدينية التي تركت أثراً عميقاً لدى المسيحيين.بالتزامن، كرّس القديس أوغسطين حياته لتنظيم الكنيسة الإفريقية والتأليف الديني.

وترك أوغسطين للمسيحيين مؤلفات لا تزال مرجعيةً إلى غاية اليوم، وتعتبر قاعدة لفلسفة الأقانيم المسيحية الثلاثة.

وللقديس أوغسطين أكثر من مئتي كتاب باللاتينية أشهرها: كتاب (الاعترافات) الذي يعد أول خطاب أوطو – بيوغرافي في تاريخ الإنسانية، وحُظي هذا الكتاب بالكثير من الإشادة.

وجرى تصنيفه في مصاف الكتب القيّمة والمؤلفات السبّاقة إلى وضع أسس أدب الاعتراف، وتأسيس جنس السيرة الذاتية.

وفتحت “اعترافات القديس أوغسطين”، مجالاً جديداً من الصراحة الاعترافية، وشجّعت الميل إلى تعرية النفس.

ويتصّل ما تقدّم وفق طرح أوغسطين، بحالات كثيرة تلتبس بالآثام، أو يُثقل فيها عناء الضمير.

ومن أهم الكتب التي ألفها أوغسطين كتاب (مدينة الإله)، الذي دافع فيه عن المسيحية، وانتقد فيه المذهب الدوناتي.

ويزخر رصيد أوغسطين بكتابي “اعترافات التوبة” و”المراسلات”، وكان القديس متعاطفًا مع الأفارقة، وهويتهم/هويته.

ومات أوغسطين “شهيداً” (بالتوصيف القديم) في الثامن والعشرين أوت عام 430 ميلادية، مدافعاً عن مدينته عنابة ضدّ الغزاة الونداليين.

خطيب وكاتب من طراز عالٍ

اعتبر شارل أندري جوليان، أوغسطين “خطيباً وكاتباً من طراز عالٍ، فلم يتح للمسيحية أن رُزقت رمزاً في مرتبته”.

وهو فوق ذلك مؤرّخ أو بالأحرى، فيلسوف التاريخ، في كتابه (مدينة الله)، رجل يحلّل الآراء.

وهو أخيراً شاعر القلب في (اعترافاته) الخالدة، واهتمامه بكل ما هو أدبي وفني وجمالي وفلسفي.

ويشكّل مسار القديس أوغسطين رسالةً للعالم أنّ تاريخ الجزائر ليس ضدّ الأديان.

وظلّ القديس أوغسطين يرافع ضدّ توظيف الأديان من أجل الاستعمار والهيمنة وتفتيت الوحدة الوطنية والمساس بانسجامها.

وساهم أوغسطين في عقد المجامع الكاثوليكية التي كان يفرض فيها إرادته وتوجيهاته، ونجح في تفتيت الدوناتيين الذين انشقوا عن المسيحية.

الإرث النابض

تكتنز شخصية القديس أوغسطين مسلكاً قيّماً لنشر قيم السلم والتسامح وتعزيز الحوار بين الأديان والثقافات.

ونشط أوغسطين في منطقة سوق أهراس التي أنجبت عدة أعلام في الفكر والفلسفة والدين وسائر ضروب الإبداع.

ويشير دارسون إلى مزاوجة شخصية “القديس أوغسطين” بين الفلسفة والدين والبلاغة وما جاءت به كتاباته من رؤى فلسفية.

وحفلت أفكار أوغسطين بالخوض في الزمن والخلود، على منوال أبوليوس المادوري صاحب رواية “الحمار الذهبي” وشهاب الدين التيفاشي وغيرهما.

وهي كلها عوامل جعلته “أحد حلقات الموروث الفكري والثقافي لمنطقة طاغست وأحد أعلام الفكر والفلسفة والدين”.

ويعتبر أوغسطينوس من أهم المراجع الأفلاطونية المعترف بها عالميًا ومن أهم أفكاره أنّ “الله يوجد فوق كل البشر وفي أعماقهم”.

وظلّ يتحدث عن “الذاكرة والذكاء والإرادة والبداية والامتنان لله”، وأكّد “القدرة التي يمنحها العقل للاقتراب من حقيقة الأشياء”.

وذكرت خبيرة التراث لدى اليونيسكو، ويزة قلاز، أنّ أوغسطين من مؤسسي الأفلاطونية المحدثة التي منها جاءت فكرة “مدينة الله”.

وكان القديس أوغسطين متمكناً بشكل تام من اللاتينية ونسبياً من اليونانية.

ويتمّ تدريس فكر أوغسطين في جامعات ألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية، وهناك كراسٍ مخصّصةً لفكره.

من جهته، يوضّح الباحث ياسين خذايرية أنّ أوغسطين يعدّ “من أكبر الفلاسفة الذين عرفتهم الإنسانية”.

ويسجّل خذايرية أنّ أوغسطين الذي كان أسقفاً لهيبون لنحو 34 عاماً، ما يزال يفيد العالم بمحاضراته وخطبه البليغة أدبياً ودينياً.

ويربط الباحث في جامعة سوق أهراس، وزن أوغسطين بنوعية التعليم الذي تلقاه بمدرسة طاغست.

واستفاد أوغسطين من مواد متنوعة شملت اللغتين اليونانية واللاتينية، فضلاً عن العلوم الطبيعية والرياضيات والموسيقى.

بدوره، يبرز د. رضا سلاطنية، مكانة أوغسطين وتأثيره البالغ على الثقافة الغربية.

ودافع أوغسطين بقوة على مذهبه حول اعتماد الإنسان بصفة جذرية على النعمة الإلهية، وهي قناعة كرّسها في كتابه “الاعترافات”.