القرآن الكريم حياة القلوب – الجزء الأول –

القرآن الكريم حياة القلوب – الجزء الأول –

أيها المؤمنون إن القرآن الكريم هو أعظم نعمة امتنّ الله بها على هذه الأمة، وهو أجلُّ ما تتعلق به القلوب، وأشرف ما تتغذى به الأرواح. هو كلام رب العالمين، الذي جعله الله حياةً للقلوب، ونورًا للبصائر، ومنهجًا قويمًا تنتظم به شؤون الحياة كلها. قال تعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا} الإسراء: 9. فهو هداية في الاعتقاد، واستقامة في السلوك، وعدل في المعاملة، وسعادة في الدنيا والآخرة، ما عرفت الإنسانية كتابًا أهدى سبيلًا، ولا أصدق وعدًا، ولا أكمل منهجًا من  القرآن العظيم، الذي أخرج الله به الناس من ظلمات الجهل والضلال إلى نور العلم والإيمان. أيها المسلمون، إن القرآن العظيم ليس كلماتٍ تُرتّل فحسب، ولا حروفًا تُجوّد بالأصوات، ولكنه سرُّ الحياة، وروح الوجود، ونور السماء، إذا تنزّل على الأرض أحيا القلوب بعد مواتها، وأقام النفوس بعد عثارها. قال سبحانه: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا} [الشورى: 52]. فسماه روحًا؛ لأن القلوب لا تحيا إلا به، كما لا تحيا الأجساد إلا بالأرواح. فإذا فارقت الروح الجسد صار هامدًا لا حِراك فيه، لا يسمع ولا يبصر ولا يعقل، وكذلك القلب إذا خلا من القرآن، وغاب عنه نور الوحي، صار خرابًا موحشًا، تعشش فيه الشهوات، وتتكاثر فيه الشبهات، ويتخبّط صاحبه في الظلمات.

ولذلك قال جلّ في علاه: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [الإسراء: 82]، وقال سبحانه: {شِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ} [يونس: 57]، وقال عزّ وجلّ: {أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28]. فالقرآن حياة بعد موت، وشفاء بعد سقم، وطمأنينة بعد قلق. يحيي القلوب الميتة بالإيمان، ويشفي المريضة من أدواء الشك والحسد والكبر، ويليّن القاسية إذا غلّفها ركام الغفلة. فمن أراد حياة قلبه، فليجعل بينه وبين القرآن صلةً لا تنقطع، ومجالسةً لا تُهجر، وعملاً لا يتخلّف. ومن هنا قال الإمام ابن القيم رحمه الله: “لا شيء أنفع للقلب من قراءة القرآن بالتدبر والتفكر؛ فإنه يورث المحبة والخوف والرجاء وسائر الأحوال التي بها حياة القلب”. ولهذا كان سلف هذه الأمة يعيشون بالقرآن حياةً كاملة؛ يتعلّمون الآيات ليعملوا بها، ويتلقّونها للتنفيذ لا للتزيّن، ويتأثرون بها حتى تفيض أعينهم بالدمع، وتخشع قلوبهم لعلام الغيوب. أما نحن اليوم – عباد الله – فالمصاحف في البيوت كثيرة، ولكن أثرها في القلوب قليل؛ نقرأ ولا نتدبّر، نسمع ولا نعتبر، نحفظ ولا نغيّر سلوكنا، فكأن بيننا وبين القرآن حجاب. قال تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ} [محمد: 24].

الجزء الأول من خطبة الجمعة من جامع الجزائر