أنوار من جامع الجزائر

القرآن الكريم في حياتنا – الجزء الثاني والأخير –

القرآن الكريم في حياتنا – الجزء الثاني والأخير –

 

عباد الله، إذا أردنا للقرآن أن يكون حقًّا حياةً لقلوبنا، ونورًا لدروبنا، ومنهجًا يُنظّم خطانا، فعلينا أن نسلك سبيلًا عمليًّا واضح المعالم، لا يقوم على المشاعر العابرة، بل على خطوات ثابتة متتابعة. وأول هذه الخطوات: أن نجعل لأنفسنا وردًا يوميًّا لا ينقطع، ولا يُؤجَّل بحجة الشغل، ولا يُترك بحجة التعب؛ فصفحةٌ تُقرأ بتدبّرٍ وحضور قلب خيرٌ من جزءٍ يُتلى بلا فهم، القليل الدائم أحب إلى الله من الكثير المنقطع، والقطرات المتتابعة تصنع أثرًا دائمًا لا تصنعه الدفقة العابرة.

ثانيها: أن نقرأ القرآن بقلوبٍ حاضرة، نستشعر فيها أن الخطاب موجّه إلينا، وأن الله سبحانه يخاطبنا في كل آية: يأمرنا فنمتثل، وينهانا فننزجر، ويبشّرنا فنرجو، ويحذّرنا فنخاف. فإذا قرأنا عن الصدق صدقنا، وإذا مررنا بآيات العفو عفونا وصفحنا، وإذا سمعنا دعوة التوبة بادرنا قبل فوات الأوان.

ثالثها: أن نحوّل القرآن من تلاوةٍ تُسمع إلى واقعٍ يُرى، ومن كلماتٍ تُحفظ إلى أخلاقٍ تُعاش، ومن آياتٍ تُرتّل إلى منهج حياةٍ يُطبَّق في بيوتنا وأعمالنا ومعاملاتنا. فبهذا وحده يكون القرآن لنا حياةً حقيقية، ونورًا دائمًا، ورفيقًا في الدنيا، وشفيعًا يوم نلقى الله، وبذلك يُحقّق لنا طمأنينة القلوب، وصفاء النفوس، وهدى البصائر.

أيها المؤمنون: إننا نعيش في زمنٍ متلاطمةٍ فيه الفتن، متكاثرةٍ فيه الشبهات، مستحكمةٍ فيه الشهوات، فلا نجاة للقلوب إلا بالتمسّك بكتاب الله، وبالعودة إلى هديه الذي لا يزيغ، ونوره الذي لا ينطفئ. فليكن القرآن دستور حياتنا، ومصدر عزتنا وفخرنا، وسراجًا ينير لنا دروب الدنيا والآخرة، وملاذًا نستظل به في عواصف الحياة، اللهم اجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا. اللهم علمنا منه ما جهلنا، وذكرنا منه ما نُسِّينا، وارزقنا تلاوته آناء الليل وأطراف النهار على الوجه الذي يرضيك عنا. اللهم اجعله حجة لنا لا علينا، وارفعنا به في الدرجات، واحشرنا مع أهله وخاصته. اللهم اجعل صيامنا فيه صيام الصالحين، وقيامنا قيام القانتين، واجعلنا ممن يقال لهم يوم القيامة: “ادخلوها بسلام ٱمنين”. اللهم أعتق رقابنا ورقاب ٱبائنا وأمهاتنا من النار واجعلنا من الفائزين يارب العالمين. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِمْ. عبَادَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى، وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. فَاذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلِذِكْرِ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.

 

الجزء الثاني والأخير من خطبة الجمعة من جامع الجزائر