أنوار من جامع الجزائر

اللهم بلغنا رمضان – الجزء الثاني والأخير –

اللهم بلغنا رمضان – الجزء الثاني والأخير –

أَمَّا بَعْدُ: أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: إِذَا كَانَ الْعِلْمُ هُوَ الْمِصْبَاحَ، فَإِنَّ النِّيَّةَ وَالْعَزْمَ هُمَا الْوَقُودُ. كَيْفَ نَدْخُلُ رَمَضَانَ بِقُلُوبٍ مُسْتَعِدَّةٍ؟ يكون دلك،بِطَهَارَةِ الْبَاطِنِ مِنَ الْأَحْقَادِ وَالضَّغَائِنِ: فَمَنْ دَخَلَ رَمَضَانَ وَفِي قَلْبِهِ غِلٌّ عَلَى مُسْلِمٍ، فَقَدْ أَغْلَقَ عَلَى نَفْسِهِ بَاباً مِنَ الرَّحْمَةِ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ. سُئِلَ أَحَدُ الْعَارِفِينَ: بِمَ نَالَ الْقَوْمُ مَا نَالُوا؟ فَقَالَ: بِسَلَامَةِ الصُّدُورِ، وَسَخَاوَةِ النُّفُوسِ، وَالنُّصْحِ لِلْأُمَّةِ. فَلَا تَحْجُبْ قَلْبَكَ، فِي هَذَا الشَّهْرِ، عَنِ اللَّهِ بِخُصُومَةِ خَلْقِهِ، وَعَامِلِ النَّاسَ بِمَا تُحِبُّ أَنْ يُعَامِلَكَ اللَّهُ بِهِ. قَالَ تَعَالَى: “وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ”. وَقَالَ أَيْضاً: “وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ”. أَيُّهَا الْأَحْبَابُ: لِيَكُنْ رَمَضَانُنَا هَذَا، هُوَ الْمِيقَاتَ الَّذِي نُعْلِنُ فِيهِ مِيلَادَنَا الْجَدِيدَ؛ وَلْنَعْقِدِ الْعَزْمَ مُنْذُ الْآنَ أَنْ نَجْعَلَ مِنْ شَعَائِرِهِ قَنْطَرَةً لِنَتَحَرَّرَ مِمَّا يُثْقِلُنَا مِنْ رِقِّ الْعَادَاتِ. وَلْنَنْتَزِعِ الْعُمْرَ الْمُخْتَطَفَ مِنْ بَيْنِ خَوارِزْمِيَّاتِ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ الَّتِي تَسْرِقُ السِّنينَ، وَلْنُطَهِّرِ الْأَلْسِنَةَ مِنْ لَغْوِ الْمَجَالِسِ، وَلْنُقِمْ عَمُودَ دِينِنَا بِصَلَاةٍ لَا تَهَاوُنَ فِيهَا؛ فَالْعُمْرُ أَنْفَسُ مِنْ أَنْ يُبَدَّدَ فِي غَيْرِ مَا خُلِقْتَ لَهُ. فَمَنْ صَدَقَ فِي الْبِدَايَةِ، فُتحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْهِدَايَةِ. خِتَاماً: إِنَّ الِاسْتِعْدَادَ لِرَمَضَانَ، يَا أُولِي الْأَلْبَابِ، لَيْسَ مُجَرَّدَ تَرَقُّبٍ لِتَقْوِيمٍ يَتَبَدَّلُ، أَوْ عَدٍّ تَنَازُلِيٍّ لِأَيَّامٍ تَخْلُو فِيهَا الْمَعِدَةُ مِنْ طَعَامِهَا؛ بَلْ هُوَ إِعَادَةُ ضَبْطٍ لِلْأَوْلَوِيَّاتِ الضَّائِعَةِ فِي ضَجيجِ الدُّنْيَا. هُوَ ذَاكَ الْمَزِيجُ الرَّبَّانِيُّ الَّذِي لَا يَكْتَمِلُ بِغَيْرِ أَرْكَانِهِ الثَّلَاثَةِ: عَقْلٍ وَرُوحٍ وَجَسَدٍ، مِنْ خِلَالِ: أَوَّلاً: عِلْمٌ رَاسِخٌ يَقُودُ الْجَوَارِحَ بِزِمَامِ التَّقْوَى، فَيَضْبُطُ حَرَكَةَ الْعَيْنِ، وَيَحْكُمُ مَنْطِقَ اللِّسَانِ، وَيَجْعَلُ مِنَ الْعِبَادَةِ بِنَاءً دَقِيقاً لِلْإِنْسَانِ لَا ارْتِجَالَ فِيهَا. ثَانِيأً: رُوحٌ وَثَّابَةٌ تُنْفَخُ فِي رَمَادِ الْقُلُوبِ فَتُحْيِيَهَا، وَتَجْلُو بِدُمُوعِ الْخَشْيَةِ مَا تَرَاكَمَ عَلَيْهَا مِنْ صَدَأِ الْغَفْلَةِ، حَتَّى يَغْدُوَ الْقَلْبُ مِرْآةً صَافِيَةً تَنْعَكِسُ فِيهَا أَنْوَارُ الْهِدَايَةِ. وَثَالِثاً: إِرَادَةٌ فُولَاذِيَّةٌ تَشْتَدُّ حِينَ تَضْعُفُ الْأَجْسَادُ، تَكْسِرُ أَصْنَامَ الْعَادَاتِ الَّتِي اسْتَعْبَدَتْنَا شُهُوراً طَوِيلَةً، لِيُولَدَ الْإِنْسَانُ مِنْ جَدِيدٍ، مُتَحَرِّراً مِنْ رِقِّ شَهْوَتِهِ، سَامِياً إِلَى آفَاقِ حُرِّيَّتِهِ الْحَقَّةِ فِي رِحَابِ الْعُبُودِيَّةِ لِلَّهِ وَحْدَهُ. اللهم أهل علينا شهر الرحمة بالرحمة والقبول والرضوان وأختم لنا ولكم شعبان بالتوبة والغفران كل عام وأنتم إلى الله أقرب. اللهم بلغنا رمضان لا فاقدين ولا مفقودين ونحن في أتم الصحة وراحة البال واجعله خاتمة لخطايانا وأعنا على ذكرك وحسن عبادتك. اللهم بلغنا رمضان بلوغًا يغير حالنا إلى أحسنه، ويهذب نفوسنا ويطهر دواخلنا، بلوغ رحمة ومغفرة وعتق من النار. اللَّهُمَّ بَلِّغْنَا رَمَضَانَ، اللَّهُمَّ سَلِّمْنَا لِرَمَضَانَ وَسَلِّمْ رَمَضَانَ لَنَا وَتَسَلَّمْهُ مِنَّا مُتَقَبَّلاً. اللَّهُمَّ أَعِنَّا فِيهِ عَلَى الصِّيَامِ وَالْقِيَامِ وَغَضِّ الْبَصَرِ وَحِفْظِ اللِّسَانِ. اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا فِيهِ مِنْ عُتَقَائِكَ مِنَ النَّارِ وَمِنَ الْمَقْبُولِينَ.

 

الجزء الثاني والأخير من خطبة الجمعة من جامع الجزائر