أنوار من جامع الجزائر

المؤسّسات الرّوحيّة.. قوّة رائدة في تحرير الوطن

المؤسّسات الرّوحيّة.. قوّة رائدة في تحرير الوطن

لقد شكّلت المقاومة الرّوحية في الجزائر قوّة رائدة من أجل الدّفاع عن ثغور الوطن، وحماية بيضة الإسلام، منذ سقوط غرناطة سنة 1492م؛ فكانت معاقلها مناراتٍ علمية وجهادية واجتماعية للإسلام والوطنيّة؛ وهو ما أهّلها لأن تكون روح المقاومة الشّعبية وقيادتها في الجزائر، خلال القرن التاسع عشر. ثمّ استمرّت في أداء وظائفها الرّوحيّة والوطنيّة إلى اندلاع ثورة التّحرير، الّتي شاركت فيها بطلبتها وأتباعها ومريديها. وكان بعضها ملجأ للمجاهدين، ومراكز للدّعم والتّموين والتّسليح. إنّ هذه المؤسّسات هي المعاقل الحضارية، والقلاع الحصينة الّتي حفظت لشعبنا هوّيته الوطنية، ومقوّمات شخصيته الأساسية. لقد حمت شعبنا من مخاطر التنصير والتغريب، وحصّنت الأجيال من عوامل المسخ والذوبان؛ ووقفت سدّا منيعا في وجه مخطّطات الاحتلال. تخرّج منها العلماء والفقهاء والدعاة. فذادوا عن عقيدة الأمّة، ونافحوا عن هوّيتها وثوابتها، ومثّلوا في الأمّة قيم الإسلام ومبادئه، في شموله وسعته،
في وسطيته وتوازنه، في يُسر شريعته وسماحة دعوته. لقد كانت معاهد للعلم، ورباطا للجهاد، انطلق منها قادة الجهاد وجحافل المجاهدين، فقادوا المقاومة، وخاضوا المعارك، جعلوا غايتهم تحرير الوطن وتطهير الأرض من دنس المحتلّين، وبذلوا ما يملكون في سبيل الله، إعلاءً لكلمة الله. ولعلّ خير مثال لهؤلاء العظماء قائد المقاومة والجهاد، وباني الدولة الجزائرية الحديثة، الأمير عبد القادر، رضي الله عنه وأرضاه. لقد ارتبط تاريخ الجزائر بهذه المعاقل، ارتباطا وثيقا، تاريخها العلميّ والثقافيّ، وتاريخها الوطنيّ الجهادي؛ وعلى الرغم من محاولات الإقصاء التي استهدفتها، والضغوط الممارسة عليها، والعوامل المناوئة لرسالتها، مازالت تحتلّ مكانة متميّزة في نفوس الجزائريين، وتمثّل جزءا من وجدانهم؛ تلتفّ حولها قلوبهم، وتتآلف بدعوتها أرواحهم؛ يحتكمون إليها، ويطمئنون لرأيها؛ تجمعهم في رحابها رابطة واحدة؛ فيستمعون من منبرها الموعظة الحسنة والكلمة الهادية؛ ولا يجدون في ساحتها إلاّ صلاحا وفلاحا، وسكينة وطمأنينة، ومثابة وأمنا. تحكم روابط الألفة والأخوّة بين الناس؛ وتمتصّ كلّ خلاف قد ينشأ بين الأفراد والجماعات. إنّ هذه القيم الروحية والوطنية هي ما نريدها أن تسود مجتمعنا، ويتحلّى بها شبابنا، لمواصلة مسيرة البناء، وتثبيت دعائم الاستقلال.
ولا سبيل إلى ذلك إلاّ بتربية النشء تربية منبثقة من عقيدتنا، منسجمة مع مبادئنا وأهدافنا؛ تبعث الطاقات الروحية في النفوس؛ وتغرس الروح الوطنية في الأجيال؛ وتعزّز لديهم الشعور بانتمائهم الحضاري الأصيل.

 

كلمة السيّد عميد جامع الجزائر في ندوة بمناسبة ذكرى 5 جويلية