أنوار من جامع الجزائر

المسجد ركيزة البناء الحضاري وعماد الأمة – الجزء الأول –

المسجد ركيزة البناء الحضاري وعماد الأمة – الجزء الأول –

أيها الأفاضل، نعيش وإياكم هذه الأيام في ظلال ذكرى جليلة من ذكريات التاريخ الإسلامي، وفي نسمات مناسبة عظيمة من مناسباته الخالدة، هي ذكرى تحويل القبلة، ذلك الحدث العظيم الذي شكّل منعطفًا حاسمًا في مسيرة الأمة، فلم يكن مجرد تغيّر في جهة الصلاة، بل كان إعلانًا ربانيًا عن اكتمال الهوية، وترسيخ الاستقلال الحضاري، وبداية تشكّل أمة تحمل رسالة واضحة المعالم. وقد وقع هذا التحوّل المبارك في مسجد رسول الله ﷺ بالمدينة المنورة، لتتوجّه القلوب والوجوه إلى المسجد الحرام بمكة المكرمة، في مشهد عظيم يؤكد أن المسجد في الإسلام ليس موضع عبادة فحسب، بل هو مهد التوجيه، ومركز القيادة، ومنطلق التحوّلات الكبرى في مسيرة الأمة. ومن هنا كان حديثنا اليوم عن المسجد بوصفه ركيزة البناء الحضاري وعماد الأمة؛ فالمسجد في التصور الإسلامي ليس بناءً من حجر، وإنما هو مؤسسة ربانية تقوم على أبعاد كبرى، في مقدمتها البعد التعبدي، إذ قال الله تعالى: “إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الَاخِرِ” التوبة: 18. فالعبادة هي الأساس الذي تنبع منه كل أعمال الإصلاح، ثم البعد التربوي الذي تُصاغ فيه القيم، وتُربَّى النفوس، ويُنشَّأ الجيل على الإيمان والأخلاق والعلم، ثم البعد الحضاري والاجتماعي، حيث يكون المسجد جامعًا لا مفرّقًا، موحِّدًا لا مشتِّتًا، يربط الفرد بالجماعة، والجماعة بالأمة، ليظل المسجد قلبًا نابضًا في حياة المسلمين، وعمادًا لنهضتهم وبنائهم. أيها الإخوة، إن من أعظم المحطات في تاريخ أمتنا حادثةَ تحويل القبلة، حين كان المسلمون في بداية أمرهم يتوجّهون إلى بيت المقدس، ثم شاء الله تعالى أن يوجّههم إلى البيت الحرام، فقال سبحانه: “قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ” البقرة: 144. ولم يكن هذا التحويل مجرد انتقال في جهة الصلاة، بل كان تحوّلًا حضاريًا عميق الدلالة، رسّخ استقلال الأمة العقائدي والحضاري، فأصبحت لها قبلتها الخاصة ومرجعيتها المتميزة، وبنى هويتها الجامعة على قبلة واحدة، ونبي واحد، وكتاب واحد، فكان توحيد الاتجاه رمزًا لوحدة الأمة وتماسكها.  أيها المسلمون، إن للمسجد وظائف عظيمة في بناء الأمة وصياغة نهضتها، فهو في المقام الأول مدرسة لبناء الإنسان، يُنشِّئه على الإيمان، ويغذّيه بالعلم، ويزكّي نفسه، ويعوّده الانضباط والاستقامة. وقد عظّم الله شأن هذه البيوت

ثم إن للمسجد دورًا محوريًا في بناء الوعي والإيمان والعلم، وفي بيوت الله تُبنى العقول كما تُزكّى القلوب، قال ﷺ: “وما اجتمع قوم في بيتٍ من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفّتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده” رواه الترمذي. أيها الإخوة، إن واقع المساجد اليوم يحمّلنا مسؤولية كبرى في الإحياء والتجديد؛ فأزمة الأمة ليست في قلة المساجد ولا في فخامة بنيانها، وإنما في غياب دورها الرّيادي في حياة الناس. ومن واجبنا جميعًا أن نُعيد للمسجد مكانته التي أرادها الله ورسوله، بأن نرجعه إلى مركزه القيادي في التوجيه والبناء، وأن نربط العبادة بالعمل، فلا تبقى الشعائر معزولة عن واقع الحياة، ليعود المسجد كما كان: منارة هداية، ومدرسة تربية، وقلبًا نابضًا بحياة الأمة ونهضتها.

 

الجزء الأول من خطبة الجمعة من جامع الجزائر