-
مدارس المغرب تربي جيل المستقبل على التطبيع
-
فلسطين تغيب عن الكتب.. وحضور الاحتلال يمرّ بصمت
أثار تقرير حديث صادر عن الهيئة المغربية لنصرة قضايا الأمة جدلا واسعا حول التحولات التي تعرفها المناهج التعليمية بالمغرب، بعد تحذيره من توجّه تربوي جديد يُعيد تشكيل وعي الأجيال الصاعدة. التقرير يضع المدرسة في قلب نقاش حساس، معتبرا أن ما يجري يتجاوز الإصلاح البيداغوجي نحو مسار يُمهّد للتطبيع ويعيد تعريف القيم والهوية لدى التلاميذ.
في هذا السياق، يشير التقرير إلى أن التحولات التي طالت المناهج الدراسية منذ سنة 2020 لم تكن معزولة عن السياق السياسي العام الذي تعيشه المملكة، خاصة بعد الإعلان الرسمي عن استئناف العلاقات مع الكيان الصهيوني. ويرى معدّو الوثيقة أن المدرسة أصبحت جزءا من هذا التحول، حيث بدأت تظهر تغييرات تدريجية في المضامين التربوية، تمسّ القضايا الكبرى التي كانت حاضرة تاريخيا في الوجدان الجمعي، وعلى رأسها القضية الفلسطينية. ويؤكد التقرير، أن الحضور السابق لفلسطين في الكتب المدرسية، سواء عبر النصوص القرائية أو الصور أو الأنشطة الصفية، بدأ يتراجع بشكل ملحوظ، ليحلّ محله خطاب أكثر “حيادا” ظاهريا، لكنه يحمل في طياته تغييبا مقصودا للسياق التاريخي والسياسي للصراع. هذا التحول، حسب التقرير، لا يمكن فصله عن محاولات إعادة صياغة الوعي الجماعي للمتعلمين، من خلال تقديم سرديات جديدة تُخفف من وقع الاحتلال وتُفرغه من طابعه الاستعماري. كما يلفت المصدر، إلى أن المناهج الجديدة باتت توظف مفاهيم مثل “التسامح” و”المواطنة العالمية” خارج إطارها القيمي والأخلاقي، لتتحول إلى أدوات تبرير بدل أن تكون مدخلا لترسيخ مبادئ العدالة وحقوق الشعوب. ويعتبر التقرير أن هذا الاستخدام الانتقائي للقيم الكونية يخدم مسارا سياسيا يروج تطبيع العلاقة مع الاحتلال عبر خطاب تربوي ناعم ومُقنّع. وفي الإطار ذاته، يشدد التقرير على أن المدرسة أضحت مجالا لإعادة إنتاج سرديات جديدة تخدم توجهات سياسية محددة. ويرى أن خطورة هذا المسار تكمن في استهداف فئة الأطفال والمراهقين، باعتبارهم الحلقة الأضعف والأكثر قابلية للتأثر، ما يجعل مستقبل الوعي الوطني مهددا بإعادة التشكيل وفق منظومة قيمية مغايرة للثوابت التاريخية والوجدانية للمجتمع المغربي.
المدرسة من فضاء تربوي إلى أداة توجيه سياسي
تشير المعطيات الواردة في التقرير إلى تحوّل لافت في وظيفة المدرسة المغربية، من فضاء يفترض أن يُعنى بتنشئة التلاميذ على القيم الإنسانية والعدالة والوعي التاريخي، إلى أداة تُوظَّف في تمرير توجهات سياسية محددة. هذا التحول، حسب التقرير، لا يأتي بشكل فجّ أو مباشر، بل عبر تغييرات تدريجية في المحتوى التربوي، تمس المضامين والرموز والدلالات، بما يجعل المدرسة جزءا من منظومة إعادة تشكيل الوعي بدل تحصينه. وهنا يتجاوز الأمر البعد البيداغوجي ليأخذ أبعادا سياسية واضحة، حيث تتحول المناهج إلى وسيلة ناعمة لإعادة توجيه الرأي العام المستقبلي. ويبرز التقرير أن هذا التوجه لا يمكن فصله عن السياق السياسي العام الذي تعيشه المملكة منذ توقيع اتفاق التطبيع في ديسمبر 2020، إذ باتت المدرسة، وفق هذا الطرح، إحدى الواجهات غير المعلنة لترسيخ هذا الخيار داخل المجتمع. فبدل أن تكون المؤسسة التربوية فضاء للنقاش الحر وتعدد وجهات النظر، يُخشى أن تتحول إلى قناة لإنتاج خطاب واحد يُقدَّم على أنه “طبيعي” و”حيادي”، بينما يخدم في العمق أجندة سياسية محددة تتجاوز مصلحة المتعلم. وفي هذا السياق، يرى معدّو التقرير أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في تغيير محتوى بعض الدروس، بل في إعادة تعريف وظيفة المدرسة نفسها. فحين تنتقل من مؤسسة تبني الوعي النقدي إلى أداة توجيه ناعم، تصبح التربية جزءا من الصراع السياسي والثقافي على العقول. وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول استقلالية المنظومة التربوية، وحدود تدخل القرار السياسي في صياغة المناهج، ومدى تأثير ذلك على الأجيال القادمة التي ستتلقى هذه المضامين بوصفها “حقائق تعليمية” غير قابلة للنقاش.
تغييب القضية الفلسطينية من المقررات الدراسية
يكشف التقرير عن مسار تدريجي لتهميش القضية الفلسطينية داخل المناهج التعليمية المغربية، بعد أن كانت حاضرة لعقود في النصوص المدرسية والصور والأنشطة التربوية المرتبطة بقيم التضامن ونصرة المظلوم. هذا التغييب لم يتم دفعة واحدة، بل عبر حذف متدرج للمضامين التي تبرز معاناة الشعب الفلسطيني، واستبدالها بمواضيع عامة لا تحمل أي حمولة سياسية أو تاريخية، ما أدى إلى إفراغ الذاكرة المدرسية من واحدة من أهم القضايا المركزية في الوعي العربي والإسلامي. ويشير التقرير إلى أن هذا التحول يعكس خيارًا مقصودًا في صياغة المناهج، حيث لم يعد حضور فلسطين جزءا من التربية على القيم والعدالة، بل تم التعامل معها كملف “حساس” يجب إبعاده عن الفضاء المدرسي. وبذلك، تُحرَم الأجيال الصاعدة من التعرف على جذور الصراع، وتاريخه، وأبعاده الإنسانية، ما يخلق فجوة معرفية خطيرة قد تجعل التلميذ غير قادر على فهم ما يجري في محيطه الإقليمي والدولي. ويحذر التقرير من أن تغييب القضية الفلسطينية لا يعني فقط حذف دروس أو صور، بل يؤدي إلى قطع صلة التلاميذ بإحدى القضايا التي شكّلت وجدان الأمة لعقود. فحين تنشأ أجيال جديدة دون أي ارتباط معرفي أو وجداني بفلسطين، يصبح التطبيع أمرا “عاديا” وغير مثير للتساؤل أو الرفض، وهو ما يراه التقرير أحد أخطر نتائج هذا المسار التربوي الجديد.
تشويه المفاهيم: حين يصبح الاحتلال “شراكة سياسية”
ويرصد التقرير ما وصفه بعملية “تحريف لغوي وإيديولوجي” داخل بعض المضامين التعليمية، حيث لم يعد الاحتلال يُقدَّم بوصفه عدوانا على أرض وشعب، بل يجري أحيانا توصيفه ضمن سياقات دبلوماسية أو سياسية محايدة، توحي بوجود “نزاع بين طرفين متكافئين”. هذا الأسلوب في العرض، بحسب التقرير، يطمس حقيقة الاختلال في ميزان القوة ويُفرغ مفهوم الاحتلال من معناه القانوني والإنساني. ويؤكد المصدر، أن أخطر ما في هذا التشويه هو إعادة تعريف الصراع الفلسطيني–الصهيوني في ذهن التلميذ، ليس كقضية تحرر وطني، بل كخلاف سياسي قابل للتسوية بين “شريكين”. بهذا الطرح، يتم تغييب مفاهيم المقاومة والحق التاريخي، وتعويضها بخطاب يوحي بأن الأمر مجرد خلاف دبلوماسي عادي، وهو ما يخدم سردية التطبيع ويضعف الموقف الأخلاقي تجاه ما يجري في فلسطين. ويضيف التقرير، أن هذه المقاربة الجديدة لا تُبنى فقط عبر حذف المصطلحات، بل من خلال انتقاء دقيق للألفاظ والخرائط والتمثيلات البصرية داخل الكتب المدرسية. فاستبدال مفردات مثل “احتلال” بـ”نزاع” أو “صراع” ليس بريئا، بل يحمل دلالة سياسية واضحة تهدف إلى تطبيع الوعي وإعادة تشكيل الإدراك الجمعي للأجيال الصاعدة حول طبيعة ما يحدث على الأرض الفلسطينية.
قيم التسامح في خدمة التطبيع بدل العدالة
يشير التقرير إلى أن المناهج التعليمية المغربية بدأت توظف مفاهيم التسامح والتعايش والمواطنة العالمية خارج سياقها الطبيعي المرتبط بالعدالة وحقوق الشعوب، لتتحول تدريجيا إلى أدوات خطابية تبرّر الواقع القائم بدل مساءلته. فبدل ترسيخ ثقافة رفض الظلم والدفاع عن القضايا العادلة، يتم تقديم هذه القيم بصيغة عامة ومجردة تُساوي بين الضحية والجلاد، وتغيب عنها الإشارة إلى جذور الصراع وميزان القوة المختل. ويرى معدّو التقرير أن هذا التوظيف الانتقائي لقيم التسامح يفرغها من بعدها الأخلاقي والإنساني، ويحوّلها إلى خطاب محايد ظاهريا لكنه منحاز ضمنيا لسردية التطبيع. فالتلميذ يُلقّن أهمية “قبول الآخر” دون أن يُقدَّم له السياق التاريخي والسياسي للاحتلال، ما يخلق ارتباكا معرفيا بين مفاهيم السلم والعدالة، ويجعل من التسامح قيمة تُستخدم لتجاوز الجرائم بدل إدانتها. ويحذر التقرير من أن هذا المنحى التربوي يُسهم في إنتاج جيل يتعامل مع القضايا العادلة بمنطق اللامبالاة أو الحياد السلبي، حيث تُقدَّم النزاعات وكأنها صراعات طبيعية بين أطراف متساوية. وبهذا، تصبح المدرسة، بدل أن تكون فضاء لبناء الوعي النقدي، قناة لتمرير خطاب سياسي مغلف بقيم إنسانية عامة، تخدم في النهاية مشروع التطبيع وتضعف روح التضامن مع الشعوب المظلومة.
إعادة برمجة الوعي الجماعي للأجيال الصاعدة
ويخلص التقرير إلى أن أخطر ما في التحولات التربوية الجارية لا يتمثل فقط في حذف مضامين أو تغيير مصطلحات، بل في المسار العميق لإعادة تشكيل وعي الأجيال الصاعدة بصورة تدريجية ومنهجية. فالمناهج الجديدة، بحسب الوثيقة، تعمل على بناء تصورات جديدة حول التاريخ والصراعات الدولية والهوية، بما يخدم سرديات سياسية محددة، ويعيد ترتيب الأولويات في ذهن التلميذ بعيدا عن القضايا المركزية للأمة. ويشير التقرير إلى أن هذه “الهندسة الناعمة للوعي” تتم عبر تراكمات صغيرة وغير مباشرة، من خلال نصوص مدرسية، وصور، وأنشطة تربوية، ورسائل ضمنية تتسلل إلى ذهن المتعلم دون إثارة الانتباه. ومع مرور الوقت، تتحول هذه الرسائل إلى قناعات راسخة، تجعل من التطبيع أمرا عاديا، وتُضعف الإحساس بالانتماء للقضايا العادلة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، التي كانت لعقود جزءا من الذاكرة الجماعية للمغاربة. ويحذّر معدّو التقرير من أن هذا المسار قد يُفضي إلى قطيعة وجدانية وفكرية بين الأجيال الجديدة وتراثها القيمي والنضالي، حيث يتم استبدال مفاهيم التضامن والمقاومة بقيم فردانية ومحايدة سياسيا. ويعتبر التقرير أن ما يجري اليوم داخل المدرسة ليس مجرد إصلاح تربوي، بل إعادة صياغة لهوية جماعية جديدة، تُفرغ الذاكرة الوطنية من بعدها التضامني، وتعيد تعريف مفهوم الوطنية بما يخدم أجندات خارجية على حساب ثوابت المجتمع. تكشف خلاصات التقرير، أن المدرسة المغربية تعيش تحوّلا عميقا يتجاوز حدود الإصلاح البيداغوجي نحو إعادة تشكيل منظومة القيم والوعي الجمعي للأجيال الصاعدة. فالتغييرات التي طالت المناهج، من تغييب القضية الفلسطينية إلى إعادة تعريف مفاهيم العدالة والتسامح، تعكس – حسب الوثيقة – توجّها سياسيا واضحا يسعى إلى تطبيع الوعي قبل تطبيع العلاقات، وجعل المدرسة أداة لإعادة إنتاج سرديات جديدة تخدم خيارات رسمية على حساب الذاكرة التاريخية والهوية الحضارية للمجتمع. وفي ظل هذه المعطيات، يدعو التقرير إلى اعتبار المنظومة التربوية ساحة مركزية في معركة الوعي، تستوجب يقظة مجتمعية ورقابة مستمرة من الفاعلين التربويين والأسر والنخب الثقافية. فمستقبل الأجيال، كما يشدد المصدر، لا يُبنى فقط بالمعارف الأكاديمية، بل بقيم الانتماء والعدل ونصرة المظلوم، محذرا من أن ترك المدرسة رهينة للتجاذبات السياسية قد يؤدي إلى تفريغها من دورها التاريخي كحصن لحماية الهوية وترسيخ الثوابت الوطنية والإنسانية.










