أزمة الماء في البلاد تكشف هشاشة التدبير الحكومي في زمن التغير المناخي

المغرب في قلب العطش.. سياسات حكومية عاجزة أمام تصاعد الأزمة المناخية

المغرب في قلب العطش.. سياسات حكومية عاجزة أمام تصاعد الأزمة المناخية

في وقتٍ تتسارع فيه التحذيرات الدولية من تداعيات التغير المناخي، يجد المغرب نفسه أمام اختبار حقيقي لقدرة مؤسساته على إدارة واحدة من أخطر الأزمات الهيكلية وهي أزمة الماء، غير أن المؤشرات الميدانية والتقارير الدولية، وعلى رأسها تقرير “حالة المناخ العالمي 2025”، تكشف أن تعاطي الحكومة المغربية مع هذا التحدي لم يرتقِ بعد إلى مستوى الخطورة المتصاعدة، بل ظل حبيس مقاربات ظرفية تفتقر إلى العمق الاستراتيجي.

يعكس استمرار الجفاف لسنوات متتالية هشاشة السياسات العمومية المعتمدة في تدبير الموارد المائية، حيث لم تفلح الخطط الحكومية في بناء منظومة صمود فعالة أمام التقلبات المناخية، فبدل الاستثمار الكافي في حلول مستدامة، مثل تحلية المياه أو إعادة تدويرها أو تحديث البنية التحتية المائية، استمرت السلطات في الاعتماد على إجراءات ترقيعية لا تعالج جذور الأزمة، ما جعل البلاد عرضة لدورات جفاف متكررة دون قدرة حقيقية على التكيف. وتُظهر المعطيات المناخية أن المغرب بات ضمن أكثر المناطق تأثرًا بانخفاض التساقطات وارتفاع درجات الحرارة في شمال غرب إفريقيا، وهو ما ينعكس مباشرة على القطاع الزراعي الذي يشكل ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني. ورغم ذلك، لم تبادر الحكومة إلى إعادة هيكلة عميقة للنموذج الزراعي، الذي لا يزال يستنزف كميات هائلة من المياه، خاصة في الزراعات التصديرية كثيفة الاستهلاك، في وقت تعاني فيه السدود من مستويات مقلقة من النقص. الأخطر من ذلك، أن غياب رؤية واضحة لتدبير الطلب على المياه يزيد من تعقيد الوضع، حيث يلاحظ توسع في استغلال الموارد الجوفية بشكل مفرط، دون رقابة صارمة أو سياسات ردعية فعالة. هذا الاستنزاف الصامت يهدد بتدمير المخزون الاستراتيجي للمياه على المدى المتوسط، ويطرح تساؤلات جدية حول مدى التزام السلطات بحماية الأمن المائي للأجيال القادمة. في المقابل، يبدو أن الخطاب الرسمي لا يزال يركز على تبرير الأزمة بعوامل خارجية، مثل التغيرات المناخية العالمية وظواهر “النينيو” و”النينيا”، متجاهلا أن دولا أخرى تواجه الظروف ذاتها لكنها استطاعت تحقيق مستويات أعلى من التكيف بفضل سياسات استباقية واستثمارات مدروسة. وهو ما يعزز الانطباع بأن الخلل في المغرب لا يرتبط فقط بندرة الموارد، بل بسوء تدبيرها. كما أن التداعيات الاجتماعية للأزمة المائية، بدأت تتجلى بوضوح، مع تزايد الضغوط على الفلاحين الصغار وارتفاع كلفة المعيشة، فضلًا عن بوادر توتر في بعض المناطق القروية نتيجة شح المياه، ومع ذلك، لم تظهر الحكومة حتى الآن استراتيجية متكاملة توازن بين متطلبات التنمية الاقتصادية والحفاظ على الموارد الطبيعية، ما يفتح الباب أمام تفاقم الفوارق الاجتماعية والمجالية. استمرار هذا النهج يضع المغرب أمام سيناريوهات مقلقة، حيث قد تتحول أزمة الماء من تحدٍ بيئي إلى أزمة متعددة الأبعاد تمس الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وفي ظل المعطيات الحالية، يصبح من الضروري إعادة النظر بشكل جذري في السياسات المائية والزراعية، والانتقال من منطق التدبير الظرفي إلى رؤية استباقية قائمة على الاستدامة والعدالة في توزيع الموارد.

خديجة. ب