الأسواق تفتح على موجة صعود كبيرة

النفط.. طريق مستقيم نحو 100 دولار للبرميل

النفط.. طريق مستقيم نحو 100 دولار للبرميل
  • التصعيد يتسارع في الشرق الأوسط.. ضربات متبادلة وتعطّل في شرايين الطاقة العالمية

  • افتتاح صاخب للأسواق.. برنت يقفز من 72 إلى 82 دولارا في أولى جلسات الأسبوع

  • 90 دولارا على بُعد خطوة.. و100 دولار تقترب مع اتساع المخاطر

افتتحت أسواق النفط هذا الأسبوع على قفزة حادة أعادت رسم المشهد الطاقوي العالمي، بعدما صعد خام برنت من حدود 72 دولارا إلى أكثر من 82 دولارا للبرميل خلال ساعات، مدفوعا بتصاعد المواجهة في الشرق الأوسط وتوسع نطاق المخاطر الجيوسياسية. وبين ضربات عسكرية، واستهداف ناقلات، وتهديدات تطال مضيق هرمز، عاد الحديث بقوة عن احتمال اقتراب الأسعار من عتبة 100 دولار، في سوق بات يتفاعل سريعا مع كل تطور ميداني.

 

وفي سياق هذه القفزة المفاجئة، جاءت التطورات الميدانية خلال الساعات الـ72 الماضية لتفسّر التحول الحاد في مزاج الأسواق. فمع نهاية الأسبوع، شنت الولايات المتحدة والكيان الصهيوني ضربات عسكرية على أهداف داخل إيران، في عملية وُصفت بأنها الأوسع منذ سنوات، تلتها أخبار رسمية عن مقتل المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي وعدد من القيادات البارزة. الحدث لم يُقرأ باعتباره عملية عسكرية محدودة، بل كمؤشر على انتقال المواجهة إلى مستوى غير مسبوق، ما دفع المتعاملين إلى إعادة تقييم مخاطر الإمدادات فورا.

 

ومع اتضاح حجم التطورات، جاء الرد الإيراني سريعا عبر إطلاق صواريخ وهجمات طالت أهدافا متعددة بينها قواعد عسكرية أمريكية لدى عدد من دول الخليج، بالتوازي مع استهداف ناقلات نفط في محيط الخليج، وفق بيانات شركات تتبع الملاحة. وفي خطوة زادت من حدة التوتر، أعلنت طهران إغلاق الملاحة في مضيق هرمز، أو على الأقل فرض قيود مشددة على المرور، ما أدى إلى توقف أو تباطؤ عشرات السفن وارتفاع وتيرة التحذيرات البحرية. هذه التطورات وضعت أحد أهم ممرات الطاقة في العالم تحت ضغط مباشر، وأدخلت عنصر التعطيل الفعلي إلى المعادلة.

ومع بداية الأسبوع، انعكس هذا المشهد المركب على شاشات التداول، حيث افتتحت العقود الآجلة على فجوة سعرية صاعدة قاربت 9%، في واحدة من أكبر القفزات اليومية منذ أشهر. شركات شحن كبرى علقت عبور سفنها، ومصافي آسيوية بدأت مراجعة مخزوناتها، فيما صدرت تقديرات أولية من بنوك عالمية تشير إلى علاوة مخاطر فورية في الأسعار. وهكذا انتقلت الأزمة خلال ثلاثة أيام فقط من تصعيد عسكري إلى صدمة طاقوية دفعت النفط إلى مسار صعودي حاد.

 

من 72 إلى 82 دولارا.. كيف أعادت الجغرافيا السياسية تسعير النفط؟

في ضوء هذا التسارع الميداني، لم يكن انتقال الأسعار من 72 إلى أكثر من 82 دولارا مجرد حركة فنية عابرة، بل إعادة تسعير شاملة للمخاطر. الأسواق عادة لا تنتظر حدوث نقص فعلي في الإمدادات كي تتحرك، بل تتفاعل مع احتماله. ومع دخول مضيق هرمز دائرة التهديد المباشر، عاد ما يُعرف بـ”علاوة المخاطر الجيوسياسية” إلى الواجهة، وهي القيمة الإضافية التي يضيفها المتعاملون تحسبا لاحتمال تعطل الإمدادات أو اتساع رقعة الصراع. هذا التحول السريع يعكس حساسية سوق النفط تجاه أي إشارات تمس طرق الإمداد الاستراتيجية. فالمضيق لا يمثل مجرد ممر بحري، بل نقطة اختناق تمر عبرها نسبة كبيرة من تجارة الخام المنقولة بحرا. ومع تقارير عن تضرر ناقلات وتباطؤ حركة الشحن، بدأت صناديق الاستثمار والمتعاملون الكبار في إعادة تموضعهم، ما عزز من زخم الشراء ودفع الأسعار إلى تسجيل أعلى مستوياتها منذ عدة أشهر خلال أول جلسة تداول بعد التصعيد. ولم يقتصر الأمر على رد فعل لحظي، بل امتد إلى توقعات قصيرة الأجل صادرة عن مؤسسات مالية كبرى رأت أن السوق دخل مرحلة حساسة تتطلب تسعيرا فوريا لاحتمالات التعطل. وهكذا، تحولت الجغرافيا السياسية خلال ساعات إلى عامل حاسم في تحديد اتجاه الأسعار، ليصبح المسار الصاعد انعكاسًا مباشرا لتقدير الأسواق أن المخاطر لم تعد نظرية، بل قابلة للتحول إلى أزمة إمدادات فعلية إذا استمرت التطورات على هذا النحو.

 

مستوى 90 دولارا.. ماذا يحتاج السوق ليبلغه هذا الأسبوع؟

وبعد إعادة تسعير المخاطر واندفاع الأسعار إلى منطقة الثمانينات، بات مستوى 90 دولارا للبرميل أقرب من أي وقت مضى، لكنه يظل مشروطا بتطورات ميدانية محددة خلال الأيام القليلة المقبلة. فبحسب تقديرات بنوك عالمية، يكفي استمرار تعطل حركة الناقلات عبر مضيق هرمز أو تصاعد الهجمات على البنية التحتية البحرية لدفع السوق نحو موجة شراء إضافية. في هذه الحالة، لن يكون بلوغ 90 دولارا نتيجة نقص فعلي في الإمدادات، بل استجابة استباقية لاحتمال تفاقم الأزمة. وتشير مذكرات صادرة عن مؤسسات مثل “سيتي بنك” إلى أن خام برنت قد يتداول بين 80 و90 دولارا في ظل استمرار التوتر، مع تحرك الأسعار سريعا كلما زادت مؤشرات تعطّل الشحن. فالسوق يراقب عاملين رئيسيين: حجم الناقلات المتوقفة، ومدى استمرارية القيود المفروضة على الملاحة. وإذا تبيّن أن الاضطراب يتجاوز بضعة أيام ويتحول إلى تعطيل ممتد، فإن الزخم الصعودي قد يتسارع بشكل واضح خلال الأسبوع نفسه. غير أن بلوغ 90 دولارا لا يرتبط فقط بالجانب العسكري، بل أيضا بسرعة تفاعل الأسواق المالية. فالصناديق الاستثمارية عادة ما تعزز مراكزها الشرائية في أجواء عدم اليقين، ما يضخم التحركات السعرية. وإذا اجتمع استمرار التوتر الميداني مع تدفقات استثمارية مكثفة نحو عقود النفط، فإن حاجز 90 دولارا قد يُختبر سريعا، ليصبح محطة انتقالية نحو مستويات أعلى إذا لم تظهر مؤشرات تهدئة ملموسة.

 

حاجز 100 دولار.. متى يتحول الاحتمال إلى واقع؟

وإذا كان مستوى 90 دولارا يرتبط باستمرار التوتر وتعطّل جزئي للشحن، فإن بلوغ 100 دولار للبرميل يتطلب سيناريو أكثر عمقا وتأثيرا على الإمدادات الفعلية. فوفق تقديرات مؤسسات مثل “وود ماكنزي” و”غولدمان ساكس”، فإن إغلاقا ممتدا لمضيق هرمز أو توقف نسبة كبيرة من التدفقات اليومية كفيل بإحداث صدمة عرض حقيقية تدفع الأسعار إلى ثلاثة أرقام. في هذه الحالة، لا يعود الأمر متعلقا بعلاوة مخاطر مؤقتة، بل بنقص ملموس في الكميات المتاحة بالسوق. وتشير بعض السيناريوهات إلى أن توقف 50% من التدفقات عبر المضيق لمدة شهر واحد قد يضيف علاوة سعرية معتبرة، فيما قد يؤدي إغلاق كامل وممتد إلى قفزة تتجاوز 100 دولار بسرعة، خاصة في ظل محدودية البدائل الفورية. فالممرات البرية وخطوط الأنابيب لا تستطيع تعويض كل الكميات المنقولة بحرا، كما أن الطاقة الإنتاجية الفائضة لدى بعض المنتجين لا تكون فعالة بالكامل إذا ظلت طرق التصدير معطلة. كما أن السوق لا يتعامل فقط مع الكميات الحالية، بل مع توقعات الاستمرارية. فإذا استقر لدى المتعاملين أن الأزمة لن تحتوى سريعا، وأن تدفق الناقلات لن يعود إلى طبيعته في الأجل القريب، فإن الطلب على التحوط سيزداد، ما يرفع الأسعار أكثر. وعند هذه النقطة، قد يتحول الحديث عن 100 دولار من احتمال نظري إلى مستوى قابل للاختبار خلال فترة قصيرة، في سوق شديدة الحساسية للتطورات الجيوسياسية.

 

 “أوبك+” تحت الاختبار.. هل تكفي زيادة 206 آلاف برميل؟

ومع تصاعد الحديث عن مستويات 90 و100 دولار، يتجه الاهتمام تلقائيا إلى قدرة “أوبك+” على التدخل لضبط الإيقاع. فقد أعلن التحالف، في اجتماعه الأخير، الشروع في زيادة جماعية للإنتاج قدرها 206 آلاف برميل يوميا ابتداء من أبريل، في خطوة وُصفت بأنها جزء من مسار تدريجي لإعادة الكميات إلى السوق. غير أن هذه الزيادة تمثل أقل من 0.2% من إجمالي الإمدادات العالمية، ما يطرح تساؤلات حول مدى قدرتها على موازنة سوق مضطربة بفعل عوامل جيوسياسية حادة. وفي هذا السياق، يرى متابعون أن فعالية أي زيادة إنتاجية لا ترتبط فقط بحجمها، بل بقدرتها على الوصول إلى الأسواق في ظل اضطراب الممرات البحرية. فإذا استمر الضغط على مضيق هرمز، فإن جزءا من الطاقة الفائضة قد يظل نظريا أكثر منه عمليا. كما أن معظم المنتجين داخل التحالف يعملون بالفعل بالقرب من حدود طاقتهم الإنتاجية، ما يقلص هامش المناورة الفعلي في حال تطلبت السوق كميات إضافية كبيرة خلال فترة قصيرة.

 

المخزونات الاستراتيجية.. صمام أمان مؤقت أم وهم استقرار؟

وفي موازاة رهان السوق على قرارات “أوبك+”، يبرز عامل آخر يتمثل في المخزونات الاستراتيجية لدى الاقتصادات الكبرى، والتي تُعد خط الدفاع الأول في حالات الطوارئ. فالولايات المتحدة ودول آسيوية رئيسية تحتفظ باحتياطيات يمكن السحب منها لتغطية أي نقص مؤقت في الإمدادات، ما يمنح الأسواق هامشا من الطمأنة في حال استمر الاضطراب لأيام أو أسابيع محدودة. هذه المخزونات صُممت تحديدا لامتصاص الصدمات المفاجئة ومنع حدوث قفزات غير منضبطة في الأسعار.

غير أن فعالية هذا الصمام تظل مرتبطة بطبيعة الأزمة ومدتها. فإذا كان التعطل محدودا زمنيا، فقد يكفي ضخ كميات من الاحتياطيات الاستراتيجية لإعادة التوازن وتهدئة المضاربات. أما إذا تحولت الأزمة إلى اضطراب ممتد في طرق الإمداد، فإن السحب المستمر من المخزون لن يكون حلا طويل الأمد، بل إجراء مؤقتا يشتري الوقت إلى حين استعادة التدفقات الطبيعية أو زيادة الإنتاج الفعلي.

كما أن الأسواق تراقب ليس فقط حجم المخزون، بل أيضا الإشارات السياسية المصاحبة لقرار استخدامه. فمجرد الإعلان عن الاستعداد للسحب يمكن أن يخفف من حدة الارتفاعات، حتى قبل ضخ أي برميل فعلي. ومع ذلك، يبقى السؤال مفتوحا حول ما إذا كانت هذه الآلية قادرة على كبح مسار صعودي مدفوع بعوامل جيوسياسية عميقة، أم أنها توفر استقرارا قصير الأجل في مواجهة أزمة قد تتجاوز حدود الحلول التقليدية.

 

الأسواق بين الذعر والانضباط.. هل نحن أمام موجة صعود ممتدة؟

ومع تداخل قرارات “أوبك+” مع رهانات المخزونات الاستراتيجية، يبقى العامل الحاسم في يد الأسواق نفسها. فالسؤال المطروح الآن لا يتعلق فقط بحجم الإمدادات، بل بكيفية تفاعل المتعاملين مع التطورات. ففي أوقات الأزمات الجيوسياسية، تميل الأسواق إلى المبالغة في تسعير المخاطر خلال المرحلة الأولى، قبل أن تعود تدريجيا إلى تقييم المعطيات الفعلية. هذا ما يجعل التمييز ضروريا بين قفزة مدفوعة بالذعر اللحظي وموجة صعود مستدامة تقوم على نقص حقيقي في العرض.

المؤشرات الأولية توحي بأن جزءا من الارتفاع الحالي يعكس إعادة تموضع استثماري واسع، حيث تتجه الصناديق الكبرى إلى تعزيز مراكزها في عقود النفط كتحوط ضد عدم اليقين. هذا التدفق الاستثماري قد يضخم الحركة السعرية في المدى القصير، لكنه يظل حساسا لأي إشارات تهدئة أو استئناف جزئي لحركة الشحن. فإذا ظهرت مؤشرات على احتواء التصعيد، قد تتراجع الأسعار سريعا نحو نطاق أدنى، أما إذا استمر التوتر، فقد يتحول الزخم الحالي إلى مسار تصاعدي أطول.

وفي هذا الإطار، يتوقف مستقبل الأسعار على توازن دقيق بين المعطيات الميدانية والانضباط المالي للأسواق. فإذا استقرت لدى المتعاملين قناعة بأن المخاطر الجيوسياسية ستظل قائمة لفترة ممتدة، فإن الأسعار قد تدخل مرحلة صعود تدريجي يتجاوز الارتفاع الأولي. أما إذا اتجهت الأطراف نحو تخفيف التصعيد، فقد يُعاد ضبط التوقعات بسرعة. وبين هذين المسارين، يبقى النفط في لحظة مفصلية قد تحدد اتجاهه لبقية العام.

وفي ضوء التطورات المتسارعة، يبدو أن مسار النفط لم يعد محكوما فقط بعوامل العرض والطلب التقليدية، بل بتوازنات جيوسياسية ترسم اتجاه الأسعار لحظة بلحظة. فبعد القفزة من 72 إلى 82 دولارا خلال ساعات، ومع بقاء مضيق هرمز تحت الضغط، وتعاظم علاوة المخاطر، وتواضع أدوات التهدئة مقارنة بحجم التوتر، يتشكل مسار تصاعدي واضح قد يدفع الأسعار نحو 90 دولارا سريعا، ويضع حاجز 100 دولار ضمن الاحتمالات الواقعية إذا استمر التعطيل والتصعيد. وفي هذه المرحلة، لم يعد السؤال إن كان النفط سيرتفع، بل إلى أي مستوى يمكن أن يصل إذا بقيت المعادلة على حالها.

مصطفى. ع