بفارق مريح عن السعر المرجعي المعتمد في قانون مالية 2026

النفط عند 72 دولارا.. مكاسب للجزائر

النفط عند 72 دولارا.. مكاسب للجزائر
  • توترات جيوسياسية وطلب موسمي يدفعان الأسعار صعودا

  • “أوبك+” تضبط الإمدادات.. وسوق النفط تستعيد توازنها

  • “صحارى بلند” يعزز العائدات.. ومكاسب مزدوجة من النفط والغاز

 

واصلت أسعار النفط قفزتها اللافتة مع بداية هذا الأسبوع، بعدما لامس خام برنت حدود 72 دولارا للبرميل، وهو أعلى سعر منذ نهاية جويلية 2025، في تطور يعيد رسم ملامح السوق الطاقوية العالمية.

هذا الارتفاع، الذي يأتي في ظرف دولي مشحون وتزامنا مع تحولات في العرض والطلب، يفتح أمام الجزائر هامش مداخيل إضافية معتبرة، خاصة في ظل اعتماد سعر مرجعي قدره 60 دولارا في قانون المالية 2026.

 

عكست التداولات الأسبوعية الأخيرة تحولا لافتا في منحنى الأسعار، بعدما أنهى خام برنت تعاملاته عند 71.76 دولارا للبرميل، مقتربا من عتبة 72 دولارا، وهو مستوى لم تسجله السوق منذ 31 جويلية 2025. هذا الارتفاع لم يكن ظرفيا أو مرتبطا بجلسة واحدة، بل جاء نتيجة مسار تصاعدي امتد لأكثر من أسبوعين، ما يعكس عودة الزخم إلى السوق الطاقوية العالمية. ويُظهر تتبع المنحنى السعري، أن الفارق المسجل مقارنة ببداية الشهر الجاري يُعد معتبرا، خاصة بعد مرحلة من التذبذب الحذر التي طبعت تداولات الربع الأول من السنة. فاستقرار الأسعار فوق عتبة السبعين دولارا يمنح إشارة واضحة إلى أن السوق دخلت مرحلة إعادة تموضع، مدفوعة بتوازنات جديدة في العرض والطلب. كما أن بلوغ هذا المستوى السعري يحمل دلالات نفسية واقتصادية في آن واحد، إذ يعتبر حاجز 70 دولارا نقطة مرجعية مهمة للمتعاملين في البورصات الطاقوية، وغالبا ما يشكل تجاوزها مؤشرا على تغير المزاج العام في السوق من الحذر إلى التفاؤل الحذر، خاصة عندما يتزامن مع معطيات أساسية داعمة. ومن زاوية مالية، فإن هذا التطور يعيد طرح مسألة الفارق بين السعر الفعلي في السوق الدولية والسعر المرجعي المعتمد في العديد من القوانين المالية، وهو ما يجعل كل دولار إضافي فوق هذا المستوى محل متابعة دقيقة، سواء من قبل المستثمرين أو الدول المصدرة للنفط، بالنظر إلى انعكاساته المباشرة على الإيرادات الطاقوية خلال الأشهر المقبلة.

 

التوترات الجيوسياسية وتراجع المخزونات.. محركات الارتفاع الحالية

وإذا كانت الأرقام تعكس النتيجة الظاهرة في السوق، فإن خلفيات هذا الصعود ترتبط بعوامل سياسية واقتصادية متشابكة، في مقدمتها تصاعد التوترات الجيوسياسية، خاصة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران.

فكلما ارتفعت حدة التصريحات أو تحركت القطع العسكرية في المنطقة، سارعت الأسواق إلى تسعير “مخاطر الإمداد”، وهو ما ينعكس مباشرة في علاوة سعرية تُضاف إلى البرميل تحسبا لأي اضطراب محتمل في تدفق النفط. وتدرك الأسواق أن منطقة الخليج تبقى شريانا حيويا للطاقة العالمية، وأي تصعيد قد يؤثر على حركة الشحن أو الإنتاج، حتى وإن لم يتحول إلى مواجهة مباشرة. لذلك فإن مجرد ارتفاع منسوب المخاوف يكفي لدفع المتعاملين إلى تعزيز مراكز الشراء، ما يخلق موجة طلب مضاربية تدعم الأسعار في الأجل القصير والمتوسط. إلى جانب العامل الجيوسياسي، لعبت بيانات المخزون التجاري في الولايات المتحدة دورا مؤثرا في تغذية الاتجاه الصعودي. فقد أظهرت المؤشرات الأخيرة تراجعا في حجم المخزونات، وهو ما فُسر على أنه إشارة إلى تحسن الطلب أو انكماش العرض، الأمر الذي عزز ثقة الأسواق في قدرة الأسعار على الحفاظ على مستوياتها الحالية أو حتى تجاوزها. وبذلك، تلاقت المخاوف السياسية مع المعطيات الفنية للسوق، لتشكل بيئة داعمة للارتفاع، حيث لم يعد الأمر مجرد حركة ظرفية، بل نتيجة تفاعل بين مخاطر جيوسياسية قائمة ومعطيات عرض وطلب تميل لصالح تشديد السوق، وهو ما يفسر متانة الأسعار خلال الأيام الأخيرة.

 

قرارات “أوبك+” وضبط الإنتاج.. عامل التوازن في السوق

وبموازاة العوامل الجيوسياسية والبيانات الأمريكية، يبرز دور تحالف “أوبك+” كعنصر حاسم في رسم اتجاهات السوق خلال المرحلة الحالية.

فهذا التكتل، الذي يضم كبار المنتجين ويمثل أكثر من 45 بالمائة من الإنتاج العالمي للنفط الخام، ظل خلال الأشهر الماضية يتعامل بحذر مع معطيات السوق، معتمدا سياسة ضبط تدريجي للإنتاج بهدف تفادي فائض في العرض قد يضغط على الأسعار. وقد ساهم قرار عدم إدراج زيادات إنتاجية إضافية إلى غاية نهاية مارس المقبل في تعزيز ثقة المتعاملين، باعتباره رسالة واضحة بأن التحالف يفضل الحفاظ على توازن السوق بدل المغامرة بضخ كميات قد تؤدي إلى تراجع الأسعار. هذا التوجه عزز الانطباع بأن العرض سيبقى مضبوطا في الأجل القريب، ما يدعم المستويات الحالية للبرميل. كما أن التزام الدول الأعضاء بحصصها الإنتاجية يظل عاملا محوريا في استقرار السوق، إذ إن أي انحراف كبير عن السقف المحدد كان سيقلب المعادلة لصالح فائض في المعروض. غير أن المؤشرات المتوفرة تفيد باستمرار نهج الانضباط الجماعي، ما يمنح السوق درجة من الوضوح في ما يتعلق بالعرض خلال الأسابيع المقبلة. وبذلك، يمكن القول إن تحالف “أوبك+” لعب دور صمام الأمان، حيث تلاقى ضبط الإنتاج مع التوترات الجيوسياسية وبيانات المخزون لتشكيل بيئة سوقية أكثر تشددا في جانب العرض، وهو ما يفسر استمرار الأسعار في التحرك ضمن نطاق مرتفع نسبيا مقارنة بالفترات السابقة.

 

دخول موسم الطلب المرتفع.. الربيع والصيف يدفعان الأسعار صعودا

وإلى جانب العوامل المرتبطة بالعرض، يبرز عنصر الطلب كمتغير أساسي في تفسير الاتجاه الصعودي للأسعار، خاصة مع اقتراب العالم من فصلي الربيع والصيف، اللذين يشهدان تقليديا ارتفاعا ملحوظا في حركة التنقل والسياحة الدولية.

هذه الفترة تُعد ذروة استهلاك للطاقة، إذ تتزايد الرحلات الجوية والبحرية والبرية، ما ينعكس مباشرة على حجم الطلب على المشتقات النفطية. وتشير المعطيات إلى أن نحو 70 بالمائة من النفط الخام يوجه إلى مصافي التكرير لإنتاج الوقود بمختلف أنواعه، سواء البنزين أو الديزل أو وقود الطائرات. ومع اتساع النشاط الاقتصادي وارتفاع وتيرة التنقلات، يرتفع استهلاك هذه المشتقات، ما يخلق ضغطا إضافيا على الإمدادات ويدفع الأسعار إلى التماسك أو الصعود. كما أن جزءا من التداولات الحالية يقوم على عقود آجلة، ما يعني أن الأسعار المسجلة اليوم تعكس توقعات السوق للأشهر المقبلة، وليس فقط الواقع الآني. وعندما تتزامن هذه التوقعات مع موسم طلب قوي، فإن المتعاملين يميلون إلى تعزيز رهاناتهم على استمرار المستويات المرتفعة، وهو ما يدعم المنحى الصعودي. وبالتالي، فإن دخول موسم الاستهلاك المرتفع يشكل عاملا داعما للاتجاه الحالي، حيث تتكامل ديناميكية الطلب الموسمي مع محدودية العرض النسبي، لتوفر أرضية صلبة لاستمرار الأسعار في نطاقها المرتفع خلال المرحلة القادمة، ما لم تطرأ متغيرات مفاجئة على المشهد الدولي.

 

“صحارى بلند” في موقع أفضلية.. فارق سعري يعزز العائدات

وفي خضم هذه التحولات الدولية، يبرز عنصر نوعية الخام الجزائري كعامل إضافي يعزز موقع البلاد في السوق الطاقوية.

فخام “صحارى بلند” يُصنف ضمن الخامات الخفيفة وعالية الجودة، وهو ما يجعله مفضلا لدى العديد من المصافي العالمية، خاصة تلك التي تبحث عن مردودية أعلى في إنتاج الوقود النظيف والمشتقات ذات القيمة المضافة. ويُترجم هذا التصنيف عمليا في شكل فارق سعري إيجابي مقارنة بخام برنت المرجعي، إذ يتراوح عادة بين دولارين و6 دولارات فوق السعر العالمي، بحسب ظروف السوق. ومع تداول برنت حاليا في حدود 72 دولارا، فإن سعر النفط الجزائري قد يتحرك فعليا ضمن نطاق أعلى، ما يمنح كل برميل قيمة إضافية تتجاوز المتوسط العام للسوق. هذا الامتياز السعري لا يرتبط فقط بالتصنيف التقني للخام، بل أيضا بسمعته في الأسواق الأوروبية والمتوسطية، حيث يُعد خيارا مفضلا بسبب انخفاض نسبة الكبريت وسهولة التكرير. وبالتالي، فإن أي موجة ارتفاع عالمية تنعكس بصورة مضاعفة نسبيا على المداخيل المحققة من هذا النوع من النفط. وبحسابات مالية مباشرة، فإن الجمع بين السعر الدولي المرتفع والفارق الإيجابي الخاص بـ”صحارى بلند” يسمح بتحقيق عائدات إضافية قد تتراوح بين 10 و17 دولارا للبرميل مقارنة بالسعر المرجعي المعتمد في قانون المالية، وهو ما يعزز القدرة على تعبئة موارد إضافية في حال استمرت هذه المستويات خلال الفترة المقبلة.

 

مكاسب مزدوجة للجزائر.. النفط والغاز في مسار صاعد

وانطلاقا من هذه المعطيات مجتمعة، تتضح الصورة على المستوى الوطني، حيث ينعكس ارتفاع الأسعار مباشرة على المداخيل الطاقوية للجزائر، خاصة في ظل اعتماد سعر مرجعي قدره 60 دولارا للبرميل في قانون المالية 2026.

ومع تداول البرميل في حدود 72 دولارا، يتشكل هامش إضافي معتبر عن كل برميل مصدر، ما يمنح الخزينة العمومية متنفسا ماليا مهما إذا استمرت هذه المستويات خلال الأشهر المقبلة. ولا يتوقف الأثر عند النفط فقط، إذ يمتد إلى الغاز الطبيعي الذي يرتبط عضويا بأسعار البترول في العديد من العقود طويلة ومتوسطة الأجل. فعادة ما يؤدي صعود سعر البرميل إلى ارتفاع أسعار الغاز، سواء عبر الصيغ التعاقدية المرتبطة بالنفط أو عبر تأثيرات السوق الفورية، وهو ما يعزز فرص تحقيق إيرادات إضافية من صادرات الغاز نحو الأسواق التقليدية. هذا الترابط بين الموردين الرئيسيين للعملة الصعبة يجعل الظرفية الحالية ذات أهمية خاصة، إذ يمكن أن تترجم إلى مكاسب مزدوجة، في حال تواصل الاتجاه الصعودي أو استقراره عند المستويات الحالية. كما أن استقرار الأسعار فوق العتبة المرجعية يوفر هامشا أكبر في إدارة التوازنات المالية، سواء في ما يتعلق بالإنفاق العمومي أو بتعزيز الاحتياطات. وبذلك، فإن المشهد الطاقوي العالمي، بما يحمله من تقلبات وتوازنات دقيقة، يضع الجزائر أمام فرصة ظرفية لتعزيز مواردها، شريطة استمرار المعطيات الداعمة للأسعار. فكل تحرك إيجابي في السوق الدولية لا يُقرأ فقط كرقم في بورصات الطاقة، بل كعامل مؤثر في معادلة الإيرادات الوطنية خلال المرحلة القادمة. في ضوء هذه التطورات، تبدو السوق النفطية أمام مرحلة جديدة تتسم بحساسية عالية تجاه المتغيرات السياسية والاقتصادية، غير أن المؤشرات الحالية تمنح الدول المصدرة، وفي مقدمتها الجزائر، هامشا مريحا للتحرك. فاستقرار الأسعار عند مستويات تفوق العتبة المرجعية لا يعكس فقط ظرفا ظرفيا، بل يترجم أيضا عودة التوازن النسبي بين العرض والطلب، وهو ما يعزز ثقة المتعاملين في استدامة هذا المسار خلال المدى القريب. كما أن تحسن المؤشرات الطاقوية يأتي في سياق وطني يتجه نحو تعزيز مردودية القطاع، سواء من خلال تثمين نوعية الخام الجزائري أو عبر توسيع آفاق التصدير وتنويع الشركاء. هذا المعطى يمنح الاقتصاد الوطني فرصة للاستفادة القصوى من كل موجة صعود في الأسعار، عبر توجيه الموارد الإضافية نحو دعم الاستثمارات العمومية ومرافقة المشاريع الاستراتيجية، بما يكرس الاستقرار المالي ويعزز الديناميكية التنموية. وبين تقلبات الأسواق وحسابات العرض والطلب، تظل الجزائر في موقع يمكنها من تحويل الظرفية الدولية إلى رافعة إيجابية، مستفيدة من موقعها كمنتج موثوق في سوق الطاقة. فكل دولار إضافي يتحقق اليوم يمثل فرصة لتعزيز التوازنات الاقتصادية، وترسيخ مسار أكثر استدامة في إدارة العائدات الطاقوية خلال المرحلة المقبلة.

مصطفى. ع