-
زروال.. مسار رجل كتب اسمه في لحظات الجزائر الصعبة
-
جثمان الفقيد يوارى اليوم بباتنة بعد صلاة الظهر
رحل، مساء السبت، رئيس الجمهورية الأسبق المجاهد اليامين زروال، بالمستشفى العسكري “محمد الصغير نقاش” بالعاصمة، بعد مسار حافل في خدمة الوطن.
وبرحيله، تفقد الجزائر أحد أبرز رجالاتها الذين طبعوا مرحلة مفصلية من تاريخها، حيث أعلنت رئاسة الجمهورية حدادا وطنيا لثلاثة أيام، في وقت يستعد فيه الجزائريون لتوديع رجل جمع بين روح المجاهد ومسؤولية رجل الدولة.
جاء الإعلان عن وفاة رئيس الجمهورية الأسبق المجاهد اليامين زروال ليؤكد رحيل أحد أبرز رجالات الدولة الذين طبعوا مرحلة مفصلية من تاريخ الجزائر. فقد توفي الفقيد مساء يوم السبت بالمستشفى العسكري محمد الصغير نقاش بالجزائر العاصمة، بعد صراع مع مرض عضال، بحسب ما أفاد به بيان رسمي لرئاسة الجمهورية. وسارعت رئاسة الجمهورية إلى نعي الفقيد في بيان لها، أكدت فيه أن الجزائر فقدت رجلا من رجالاتها الأوفياء الذين كرّسوا حياتهم لخدمة الوطن، في مختلف المراحل التي مر بها. كما أعلنت بالمناسبة عن حداد وطني لمدة ثلاثة أيام، ابتداء من يوم السبت، يشمل كامل التراب الوطني وكذا الممثليات الدبلوماسية بالخارج، مع تنكيس العلم الوطني. ويعكس هذا القرار الرمزي حجم المكانة التي كان يحظى بها الراحل في الذاكرة الوطنية، باعتباره من جيل الثورة ومن القيادات التي ساهمت في بناء الدولة الجزائرية الحديثة. فقد جمع في مساره بين العمل العسكري والسياسي، وارتبط اسمه بفترة حساسة من تاريخ البلاد، ما جعله أحد الوجوه البارزة في تاريخ الجمهورية. وبذلك، شكل خبر الوفاة لحظة وطنية استحضرت مسار رجل ارتبط اسمه بالدولة ومؤسساتها، وترك بصمة واضحة في مسار الجزائر. ومع إعلان الحداد، دخلت البلاد مرحلة تأمل في سيرة أحد رجالاتها الذين طبعوا تاريخها الحديث.
إلى مثواه الأخير.. جنازة وطنية في باتنة

وفي امتداد لحالة الحزن التي عمّت البلاد عقب إعلان الوفاة، تتجه الأنظار إلى مسقط رأس الفقيد، حيث سيوارى جثمان الرئيس الأسبق المجاهد اليامين زروال الثرى اليوم الاثنين بعد صلاة الظهر بمدينة باتنة، في مشهد يختزل مسار رجل، بعد حياة حافلة بالعطاء في خدمة الوطن.
ويحمل اختيار باتنة لاحتضان مراسم التشييع دلالة رمزية عميقة، باعتبارها المدينة التي وُلد فيها الراحل يوم 3 جويلية 1941، ومنها انطلقت أولى خطواته نحو مسار نضالي مبكر، حين التحق بصفوف جيش التحرير الوطني سنة 1957، ليكون جزءا من جيل حمل على عاتقه حلم الاستقلال. كما يُنتظر أن تشهد مراسم الجنازة حضورا رسميا وشعبيا واسعا، يعكس المكانة التي كان يحظى بها الفقيد في وجدان الجزائريين، ليس فقط كرئيس سابق، بل كأحد رموز الدولة الذين ارتبطت أسماؤهم بمراحل مفصلية من تاريخ البلاد. وبذلك، تمثل جنازة اليامين زروال لحظة وطنية جامعة، تُستحضر فيها مسيرة رجل جمع بين صفة المجاهد ورجل الدولة، قبل أن يختار في نهاية مساره العودة إلى مدينته، في صورة تعكس ارتباطه العميق بالجذور وبساطة الشخصية التي لازمته طوال حياته.
النظرة الأخيرة.. الرئيس تبون يودع زروال بقصر الشعب

وفي امتداد لمراسم التشييع التي أعادت إلى الواجهة رمزية الرجل ومكانته في الذاكرة الوطنية، جاءت لحظة النظرة الأخيرة بقصر الشعب لتكرّس حجم التقدير الرسمي الذي حظي به الفقيد.
فقد ألقى رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، يوم الأحد، النظرة الأخيرة على جثمان الرئيس الأسبق اليامين زروال، في مشهد حمل دلالات عميقة تتجاوز الطابع البروتوكولي. وخلال هذه المراسم، قام رئيس الجمهورية بالتوقيع على سجل التعازي، معبّرا عن تقدير الدولة لمسار رجل قاد البلاد في واحدة من أدق مراحلها، حيث شكل حضوره رسالة رمزية تؤكد استمرارية الدولة ووفاءها لرجالاتها الذين خدموا الوطن في مختلف الظروف. كما عكست هذه الخطوة اعترافا رسميا بالدور الذي لعبه الفقيد في الحفاظ على استقرار البلاد خلال فترة مفصلية. وقد جرى هذا اللقاء بحضور عدد من كبار المسؤولين في الدولة، على رأسهم الوزير المنتدب لدى وزير الدفاع الوطني، رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي، الفريق أول السعيد شنقريحة، إلى جانب شخصيات رسمية أخرى، في صورة تعكس إجماع مؤسسات الدولة على مكانة الراحل ودوره في تاريخ الجزائر المعاصر. وبذلك، كانت النظرة الأخيرة محطة وطنية جامعة، استحضرت مسار رجل دولة جمع بين المسؤولية والالتزام، وأكدت أن ذاكرة الدولة لا تنسى من صنعوا تاريخها، خاصة في أصعب اللحظات التي مرت بها البلاد.
من الثورة إلى الدولة.. مسار مجاهد في خدمة الوطن

وفي امتداد لمشاهد الوداع الرسمية، يستحضر المسار الطويل للرئيس الأسبق اليامين زروال، الذي انطلق مبكرا من صفوف الثورة التحريرية ليشكل أحد نماذج جيل حمل على عاتقه مهمة استرجاع السيادة الوطنية.
فقد التحق الراحل بصفوف جيش التحرير الوطني سنة 1957، وهو في ريعان شبابه، حيث انخرط في الكفاح المسلح ضمن مرحلة مفصلية من تاريخ الجزائر. ومع بزوغ فجر الاستقلال، واصل زروال مسيرته داخل صفوف الجيش الوطني الشعبي، مستفيدا من تكوين عسكري عالي المستوى داخل الجزائر وخارجها، ما مكنه من التدرج في عدة مسؤوليات قيادية. وقد شغل مناصب حساسة في مؤسسات تكوينية وعسكرية، من بينها قيادة المدرسة العسكرية بباتنة (1974-1975) والأكاديمية العسكرية بشرشال (1981-1982)، ما جعله يساهم في تكوين أجيال من إطارات الجيش. كما تولى الراحل قيادة عدة نواحٍ عسكرية، من بينها الناحية العسكرية السادسة والثالثة والخامسة، قبل أن يُعيّن قائدا للقوات البرية سنة 1989، في مرحلة كانت تتطلب كفاءات قادرة على التكيف مع التحولات التي عرفتها البلاد. هذا المسار جعله من أبرز الإطارات العسكرية التي ساهمت في بناء وتماسك المؤسسة العسكرية. وبذلك، لم يكن مسار اليامين زروال مجرد انتقال من الثورة إلى الدولة، بل كان امتدادا طبيعيا لالتزام وطني متواصل، جمع بين التجربة الميدانية في الكفاح والتدرج المؤسساتي في بناء الدولة. وهو ما شكل قاعدة صلبة لمسيرته اللاحقة، التي قادته إلى أعلى هرم السلطة في واحدة من أكثر الفترات حساسية في تاريخ الجزائر.
رئيس في زمن العاصفة.. قيادة الجزائر في التسعينيات

وفي امتداد لهذا المسار النضالي والعسكري الطويل، وجد اليامين زروال نفسه في قلب واحدة من أصعب المراحل التي مرت بها الجزائر، عندما تولى مسؤولية قيادة الدولة في تسعينيات القرن الماضي، في ظرف اتسم بأزمة أمنية حادة، وضغوط اقتصادية خانقة، وعزلة دولية غير مسبوقة.
فقد عُيّن رئيسا للدولة سنة 1994، قبل أن يُنتخب رئيسا للجمهورية سنة 1995، في مرحلة كانت البلاد فيها بأمسّ الحاجة إلى قيادة متزنة وقادرة على احتواء التحديات. وخلال تلك الفترة، واجهت الجزائر وضعا معقدا، تميز بتصاعد العنف وتراجع المؤشرات الاقتصادية، إضافة إلى ديون ثقيلة وضغوط خارجية. غير أن زروال اختار التعامل مع هذه التحديات بمنهج يجمع بين الحزم والهدوء، معتمدا على رؤية تستند إلى الحفاظ على مؤسسات الدولة واستعادة الاستقرار تدريجيا، دون الانزلاق نحو خيارات قد تزيد من تعقيد الوضع. كما اتسمت قيادته بالتمسك بمبدأ السيادة الوطنية، حيث حرص على أن تبقى القرارات الكبرى نابعة من الداخل، بعيدا عن أي إملاءات خارجية، وهو ما عزز من صورة الجزائر كدولة متمسكة باستقلالية قرارها رغم الظروف الصعبة. وقد انعكس هذا التوجه في طريقة تعامله مع الملفات السياسية والاقتصادية، حيث سعى إلى تحقيق توازن دقيق بين متطلبات الأمن والإصلاح. ومن بين أبرز المحطات التي طبعت عهده، قراره بتنظيم انتخابات رئاسية مسبقة سنة 1999، في خطوة شكلت انتقالا سياسيا هادئا أنهى به عهدته، مفضلا تسليم الأمانة بدل التمسك بالسلطة. وهو قرار يعكس فلسفة خاصة في الحكم، قائمة على تغليب مصلحة الدولة واستقرارها، وهي سمة بقيت مرتبطة باسمه في الذاكرة الوطنية.
رجل السيادة والوفاء.. زروال كما عرفه الجزائريون

وفي امتداد لهذه المسيرة التي جمعت بين الثورة وبناء الدولة، تتجلى صورة اليامين زروال في الذاكرة الوطنية كرجل سيادة ووفاء، ارتبط اسمه بفكرة الدولة المستقلة والقرار الوطني غير القابل للمساومة.
فقد كان، في مختلف مراحل حياته، من أولئك الذين وضعوا مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، سواء في مساره العسكري أو خلال توليه أعلى هرم السلطة. وقد عُرف الراحل بشخصيته المتزنة التي جمعت بين الحزم والهدوء، حيث كان يتعامل مع القضايا الكبرى بعقلية استراتيجية، بعيدة عن التسرع أو الانفعال. هذه الصفات جعلت منه شخصية تحظى بالاحترام داخل الجزائر وخارجها، خاصة في مرحلة كانت تتطلب قيادة قادرة على التوازن بين الأمن والاستقرار. كما تميز بمواقفه السيادية الواضحة، إذ ظل يعتبر أن استقلال القرار الوطني خط أحمر لا يمكن تجاوزه، وهو المبدأ الذي رافقه منذ انخراطه في صفوف جيش التحرير الوطني سنة 1957، إلى غاية توليه رئاسة الجمهورية. ولم يكن هذا الموقف مجرد خطاب سياسي، بل كان امتدادا لتجربة شخصية عاشها في ميادين الكفاح والبناء. وبعد مغادرته سدة الحكم سنة 1999، اختار زروال الابتعاد عن الأضواء والعودة إلى مسقط رأسه بباتنة، في صورة تعكس تواضعه ونظرته الخاصة للمسؤولية. هناك، عاش حياة بسيطة بعيدا عن المشهد السياسي، تاركا وراءه مسارا حافلا سيبقى حاضرا في وجدان الجزائريين، كنموذج لرجل دولة جمع بين النضال والوفاء والالتزام الوطني. رحل زروال الذي جمع بين روح المجاهد وانضباط القائد، وبين حسّ الدولة وهدوء رجل المرحلة، ليترك بصمة خاصة في تاريخ الجزائر الحديث، عنوانها التوازن والالتزام بالمصلحة الوطنية. برحيله، تفقد الجزائر أحد رجالاتها الذين اختاروا خدمة الوطن دون ضجيج، ثم الانسحاب في صمت بعد أداء الواجب. وبين ما قدّمه في الميدان وما تركه في الذاكرة، يبقى اليامين زروال اسما مرتبطا بفكرة الدولة واستمراريتها، ورمزا لمرحلة مفصلية ستظل حاضرة في وجدان الجزائريين.
مصطفى. ع












