أنوار من جامع الجزائر

الْقُدْسَ قَلْبِ الْأُمَّةِ   – الجزء الثاني والأخير-

الْقُدْسَ قَلْبِ الْأُمَّةِ   – الجزء الثاني والأخير-

إنَّ الْقُدْسَ تَعِيشُ فِي قَلْبِ الْأُمَّةِ نَبْضاً لَا يَتَوَقَّفُ، وَنُوراً لَا يَخْبُو. وَسَتَبْقَى فِلَسْطِينُ، رَمْزَ اجْتِمَاعِنَا وَطَهَارَةِ مَقْصَدِنَا. اِجْعَلُوهَا حَاضِرَةً فِي دَعَوَاتِكُمُ الصَّادِقَةِ فِي خَلَوَاتِ اللَّيْلِ، وَرَسِّخُوا مَحَبَّتَهَا فِي عُقُولِ النَّاشِئَةِ. إِنَّ التَّضَامُنَ الْحَقِيقِيَّ مَعَهُمْ يَبْدَأُ مِنْ إِصْلَاحِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ بِنَاءِ مُجْتَمَعَاتِنَا عَلَى صُرُوحِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ وَالْوَحْدَةِ الصَّادِقَةِ، حَتَّى نَكُونَ أَهْلاً لِحَمْلِ أَمَانَةِ الْأَنْبِيَاءِ فِي الْأَرْضِ. الْقُدْسُ تُنَادِيكُمْ بِصَوْتِ مِحْرَابِهَا الْعَبِقِ، وَبِطَهَارَةِ تُرَابِهَا الْمُبَارَكِ: أَنْ كُونُوا أُمَّةً وَاحِدَةً، كَمَا أَنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَكِتَابَكُمْ وَاحِدٌ، فَقِبْلَتُكُمُ الْأُولَى تَنْتَظِرُ مِنْكُمْ صِدْقَ النَّوَايَا، وَالِاعْتِصَامَ بِحَبْلِ اللَّهِ الْمَتِينِ وَبِمَنْهَجِهِ الرَّحِيمِ لِتكونوا من المفلحين. ثُمَّ إِيَّاكُمْ وَالْيَأْسَ. إِيَّاكُمْ وَالرُّكُونَ إِلَى مُرْجِفِينَ يَبُثُّونَ الْإِحْبَاطَ فِي النُّفُوسِ. يَسْتَعْظِمُونَ قُوَّةَ الْعَدُوِّ، وَيَسْتَصْغِرُونَ عَدْلَ اللَّهِ. يَرَوْنَ الْأَسَاطِيلَ وَالْعَتَادَ، وَيَنْسَوْنَ رَبَّ الْعِبَادِ. فَالْيَأْسُ قَرِينُ الْكُفْرِ، وَالْإِحْبَاطُ سُمُّ الْهَزِيمَةِ. ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾. لِيَكُنْ فِي قُلُوبِكُمْ يَقِينٌ لَا يُخَالِطُهُ شَكٌّ أنَّ فِلَسْطِينَ سَتَعُودُ حُرَّةً كَرِيمَةً، وَالْمَسْجِدُ الْأَقْصَى سَيُطَهَّرُ مِنْ دَنَسِ الْغَاصِبِينَ. هَذَا لَيْسَ أَمَلاً وَاهِماً، وَلَا سَرَاباً يحسِبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً. هَذَا وَعْدُ اللَّهِ الْقَاطِعُ، وَنَبَأُ الرَّسُولِ الصَّادِقِ. فَقَدْ بَشَّرَنَا نَبِيُّنَا بِالطَّائِفَةِ الْمَنْصُورَةِ الَّتِي لَا يَضُرُّهَا مَنْ خَذَلَهَا، حِينَ قَالَ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ، لَعَدُوِّهِمْ قَاهِرِينَ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ إِلَّا مَا أَصَابَهُمْ مِنْ لَأْوَاءَ، حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَيْنَ هُمْ؟ قَالَ: «بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَأَكْنَافِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ». فَهَنِيئاً لِمَنْ بَقِيَ ثَابِتاً كَالْجِبَالِ، وأَمَّا الدِّمَاءُ الزَّكِيَّةُ الَّتِي سَالَتْ وَتَسِيلُ، فهِيَ ثَمَنُ الْكَرَامَةِ الْغَالِي، وَهِيَ النُّورُ الَّذِي يُبَدِّدُ دَيَاجِيرَ الِاحْتِلَالِ. شُهَدَاؤُنَا لَيْسُوا أَمْوَاتاً نَبْكِيهِمْ، بَلْ أَحْيَاءٌ نَسْتَلْهِمُ مِنْهُمُ الْعِزَّةَ. ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾. نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يُثَبِّتَ الْمُرَابِطِينَ، وَأَنْ يَجْعَلَنَا مِنْ عِبَادِهِ الْمُخْلِصِينَ، السَّاعِينَ بِحَقٍّ لِرفْعَةِ هَذَا الدِّينِ، وَالْبَانِينَ لِصُرُوحِ وَحْدَتِهِ بِالْمَحَبَّةِ وَالْيَقِينِ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

الجزء الثاني والأخير من خطبة الجمعة من جامع الجزائر