تنطلق ابتداءً من اليوم واحدة من أكبر عمليات التوظيف في تاريخ قطاع التربية، حيث يتنافس أكثر من مليون و56 ألف مترشح على 40.500 منصب في سلك الأساتذة، عبر محطة المقابلة الشفهية التي ستُجرى طيلة أيام 24 و25 و26 مارس الجاري، وسط ترقب واسع وتساؤلات متزايدة حول طبيعة هذا الامتحان الحاسم ومعاييره الحقيقية.
وفي ظل تضارب الانطباعات وتداول معلومات غير دقيقة، قدّمت مصادر ميدانية من داخل مراكز الإجراء، مدعومة بشهادات رؤساء مراكز ومفتشين ومختصين في الشأن التربوي، توضيحات حاسمة تكشف حقيقة المقابلة الشفهية، وتضع حداً لجدل الأسئلة “المعقدة” أو “المصيرية” التي يخشاها المترشحون. وتؤكد المعطيات المتوفرة أن المقابلة الشفهية ليست اختباراً معرفياً بالمعنى التقليدي، بل هي لقاء مباشر وحضوري بين المترشح وأعضاء اللجنة، هدفه الأساسي تقييم الجاهزية العامة لشغل المنصب، وليس قياس حجم الرصيد العلمي، باعتبار أن هذا الأخير مثبت أصلاً بالشهادات الجامعية المحصل عليها. وعليه، فإن الأسئلة المطروحة تكون في الغالب بسيطة، عفوية وغير موحدة مركزياً، حيث لا تُعدّ مسبقاً من طرف الوزارة، بل تُصاغ داخل اللجنة وفق توجيهات عامة ومسار حواري مرن. وتتمحور طبيعة الأسئلة حول ثلاثة محاور رئيسية، تبدأ عادة بطلب تقديم النفس، وهو سؤال تقليدي يمنح للمترشح فرصة مريحة لكسب أولى النقاط عبر عرض مساره الدراسي والمهني وخبراته بشكل منظم. يلي ذلك سؤال عام في شكل وضعية افتراضية، يُقاس من خلاله مستوى التفكير والتحليل والقدرة على اقتراح حلول واقعية. أما السؤال الثالث، فيرتبط غالباً بتخصص المترشح، دون أن يكون الهدف اختبار معلوماته الدقيقة، بل تقييم قدرته على استرجاع معارفه وتنظيمها في إجابة واضحة ومتسلسلة. وتكشف شبكة التقييم المعتمدة أن العلامة الكاملة (3 نقاط) تبقى في متناول كل مترشح يستوفي الشروط الأساسية، حيث يتم التنقيط وفق ثلاثة معايير دقيقة، تشمل القدرة على التحليل والتلخيص، ومهارات التواصل، إضافة إلى المؤهلات الشخصية والمهنية. ويُنتظر من المترشح أن يُظهر قدرة على تفكيك السؤال وبناء إجابة مركبة بلغة سليمة وأفكار مترابطة، مع التحكم في أدوات التواصل اللفظي وغير اللفظي، من نطق واضح، وتوازن في لغة الجسد، وثقة في النفس. كما تولي اللجان أهمية خاصة لعناصر السلوك العام، مثل الهدوء، والقدرة على التحكم في التوتر، وإبراز الذكاء الانفعالي، إلى جانب تقديم حلول واقعية تعكس فهماً حقيقياً لمتطلبات الميدان التربوي. ولا يقلّ المظهر الخارجي والالتزام بآداب المقابلة أهمية عن باقي المؤشرات، باعتبارها تعكس الجدية والاستعداد المهني. وفيما يتعلق بسلم التنقيط، يتم توزيع نقطة واحدة على كل معيار وفق درجات تبدأ من 0 إلى 1، مروراً بمستويات تدريجية تضمن دقة التقييم وموضوعيته. كما تعتمد اللجان مبدأ العمل الجماعي، حيث تُحتسب العلامة النهائية بناءً على متوسط تقييمات جميع الأعضاء، ما يعزز النزاهة ويحدّ من أي تأثير ذاتي فردي.
وتؤكد هذه المعطيات أن المقابلة الشفهية ليست “فخاً” كما يعتقد البعض، بل فرصة حقيقية لإبراز الشخصية والقدرات التواصلية، حيث يمكن للمترشح الواعي بطبيعة هذا الامتحان أن يحسم النتيجة لصالحه عبر التحكم في أبجديات الحوار، وإظهار الثقة، وبناء إجابات بسيطة في ظاهرها، عميقة في مضمونها.
ربيعة. ت