-
اتحاد التجار: الزيادات ظرفية.. والتموين مستقر
تشهد أسواق الخضر والفواكه بربوع الوطن، منذ نهاية شهر رمضان الكريم، ارتفاعا ملحوظا في الأسعار، تجاوز في بعض المواد مستويات أصبحت تثقل كاهل المستهلكين، وبين وفرة المعروض وتباين الأسعار، يطرح هذا الوضع تساؤلات حول أسبابه وآفاقه، في وقت تشير فيه المؤشرات الميدانية إلى طابع ظرفي لهذه الزيادات، مع توقعات بعودة التوازن تدريجيًا خلال الأيام المقبلة.
كشفت الجولة الميدانية التي قامت بها جريدة “الموعد اليومي” بسوقي باب الزوار شرق العاصمة ورويسو وسطها، عن ارتفاع واضح في أسعار عدد من الخضر الأساسية، حيث تجاوز سعر البصل عتبة 100 دج للكيلوغرام، فيما قفز الجزر والخيار إلى أكثر من 150 دج، في مشهد يعكس تغيرًا ملحوظًا مقارنة بالأسابيع الماضية، وسط وفرة نسبية في العرض وتنوع في المنتجات المعروضة على طاولات الباعة. ولم يتوقف الارتفاع عند هذه المواد فقط، بل شمل أيضًا الكوسة التي تخطت 100 دج، والشفلور الذي تجاوز 150 دج، في حين سجلت بعض الأصناف الأخرى، على غرار الفلفل بنوعيه “الطرشي” و”الحار” والطماطم، أسعارًا فاقت 200 دج، وهي مستويات اعتبرها عدد من المتسوقين “مرتفعة” مقارنة بقدرتهم الشرائية، خاصة بالنسبة للعائلات التي تعتمد بشكل يومي على هذه المنتجات في استهلاكها الغذائي. وخلال هذه الجولة، بدا واضحًا أن حركة البيع والشراء لم تتوقف، إلا أنها تأثرت نسبيًا بحالة الترقب التي تسود أوساط المستهلكين، حيث يكتفي البعض بشراء كميات محدودة، بينما يفضل آخرون تأجيل اقتناء بعض الخضر انتظارًا لتراجع الأسعار، في ظل تداول واسع لملاحظات حول “الغلاء المؤقت” الذي تعرفه الأسواق في هذه الفترة. ورغم هذا الارتفاع المسجل، يلاحظ أن السوق لا يعاني من ندرة في التموين، بل على العكس، تتوفر مختلف الخضر بكميات معتبرة، ما يجعل النقاش داخل الأسواق يدور أساسًا حول الأسعار أكثر من توفر السلع، وهو ما يفتح الباب لتفسيرات مرتبطة بعوامل ظرفية تؤثر على التوازن بين العرض والطلب في هذه المرحلة.
استثناء لافت للبطاطا.. استقرار يكسر موجة الارتفاع
وفي خضم هذا الارتفاع المسجل في أغلب الخضر، برزت البطاطا كاستثناء واضح في الأسواق التي شملتها الجولة، حيث استقر سعرها في حدود 50 – 70 دج للكيلوغرام، ما جعلها الخيار الأكثر إقبالًا لدى المستهلكين مقارنة ببقية المنتجات التي عرفت زيادات ملحوظة، وهو ما انعكس مباشرة على سلوك الشراء داخل نقاط البيع.
ويؤكد عدد من التجار أن هذا الاستقرار يعود إلى وفرة العرض وانتظام التموين بهذه المادة، إلى جانب دخول كميات جديدة إلى السوق خلال الفترة الأخيرة، ما ساهم في الحفاظ على توازن السعر رغم الضغوط التي تعرفها باقي الخضر، في وقت أصبحت فيه البطاطا عنصرًا أساسيًا لتعويض بعض المواد التي ارتفعت أسعارها. من جهتهم، وجد المستهلكون في هذا الاستقرار متنفسًا نسبيًا، في محاولة للتكيف مع الوضع الحالي للأسعار، وهو ما خلق نوعًا من التحول في أنماط الاستهلاك داخل الأسر، دون أن يعني ذلك الاستغناء الكامل عن باقي الخضر. وفي هذا السياق، يعكس استقرار البطاطا صورة مغايرة داخل السوق، تؤكد أن الارتفاع المسجل لا يشمل كل المواد بنفس الوتيرة، بل يظل متفاوتًا بحسب طبيعة كل منتج وظروف تموينه، ما يعزز فكرة أن ما تعيشه الأسواق حاليًا يبقى مرتبطًا بعوامل ظرفية أكثر منه اختلالًا عامًا في التوازن.
الفواكه تواصل موجة الغلاء.. وأسعار تتباين حسب الجودة والعرض
ولم تقتصر التغيرات المسجلة على سوق الخضر فقط، بل امتدت أيضًا إلى الفواكه التي عرفت بدورها ارتفاعًا ملحوظًا في الأسعار، حيث بلغ سعر الموز نحو 500 دج للكيلوغرام، في حين تراوح سعر التمر بين 300 و1200 دج حسب الجودة والنوعية، ما يعكس تباينًا واضحًا في السوق بين المنتجات العادية وتلك ذات الجودة العالية.
كما سجل التفاح حضورًا بأسعار تدور حول 400 دج، بينما قُدّرت الفراولة بحوالي 300 دج، وهي مستويات اعتبرها العديد من المتسوقين مرتفعة نسبيًا، خاصة في ظل الإقبال الموسمي على هذه الفواكه، ما جعل اقتنائها يقتصر في بعض الحالات على كميات محدودة أو مناسبات معينة. وخلال الجولة الميدانية، بدا أن عرض الفواكه متنوع من حيث الأصناف والمصدر، إلا أن هذا التنوع لم ينعكس بالضرورة على الأسعار، التي ظلت مرتفعة في أغلب الحالات، مع تسجيل فروقات بين بائع وآخر تبعًا للجودة ومكان العرض، ما دفع بعض الزبائن إلى المقارنة بين عدة نقاط بيع قبل اتخاذ قرار الشراء. وفي المقابل، يربط بعض التجار هذه المستويات السعرية بعوامل مرتبطة بسلاسل التوريد وتكاليف النقل والتخزين، إلى جانب طبيعة المنتجات الموسمية، وهو ما يجعل أسعار الفواكه بدورها خاضعة لتقلبات ظرفية، تتغير بحسب العرض المتوفر والطلب المسجل في هذه الفترة من السنة.
تفسيرات ميدانية للارتفاع.. بين المناخ وتذبذب العرض
وفي قراءة ميدانية لأسباب هذا الارتفاع، يشير عدد من التجار إلى أن التقلبات المناخية الأخيرة أثّرت بشكل مباشر على وتيرة الإنتاج الفلاحي، خاصة بالنسبة لبعض الخضر الحساسة التي تتطلب ظروفًا مستقرة للنمو، ما انعكس على الكميات المطروحة في الأسواق خلال هذه الفترة. كما يبرز عامل تراجع العرض مقارنة بالطلب كأحد المحركات الرئيسية لهذا الوضع، حيث تعرف بعض المنتجات فجوات مؤقتة بين فترات الجني والإنتاج الجديد، وهو ما يؤدي إلى ضغط على الأسعار في نقاط البيع، خاصة مع استمرار الطلب اليومي المرتفع على هذه المواد الأساسية. ويضاف إلى ذلك، حسب نفس المتحدثين، تأثير تكاليف النقل والتخزين، التي تبقى مرتبطة بعدة متغيرات، من بينها مسافات التوزيع وظروف التبريد والحفظ، وهي عناصر تلعب دورًا في تحديد السعر النهائي للمستهلك، دون أن تعكس بالضرورة ندرة حقيقية في المنتجات. وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن السوق يعيش مرحلة انتقالية بين نهاية دورة إنتاجية وبداية أخرى، وهو ما يفسر هذا التذبذب الظرفي في الأسعار، خاصة مع انتظار دخول كميات جديدة من الإنتاج الفلاحي خلال الأيام المقبلة، الأمر الذي قد يعيد التوازن تدريجيًا بين العرض والطلب.
اتحاد التجار يطمئن… وضع السوق مستقر والزيادات ظرفية
وفي خضم هذه التغيرات المسجلة داخل الأسواق، أكد الاتحاد العام للتجار والحرفيين الجزائريين أن وضعية التموين والأسعار في السوق الوطنية تبقى، في مجملها، عادية ومستقرة، مشيرًا إلى أن الارتفاع المسجل في بعض المواد يظل ظرفيًا وموسميًا، مرتبطًا أساسًا بالعوامل المناخية ودورات الإنتاج وتراجع العرض مقارنة بالطلب خلال هذه الفترة.
وأوضح الاتحاد أن هذه الزيادات لا تعكس اختلالًا هيكليًا في السوق، بل تندرج ضمن تقلبات معتادة تعرفها بعض المنتجات الفلاحية، مؤكدًا أن دخول إنتاج جديد إلى الأسواق خلال الأيام القليلة المقبلة من شأنه أن يساهم في تحسين التموين واستعادة التوازن تدريجيًا، وهو ما تدعمه المؤشرات الميدانية الحالية. وفي المقابل، شدد البيان على أن أغلب المواد الاستهلاكية الأخرى، سواء الخضر أو الفواكه أو المواد الغذائية الأساسية، تبقى متوفرة بكميات كافية وبأسعار معقولة، وتُعرض بانتظام في المحلات التجارية ضمن الأسعار المقننة والمسقفة، ما يعكس استمرارية استقرار السوق ونجاعة جهود مختلف الفاعلين في ضمان التموين. كما أشار الاتحاد إلى أن التنسيق متواصل مع السلطات العمومية، وعلى رأسها وزارة التجارة الداخلية وضبط السوق الوطنية، بهدف ضمان وفرة المنتوجات وتأمين التموين المنتظم والحفاظ على استقرار الأسعار، داعيًا في الوقت ذاته إلى عدم الانسياق وراء الإشاعات التي قد تساهم في خلق حالة من القلق غير المبرر داخل السوق.
مؤشرات انفراج قريب.. عودة التوازن إلى الأسواق في الأفق
وفي ضوء المعطيات الميدانية الحالية، تتجه التوقعات نحو تسجيل تحسن تدريجي في وضعية الأسعار خلال الأيام المقبلة، مع اقتراب دخول إنتاج فلاحي جديد إلى الأسواق، وهو ما من شأنه تعزيز العرض وتقليص الفجوة المسجلة مؤقتًا مع الطلب، خاصة بالنسبة للخضر التي عرفت زيادات خلال الفترة الأخيرة. ويؤكد متعاملون في القطاع أن وتيرة التموين مرشحة للتحسن بشكل ملحوظ مع استقرار الظروف المناخية، ما سيسمح بعودة نسق الإنتاج إلى مستوياته المعتادة، وبالتالي إعادة التوازن داخل الأسواق، في سياق يعكس طبيعة الدورة الفلاحية التي تمر بمراحل متباينة على مدار السنة. كما يرتقب أن ينعكس هذا التحسن تدريجيًا على سلوك المستهلكين، مع تراجع حالة الترقب التي سادت خلال الأيام الماضية، وعودة أنماط الشراء إلى طبيعتها، خاصة مع تسجيل انخفاضات محتملة في أسعار عدد من المواد التي شهدت ارتفاعًا ظرفيًا. وفي هذا الإطار، تبدو السوق الوطنية أمام مرحلة استعادة التوازن، مدفوعة بتكامل جهود مختلف الفاعلين من منتجين وتجار وسلطات عمومية، بما يعزز استقرار التموين ويحافظ على استمرارية توفر المنتجات، في انتظار عودة الأسعار إلى مستويات أكثر انسجامًا مع القدرة الشرائية خلال فترة وجيزة.
بين واقع الأسعار وآفاق الانفراج.. سوق يختبر توازنه دون اختلال
وتعكس الجولة الميدانية صورة مركبة لسوق يعرف ديناميكية طبيعية بين الارتفاع والانخفاض، حيث تتقاطع معطيات العرض والطلب مع خصوصيات الإنتاج الفلاحي، في مشهد يظل بعيدًا عن أي اضطراب حاد، رغم الإحساس النسبي بارتفاع الأسعار لدى فئات واسعة من المستهلكين. وتبرز هذه المرحلة كاختبار حقيقي لقدرة السوق على امتصاص التقلبات الظرفية، خاصة في ظل توفر معظم المنتجات واستمرار قنوات التموين في العمل بشكل عادي، ما يؤكد أن التحدي المطروح حاليًا لا يتعلق بندرة السلع، بقدر ما يرتبط بإعادة ضبط مستويات الأسعار وفق المعطيات الجديدة. وفي هذا السياق، يظهر تفاعل مختلف الفاعلين، من منتجين وتجار وسلطات عمومية، كعامل حاسم في تسريع وتيرة العودة إلى التوازن، من خلال ضمان انسيابية التوزيع ومرافقة السوق في هذه المرحلة الانتقالية، بما يحد من أي انعكاسات سلبية محتملة على المستهلك. وبين قراءة الواقع وانتظار المؤشرات القادمة، تبقى الأسواق مرشحة لاستعادة استقرارها تدريجيًا، في سياق يعكس مرونة المنظومة التموينية وقدرتها على التكيف، ما يعزز الثقة في عودة الأسعار إلى مستويات أكثر توازنًا خلال فترة قريبة، دون أن يخرج الوضع عن إطاره الطبيعي.
مصطفى. ع