أنوار من جامع الجزائر

برَّ الوالدين من أعظم العبادات – الجزء الثاني والأخير –

برَّ الوالدين من أعظم العبادات – الجزء الثاني والأخير –

إن برَّ الوالدين من أعظم العبادات التي عُرف بها خيرة البشر من أنبياء الله ورسله، وأتباعهم ممن خلَّدوا أسماءهم بأحرف من ذهب في سجلِّ البررة، وضربوا فيها أروع الأمثلة، التي لا تكاد تصدِّقُها العقول، ولنقف على بعض النماذج المشرقة، لعلها تشْعِلُ في أرواحنا جذوة الاقتداء والتأسي:

فهذا نبي الله يحيى عليه السلام يصفه ربه تعالى بخلال حميدة، وعلى رأسها برُّهُ بوالديه، فقال عز من قائل: ( وحنانا من لدنا وزكاة وكان تقيا، وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا) [مريم: 13-14].

وهذا ابن خالته روح الله عيسى بن مريم عليهما السلام يصف نفسه كما حكى القرآن عنه: ( قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني مباركا أينما كنت، وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا، وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا) [مريم: 30-32].

وأما حال سلفنا الصالح، فمِمَّا تشرَّفُ به أمتنا وتعظم، روى مسلم في صحيحه عن عبدالله بن دينار عن عبد الله بن عمر : أن رجلا من الأعراب لقيه بطريق مكة، فسلم عليه عبدالله؛ وحمله على حمار كان يركبه؛ وأعطاه عمامة كانت على رأسه؛ فقال ابن دينار: فقلنا له: أصلحك الله، إنهم الأعراب، وإنهم يرضون باليسير، فقال عبد الله: إن أبا هذا كان ودا لعمر بن الخطاب، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن أبر البر صلة الولد أهل ود أبيه).

إن الشرع الحنيف لم يكتف بالأمر ببر الوالدين، واعتبار حقهما آكدا بعد حق الله سبحانه وتعالى، بل نهى نهيا موكدا، وزجر زجرا مشددا عن عقوقهما، أو الإساءة إليهما بأي نوع من أنواع الأذى، فقال تعالى (ولا تقل لهما أف ولا تنهرهما) [ الإسراء: 23]، وقد عدَّ النبي صلى الله عليه وسلم العقوق من أكبر الكبائر، حيث ثبت في الصحيحين عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه عنه عليه السلام أنه قال: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟، قلنا: بلى يا رسول الله، قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متكئا فجلس فقال: ألا وقول الزور، وشهادة الزور، ألا وقول الزور وشهادة الزور، فما زال يقولها حتى قلتُ لا يَسْكُتُ)، إن بر الوالدين رأس كل خير وسعادة في الدنيا والآخرة، وإن عقوقهما رأس كل شر وبلاء في العاجلة والآجلة، فبرُّوا آباءكم تبرَّكُم أبناؤكم، وأحسنوا إليهم، تنالوا بركة دعائهم، وثواب طاعتهم.

 

الجزء الثاني والأخير من خطبة الجمعة من جامع الجزائر